من “السافنا” إلى “النور قبة”.. ما أسباب الانشقاقات داخل الدعم السريع؟

من

Loading

تشهد قوات الدعم السريع في السودان موجة انشقاقات متزايدة، في تطور ميداني يسلط الضوء على تصدعات داخلية معقدة تضرب واحدة من أبرز القوى المسلحة في البلاد.

وبينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، تبدو هذه الانشقاقات أبعد من مجرد أحداث أمنية عابرة، إذ تعكس تحولات عسكرية وقبلية قد تؤثر بشكل مباشر في موازين القوى، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان اللذين يمثلان الثقل الإستراتيجي لقوات الدعم السريع.

انشقاقات داخل الدعم السريع

وفي أحدث التطورات، أعلن القائد الميداني في قوات الدعم السريع علي رزق الله، المعروف بلقب “السافنا”، انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني، بعد عملية تمويه استمرت عدة أيام لضمان خروجه الآمن من المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.

ويُعد “السافنا” من أبرز القادة الذين شاركوا في إدارة المعارك داخل الخرطوم وكردفان، كما يرتبط بعلاقات وثيقة مع زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال، وهي القبيلة التي ينتمي إليها أيضًا، ما يمنح خطوة انشقاقه أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري إلى التأثير القبلي والسياسي.

ولم يكن انشقاق “السافانا” حدثًا معزولًا، إذ سبقه بأيام إعلان اللواء النور أحمد أدم، المعروف بـ”النور قبة”، انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا واضحًا على تصاعد الخلافات داخل بنية الدعم السريع.

ويرى متابعون للشأن السوداني أن خروج قادة يمتلكون نفوذًا ميدانيًا وقوات مسلحة وخبرة قتالية واسعة يمثل ضربة معنوية وعسكرية كبيرة لقوات الدعم السريع، خاصة في ظل استمرار المعارك واتساع رقعة النزاع.

وتبقى التركيبة القبلية أحد أكثر الملفات حساسية داخل قوات الدعم السريع، التي تضم مقاتلين من قبائل ومكونات اجتماعية متعددة، لا سيما في إقليم دارفور.

وتشير مصادر ميدانية إلى تصاعد حالة التململ والاستياء وسط بعض المكونات القبلية بسبب اتهامات تتعلق بالتمييز وسوء إدارة الموارد وإهمال المقاتلين، إلى جانب خلافات متزايدة حول النفوذ داخل المجموعات المسلحة.

كما تصاعد الغضب داخل صفوف الدعم السريع عقب الهجوم على منطقة “مستريحة”، معقل قبيلة المحاميد، وما رافقه من عمليات قتل ونهب، وهو ما اعتبرته قيادات قبلية تجاوزًا خطيرًا للتحالفات التي تأسست عليها القوة.

صراع نفوذ داخل المجموعات المسلحة

ويقول باحثون في الشأن السوداني إن الطبيعة الاجتماعية والعسكرية لقوات الدعم السريع تحولت مع مرور الوقت إلى عامل ضغط داخلي متفاقم، في ظل تنافس الزعامات المحلية على النفوذ وتزايد الحساسية تجاه أي قرارات تمس التوازنات القبلية.

وتخشى أوساط في دارفور وكردفان من أن يؤدي تفكك الولاءات داخل الدعم السريع إلى انفجار صراعات بين المجموعات المسلحة نفسها، الأمر الذي قد يفاقم الانفلات الأمني ويزيد من حدة أعمال العنف وجرائم التطهير العرقي التي شهدتها مناطق عدة خلال الفترة الأخيرة.

وفي تعليقها على الانشقاقات الأخيرة، شددت مجموعة “محامو الطوارئ” السودانية الحقوقية على أن انتقال بعض القادة العسكريين بين طرفي النزاع لا يعفيهم من المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال الحرب.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه المدنيون دفع الثمن الأكبر للنزاع المستمر منذ نحو أربع سنوات، وسط تدهور إنساني وأمني متصاعد.

وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، قُتل نحو 880 مدنيًا على الأقل في هجمات بطائرات مسيّرة بمناطق مختلفة من السودان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، في مؤشر يعكس اتساع دائرة العنف واستمرار تدهور الأوضاع الإنسانية.

ما أسباب الانشقاقات داخل الدعم السريع؟

وفي هذا الإطار، تحدث عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة “التيار” السودانية، عن الأسباب الحقيقية وراء سلسلة الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، موضحًا أن العامل الأساسي يتمثل في الوضع العسكري المتدهور لهذه القوات خلال الفترة الماضية.

فالحرب التي توقعت قوات الدعم السريع أن تكون قصيرة، دخلت عامها الرابع، وخلالها تكبدت خسائر كبيرة في الأفراد والعتاد والقدرات، حتى باتت عاجزة عن تلبية احتياجات معالجة الجرحى، الأمر الذي أثار احتجاجات واسعة بين صفوفها، خاصة في المجموعة التي أعلنت انشقاقها مؤخرًا، وفقًا لعثمان ميرغتي.

وأشار ميرغني في حديثه للتلفزيون العربي إلى أن “القشة التي قصمت ظهر البعير” كانت الاجتياح الذي تعرضت له منطقة مستريحة خلال الأشهر الماضية، والذي تسبب في انقسام قبلي ومجتمعي بين المجموعات التي كانت تساند الدعم السريع هناك.

ولفت إلى أن هذا الانقسام انعكس في شكل احتجاج صامت داخل القوات، عبّر عنه بعض القادة بالانشقاق رفضًا لما تعرض له أهلهم من مذابح وتشريد وتعسف.

وأضاف أن هذه الانشقاقات ستتواصل مثل كرة الثلج، لتشمل مجموعات وقيادات أخرى، بعدما انهار المشروع السياسي الذي كانت تتبناه قوات الدعم السريع.  

أما عن عودة بعض القيادات المنشقّة إلى صفوف الجيش السوداني، فقد أوضح ميرغني أن لهذه الخطوة دلالات كبيرة، إذ إن هؤلاء ليسوا مجرد قادة عسكريين، بل يحظون باحترام واسع وطاعة من الجنود الذين خدموا معهم طويلًا.

لكنه شدد على أن الجرائم التي ارتكبوها لن تُمحى بمجرد انشقاقهم، فهي مثبتة ولم تُغلق ملفاتها بعد، حيث أكد عبد الفتاح البرهان أن الشعب السوداني هو من سيقرر لاحقًا العفو عنهم أو محاسبتهم.

وفي ما يتعلق بالأبعاد العسكرية لهذه الانشقاقات، بيّن ميرغني أنها تُضعف الروح المعنوية داخل قوات الدعم السريع بشكل واضح، وهو ما ظهر في الرسائل المتبادلة بين الجنود. فقد انهار الإحساس بوجود قضية تستحق القتال، إضافة إلى فقدان القوة العسكرية، إذ إن القادة المنشقين كانوا يقودون مجموعات مؤثرة في المعارك، خصوصًا في منطقة كردفان.