![]()
نقطة تأمل
بقلم.. مهند عباس العالم
النورس نيوز _ كان الله في عون أهل السودان، فقد شهدنا أيامًا عصيبة في هذه الحرب المشؤومة، وأيامًا أخرى جعلتنا ندرك المعنى الحقيقي للأخوة والإنسانية. الحمد لله الذي كشف لنا أصحاب الأخلاق والمواقف النبيلة، كما كشف لنا وجوهًا أخرى لم نكن نتخيل يومًا أن نراها بين أبناء الوطن الواحد.
كان منزلنا يقع على شارع رئيسي، وأمام المنزل مباشرة ارتكاز يتبع للدعم السريع، بينما تنتشر الارتكازات كل مئة متر تقريبًا، لأن منطقتنا كانت منطقة تماس بين الجيش السوداني والدعم السريع. كنا نخرج إلى المسجد بخوف، ونتحرك في الطرقات بحذر شديد، حتى أصبحت الشوارع موحشة، وقلّ الرجال الذين يخرجون إلى أعمالهم، لكنني كنت مضطرًا للخروج رغم كل المخاطر.
كنت أقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام لأيام متواصلة، ولم أكن أتصور يومًا أن الإنسان قد يتحمل كل ذلك حتى رأيته بعيني في نفسي. كنت أخاطر بحياتي لأن معظم سكان الحي كانوا يعتمدون عليّ في توفير احتياجاتهم الأساسية. لم تكن هناك شبكة اتصالات أو إنترنت، باستثناء خدمة “ستارلينك” في بعض المواقع، لذلك كنت أذهب إلى السوق ومعي شوال كبير، أقوم من خلاله بسحب الأموال من حسابي البنكي عبر تطبيق “بنكك”، وتحويل الأموال الإلكترونية إلى نقدية لأهالي الحي.
في أحد الأيام، وبينما كنت أتجول في السوق، رأيت السافنا ورجاله قرب نيابة ليبيا، يوقفون المارة للتأكد إن كانوا يتبعون للدعم السريع أم لا. تم إيقافي وضربي وسلب أموالي، وقال لي أحدهم: “أنت مواطن لافي في السوق لشنو؟ وكمان جنب النيابة؟ امشي من هنا”. خرجت حينها بما تبقى معي من مال، وبدأت أبتكر وسيلة لإخفاء الأموال داخل شوال الخضار؛ أضع الخضروات أسفل الشوال ثم الأموال ثم طبقة أخرى من الخضار فوقها.
في البداية كنت أحمل خضارًا فقط حتى تعودت عليّ الارتكازات، وبعد فترة ظنوا فعلًا أنني مجرد شخص يجلب الخضار لأهل الحي، فبدأت أنقل الأموال بهذه الطريقة، وأنا أعلم أن اكتشاف أمري قد يعني قتلي فورًا، لكن لم يكن هناك خيار آخر.
لاحقًا وصلني خبر من أحد المعارف بأن هناك حديثًا داخل بعض ارتكازات الدعم السريع عن نية لقتل والدي لأنه ضابط سابق في الجيش السوداني. لم أتردد وقتها، وفي تلك الليلة قمت بتهريب والدي بمساعدة جارنا العزيز حمزة، الذي لا أملك إلا أن أدعو الله أن يجزيه خير الجزاء. خرج والدي متنكرًا في هيئة عامل بسيط داخل “تكتك” يقوده حمزة، الذي كان يعمل تاجرًا وصاحب دكان في الحي.
بعد خروج والدي أصبحت الرجل الوحيد في المنزل. كانت لدينا محال تجارية وممتلكات كثيرة، من بينها محل أدوات سوبر ماركت ومستلزمات مناسبات وغيرها، لكنها أصبحت بلا قيمة وسط الحرب. رغم ذلك، أصررت على البقاء ومحاولة إخراج أهلنا ومساعدة الآخرين.
مع مرور الوقت، أصبح كثير من سكان الحي يعتمدون عليّ في نقل الأموال والمساعدة في إخراج العفش وتأمين الاحتياجات. وفي أحد الأيام، وبعد خروجي من المسجد، فوجئت بثلاثة مواتر تتبع للدعم السريع تحمل ستة مسلحين، بعضهم من أبناء الحي، قاموا باعتقالي بالقوة بتهمة أنني ضابط سابق في الجيش.
