صعود الصين… أفول أمريكا

صعود الصين… أفول أمريكا

Loading

صعود الصين… أفول أمريكالم يعد السؤال المطروح في دوائر السياسة والاقتصاد والاستراتيجية هو: هل صعدت الصين؟, بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمثل هذا الصعود بداية التراجع الأمريكي التاريخي؟
العالم يعيش بالفعل مرحلة انتقالية كبرى، تتغير فيها موازين القوة بصورة متسارعة، وتتفكك خلالها أسس الهيمنة الأحادية التي انفردت بها الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.
صعود الصين… أفول أمريكاالصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل تحولت إلى مشروع حضاري واستراتيجي متكامل ينازع أمريكا على قيادة العالم في الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والنفوذ الجيوسياسي ، فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأعظم بلا منازع، وما تزال تملك أضخم شبكة تحالفات وقواعد عسكرية ونفوذًا ماليًا وإعلاميًا هائلًا، لكن المؤشرات الكبرى تكشف أن العالم لم يعد يدور بالكامل في الفلك الأمريكي كما كان طوال العقود الماضية.
صعود الصين… أفول أمريكاالصين تتقدم بهدوء شديد، ولكن بثقة إمبراطورية قديمة استعادت وعيها التاريخي.
أخطر ما في الصعود الصيني أنه لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على الاقتصاد والإنتاج والتقنية والتغلغل التجاري والسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية، بكين نجحت في تحويل نفسها إلى مصنع العالم، ثم انتقلت تدريجيًا إلى مرحلة السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والطاقة النظيفة والبنية التحتية العالمية عبر مشروع (الحزام والطريق)
صعود الصين… أفول أمريكاالدراسات الحديثة حول سلاسل الإمداد العالمية تؤكد أن محاولات واشنطن تقليل الاعتماد على الصين لم تنجح بصورة كاملة، وأن الاقتصاد العالمي ظل مرتبطًا بالصناعة الصينية حتى بعد سنوات من العقوبات والحروب التجارية،
كما أن التقدم الصيني في الذكاء الاصطناعي والنشر العلمي بات يثير قلقًا حقيقيًا داخل الغرب، بعد أن ارتفعت مساهمة الصين في أبحاث الذكاء الاصطناعي عالميًا بصورة ضخمة خلال العقدين الأخيرين، لكن التحول الأخطر ظهر بوضوح في المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، هذه المواجهة كشفت أن الصراع لم يعد مجرد نزاع إقليمي بين واشنطن وطهران، بل بات جزءًا من حرب نفوذ عالمية بين أمريكا والصين.
صعود الصين… أفول أمريكاإيران بالنسبة للصين ليست مجرد حليف سياسي، بل تمثل بوابة استراتيجية للطاقة وخط دفاع متقدمًا في مواجهة الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط.
التقارير الغربية نفسها أقرت بأن بكين قدمت لطهران دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا وتقنيًا مكّنها من الصمود أمام الضغوط الأمريكية، فالصين استمرت في شراء النفط الإيراني، ووفرت غطاءً اقتصاديًا ودبلوماسيًا مهمًا، كما تحدثت تقارير عن دعم مرتبط بالتقنيات ذات الاستخدام المزدوج والالتفاف على العقوبات.
صعود الصين… أفول أمريكاالأخطر من ذلك أن الحرب أظهرت خوفًا أمريكيًا متزايدًا من تمدد النفوذ الصيني داخل الخليج والشرق الأوسط، وهي منطقة ظلت لعقود طويلة تعتبر المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة.
صعود الصين… أفول أمريكاعدد من مراكز الدراسات الغربية بدأ يتحدث صراحة عن أن انشغال أمريكا بالمواجهة الإيرانية يمنح الصين فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي عالميًا.
المشهد بدا وكأن واشنطن تخوض حروب الاستنزاف، بينما تتفرغ الصين لبناء النفوذ طويل المدى.
ثم جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  إلى الصين لتكشف حجم التحول في موازين الرمزية السياسية.
صعود الصين… أفول أمريكافي عالم السياسة، التفاصيل البروتوكولية ليست أمورًا شكلية، بل رسائل قوة وهيبة ومكانة،فامتناع الرئيس الصيني عن استقبال  الرئيس ترامب بالمطار لم يكن تفصيلًا عابرًا، رغم الاستقبال الرسمي الكبير الذي تم تنظيمه عبر نائب الرئيس وكبار المسؤولين الصينيين، فالصين أرادت أن تقول شيئًا بالغ الوضوح ..نحن نستقبل أمريكا بندية، لا بتبعية.
صعود الصين… أفول أمريكابكين تدرك أن ترامب جاء إلى الصين وهو يحتاج إلى تفاهمات كبرى تتعلق بالتجارة والطاقة وإيران وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، بينما لم تعد الصين تشعر بأنها الطرف الأضعف الذي يسعى إلى رضا واشنطن،حتى الخطاب الصيني الرسمي خلال القمة حمل لغة مختلفة تمامًا عن لغة العقود السابقة، الرئيس الصيني تحدث صراحة عن خطر (الصدام) إذا أسيء التعامل مع قضية تايوان، ودعا إلى تجاوز (فخ ثيوسيديدس) الذي يصف صراع القوى العظمى الصاعدة مع القوى المهيمنة.
صعود الصين… أفول أمريكاهذا الخطاب يعكس عقلية صينية جديدة ترى نفسها نداً حضارياً واستراتيجياً للولايات المتحدة، لا مجرد قوة اقتصادية تبحث عن الأسواق، لكن رغم كل ذلك، فإن الحديث عن (أفول أمريكا) الكامل ما يزال مبكرًا، فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات الكبرى لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا.
صعود الصين… أفول أمريكاأمريكا ما تزال تتفوق عسكريًا وتقنيًا وإعلاميًا، وتملك الجامعات الأقوى، والشركات الأكبر، والدولار الذي لا يزال العمود الفقري للنظام المالي العالمي، غير أن ما يحدث الآن هو بداية تشكل نظام دولي متعدد الأقطاب، تتراجع فيه قدرة واشنطن على فرض إرادتها منفردة،،الصين لا تريد غالبًا حربًا مباشرة مع أمريكا، لأنها تدرك أن الصدام العسكري قد يهدد مشروعها الاقتصادي العملاق، لكنها تعمل بصبر استراتيجي طويل النفس لإعادة تشكيل العالم بطريقة تجعل النفوذ الأمريكي أقل قدرة على التحكم في القرار الدولي.
العالم إذن لا يشهد سقوط أمريكا بقدر ما يشهد نهاية عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة، والسؤال الحقيقي لم يعد هل ستصعد الصين؟ ؟بل أصبح كيف سيبدو العالم بعد اكتمال هذا الصعود؟