![]()
“عائد عبدالله” .. فارسُ الجزيرةِ ، ودرعُ الوطن..!
كتب / النيل الفاضل
شبابُ السودانِ درعُ الوطنِ وحماةُ العقيدةِ والدينِ، شبابٌ لم تُحطّمهم الليالي، ولم تُثنِهم الخطوبُ، شبابٌ إذا استُنفِروا لبّوا، وإذا دُعيَ إلى الذودِ عن الحمى هبّوا هبّةَ الأسدِ الضّاري. يقفونَ سدّاً منيعاً دونَ الوطنِ في الأحَنِ والمِحَنِ، يصدّونَ العدوانَ بصدورِهم، ويسقونَ ترابَهُ بدمائِهم الطاهرةِ، فلا يُهانُ عرضٌ ما دامَ فيهم عرقٌ ينبضُ، ولا يُسلبُ حقٌّ ما دامَ فيهم سيفٌ يُشهرُ.
وفي هذا المقامِ الجليلِ، حيثُ تُروى مآثرُ الرجالِ وتُخلَّدُ تضحياتُ الأبطالِ، تقفُ الكلماتُ إجلالاً أمامَ سيرةِ شابٍّ من شبابِ السودانِ كانَ نبراساً في الإخلاصِ ومِثالاً في الثباتِ ومِضربَ مثلٍ في الإقدامِ. إنه الشابُّ المجاهدُ النيلُ الفاضلُ محمودٌ.
كانَ يافعاً منذُ كانَ طالباً، نضيرَ العودِ صافيَ السريرةِ، يحملُ في قلبِه همَّ الوطنِ قبلَ همِّ نفسِه. لم تَشغلْهُ مسؤولياتُ العملِ المبكّرِ عن نداءِ الواجبِ، ولم تُقْعِدْهُ حداثةُ السّنِّ عن ميادينِ العطاءِ. فقد تقلّدَ عدةَ مواقعَ في المؤسساتِ الطلابيةِ، وكانَ رئيساً للاتحادِ العامِّ للطلابِ السودانيينَ، فعُرفَ بالحكمةِ في القيادةِ والصدقِ في القولِ والعملِ.
ومن ساحاتِ العملِ الطلابيِّ انتقلَ إلى ساحاتِ الذودِ عن الأرضِ والعرضِ، فانخرطَ في صفوفِ المدافعينَ ضمنَ متحركِ الجزيرةِ الغربي، وكانَ جنديّاً مخلصاً لا يعرفُ الكللَ ولا يُعرفُ عنه إلّا الوفاءُ والثباتُ.
هناكَ، حيثُ تلتقي سيوفُ الحقِّ بسيوفِ الباطلِ، وحيثُ يُمتحنُ الرجالُ عندَ اشتدادِ الكُرَبِ، كانَ النيلُ ثابتاً كالجبلِ الراسي. لم يعرفِ الخوفُ طريقاً إلى قلبِه، ولم يعرفِ الترددُ سبيلاً إلى خطوتِه. كانَ يتقدمُ إذا تقهقرَ غيرُه، ويصدعُ بالتكبيرِ إذا رجفَتِ القلوبُ، ويقولُ قولَ الواثقِ بربِّه: هيهاتَ منّا الذلّةُ، واللهُ مولانا ولا مولى لهم.
شهدَ له رفاقُ السلاحِ بالبِشرِ والتواضعِ والسبقِ إلى الخيرِ. كانَ مواظباً على صلاتِه، آنساً بكتابِ اللهِ في خَلوتِه، مقاتلاً بهِ في جَلوتِه. لم تكنْ غايتُه دنيا يُصيبُها ولا جاهاً يطلبُه، وإنّما كانتْ غايتُه إعلاءَ كلمةِ اللهِ وحمايةَ الأرضِ وصونَ الأعراضِ. كانَ يقولُ بلسانِ الحالِ والمقالِ إنّ الموتَ في سبيلِ اللهِ حياةٌ، وإنّ الحياةَ معَ الذلِّ مماتٌ.
وهكذا يكونُ شبابُ السودانِ الذينَ تربّوا على قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. شبابٌ لا يُساومونَ على العقيدةِ بمنصبٍ، ولا يُفرّطونَ في الوطنِ بثمنٍ. شبابٌ أيقنوا أنّ العزّةَ لا تُنالُ إلّا بالتضحيةِ، وأنّ الأوطانَ لا تُصانُ إلّا بالدماءِ الزكيةِ.
إنّ سيرةَ النيلِ الفاضلِ محمودٍ ليستْ سيرةَ فردٍ بذاتِه، بل هيَ رمزٌ لجيلٍ بأكملِهِ اختارَ أن يكونَ حارساً للثغورِ ودرعاً للأمّةِ وسيفاً مسلولاً على رقابِ المعتدينَ. جيلٌ لم تُكسِرْهُ الليالي الحالكةُ، ولم تُفتِنْهُ زخارفُ الدنيا، بل زادَهُ البلاءُ إيماناً ويقيناً.
فعلى دربِ هؤلاءِ فليسرِ الشبابُ، وليكونوا كما عهدَهم الوطنُ أسوداً في الميدانِ ورجالاً عندَ الموقفِ وأمناءَ على العقيدةِ والدينِ. فإنّ الوطنَ لا يُبنى إلّا بسواعدِهم، ولا يُصانُ إلّا بدمائِهم، ولا يُرفعُ إلّا بهمّتِهم.
رحمَ اللهُ شهداءَنا الأبرارَ، وثبّتَ اللهُ أقدامَ مجاهدينا، وحفظَ اللهُ السودانَ وأهلَهُ من كيدِ الخائنينَ وعدوانِ المعتدينَ.