رأى عدد من أهل الحي ما حدث، فأبلغوا والدتي وزوجتي، وتحرك بعض الخيرين للتوسط من أجلي. تواصلوا مع شخص كان صديقًا لنا قبل الحرب، لكنه انضم لاحقًا للدعم السريع، وبمجرد أن علم بما حدث حاول مساعدتي. وبحسب ما قيل لي، فقد قام بتزوير بطاقة باسمي تثبت أنني تابع للدعم السريع حتى يتمكن من إخراجي من المعتقل.
وبعد جهود مضنية خرجت من المعتقل، لكنني خرجت محملًا بذكريات لا تُنسى. رأيت رجالًا في عمر والدي يتعرضون للإهانة والتعذيب على أيدي أطفال يحملون السلاح. وحتى اليوم ما زلت أشعر بآثار السياط والإهانات في داخلي قبل جسدي، ولم أكن أتصور يومًا أن يصل الانحدار الأخلاقي إلى هذا الحد بين أبناء الشعب السوداني.
عدت إلى المنزل لأجد ابني الصغير العباس وقد تغير لون عينيه إلى الأبيض. تعددت التفسيرات؛ من قال إنها بسبب البارود المنتشر في الجو، ومن قال إنها مياه بيضاء، لكنني قررت أخذه إلى مستشفى كانت تحت سيطرة الدعم السريع. وبعد معاناة وافق أحد الأطباء على الكشف عليه سرًا، ثم قال لي بهدوء: “ابنك عنده جلكوما، ولا يمكن علاجه هنا… الأفضل تمشي مناطق الجيش”.
كان القرار صعبًا جدًا، فلم أكن أستطيع ترك والدتي وإخوتي وجدتي وعمي المصاب بطلق ناري في ساقه. بعد استخارة واستشارة، قررنا إخراج جزء من الأسرة إلى منطقة الثورات، حيث استأجرنا منزلًا هناك، بينما بقيت أنا ووالدتي لإخراج بقية العفش ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في تلك الفترة، عاد أحد أعمامي من كردفان، وكان قد انضم للدعم السريع، لكنه صُدم بما رآه وقرر الانسحاب. خلع زيهم وقال: “لو بقيت معهم سيقتلوني، وأنا لا أوافق على ما يفعلونه”. غادر إلى مناطق الجيش ثم إلى دنقلا، ومنها إلى مصر.
أما أنا، فواصلت إخراج العفش ومساعدة الناس. عندما رأى أهل الحي ما أقوم به، طلب كثيرون مساعدتي في إخراج ممتلكاتهم، ولم أستطع أن أتركهم خلفي. وبفضل الله تمكنت من إخراج عدد كبير من الأسر ومساعدتهم.
بعد خروجي إلى مناطق الجيش أصبت بمرض خطير كدت أفقد حياتي بسببه، ربما نتيجة التغير المفاجئ في الطعام بعد شهور من المعاناة والجوع. لكن الله كتب لي الشفاء. لاحقًا سافرت انا و زوجتي مع ابنائي إلى مصر للعلاج، وبعد الفحوصات أكد الأطباء حاجته إلى متابعة دقيقة.
وهنا أود أن أتوقف عند نقطة مهمة في الأزمة التي مررنا بها في الحي لم ننظر يوماً لقبيلة او لنسب وغيرنا كثير من الاحياء، لم نكن نشعر يومًا بأن بيننا فرقًا أو تمييزًا. تربينا على أن السودان وطن يجمعنا، لا قبيلة تفرقنا. زرت الشمالية وكسلا وبورتسودان وكردفان ودارفور ومعظم ولايات السودان، ولم أكن أنظر إلا إلى الهوية السودانية. لذلك تبًا لكل من يسعى لزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
لاحقًا، تم ترحيل عمي محمد عمر من مصر من مناطق التعدين إلى السودان، وفور وصوله تم اعتقاله في حلفا بتهمة الانتماء للدعم السريع، وصدر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يتم إيقاف الحكم بعد توكيل محامٍ للدفاع عنه، وما يزال في السجن حتى اليوم بتهمة التمرد ضد الدولة.
قلنا حينها إن هذا ربما جزاء اختياراته السابقة، لكننا تفاجأنا لاحقًا بعودة شخصيات مثل النور قبة والسافنا وغيرهم إلى السودان دون محاسبة، باعتبار أن ذلك قرار من القيادة العليا. وهنا يبرز السؤال المؤلم:
إذا كان هؤلاء قد عادوا إلى الوطن، فماذا عن بقية السجناء؟ وماذا عن الذين ما زالوا خلف القضبان ينتظرون العدالة أو العفو؟