هل أجاب اجتماع وبيان نيروبي علي الاسئلة المهمة أم هو تكرار لمسيرة الفشل المتراكم

هل أجاب اجتماع وبيان نيروبي علي الاسئلة المهمة أم هو تكرار لمسيرة الفشل المتراكم

Loading

منذ ميلاد قوى إعلان الحرية والتغيير في لحظة الثورة الكبرى، ظل السودانيون ينتظون قيام كتلة مدنية وطنية عريضة قادرة على قيادة انتقال سياسي ناجح يفضي إلى دولة مدنية ديمقراطية مستقرة. لكن تجربة السنوات التي أعقبت الثورة التي اسقطت نظام البشير كشفت أن الطريق إلى ذلك الهدف لا تعبّده الشعارات وحدها، وأن تكرار المواثيق والإعلانات السياسية لا يصنع بالضرورة مشروعاً وطنياً ناجحاً.

منذ إعلان الحرية والتغيير، إلى الوثيقة الدستورية، إلى الاتفاق الإطاري، ثم تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية تقدم، ثم صمود، وأخيراً إعلان المبادئ وبيان نيروبي الأخير، ظل المشهد السياسي المدني يدور في دائرة متشابهة: ذات اللغة، وذات الوعود، وذات النخب، وذات العجز عن تحويل النصوص إلى واقع سياسي مؤثر.

بكل أسف، لم يقدّم بيان نيروبي جديداً جوهرياً بقدر ما أعاد إنتاج ذات الأفكار القديمة في صياغات مختلفة. فالحديث عن الدولة المدنية، ووقف الحرب، والعدالة، وإعادة بناء الدولة، وإنهاء الشمولية، كلها شعارات صحيحة ومطلوبة، لكنها لم تعد كافية لإقناع الشارع السوداني الذي أصبح أكثر صرامة في تقييم الأداء وأكثر شكاً في قدرة ذات النخب على الفعل.

لم تكن أزمة القوى المدنية يوماً في نقص المواثيق أو البيانات، بل في غياب المراجعة الصريحة للتجربة كلها، وفي ضعف الشجاعة اللازمة للاعتراف بالفشل وتقييم الأداء بصدق. فمعظم القوى التي اجتمعت في نيروبي، كانت جزءاً من كل المراحل السابقة: شاركت بالسلطة، ودخلت الشراكات، ووقّعت الاتفاقات، وأدارت التسويات، ثم انقسمت على نفسها مراراً وتكرارا قبل أن تعود في تحالفات جديدة بأسماء جديدة. لذلك يفقد أي خطاب جديد كثيراً من قيمته عندما يُطرح بالوجوه ذاتها، ومن دون اعتراف شجاع بالأخطاء التي قادت إلى هذا الانهيار الوطني الهائل والعجز عن بناء تكتل وطني مدني فعَّال.

إن أخطر ما يواجه القوى المدنية عامة والسياسية منها خاصة الان ليس ضعف التمويل ولا غياب الدعم الخارجي بل فقدان الثقة الشعبية. لقد تعب السودانيون من إعادة تدوير ذات النخب، ومن الاجتماعات الخارجية التي تنتج بيانات أنيقة لكنها عاجزة عن التأثير في مجريات الحرب وعن وقف الانهيار أو تقديم قيادة وطنية موحدة. كما أن الإصرار على تجنب النقد الذاتي جعل هذه القوى تبدو وكأنها تتعامل مع الكارثة الوطنية باعتبارها مجرد أزمة علاقات سياسية، لا انهياراً شاملاً يستوجب مراجعات تاريخية مؤلمة وعميقة واضح انهم غير مؤهلين لها.

لم يعد كافياً الحديث عن “الوحدة المدنية” دون سؤال جوهري: وحدة حول ماذا؟ وبأي أدوات؟ وبأي قيادة؟ وبأي مصداقية؟. إن أي مشروع مدني جديد لن ينجح إذا لم يبدأ أولاً بالاعتراف الواضح بأن التجربة السابقة فشلت في إدارة الانتقال، وفشلت في حماية الدولة، وفشلت في بناء قاعدة وطنية جماهيرية مدنية سياسية واسعة، وفشلت في التعرف على تعقيدات المجتمع السوداني ومخاطبة توازناته السياسية والعسكرية والاجتماعية.

الشجاعة السياسية الحقيقية اليوم ليست في كتابة ميثاق جديد، بل تتمثل في قول الحقيقة كاملة كالآتي:
نعم، أخطأنا.
نعم، احتكرنا المشهد أحياناً.
نعم، فشلنا في إدارة الخلافات.
نعم، ابتعدنا عن قطاعات واسعة من الشعب.
نعم، لم ننجح في إنتاج قيادة وطنية جامعة.

بدون هذا الاعتراف الشجاع والواضح والصريح، ستظل المواثيق الجديدة مجرد نسخ معدلة من تجارب قديمة فقدت بريقها وتأثيرها. ومع ذلك، فإن الحاجة لمشروع مدني وطني ما تزال قائمة وربما أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالسودان لا يمكن أن ينهض بحكم السلاح وحده، ولا بمنطق الغلبة العسكرية، ولا بتحالفات النخب المنغلقة. لكنه أيضاً لن ينهض بتحالفات مدنية تعيش في عزلة عن المزاج الشعبي وعن التحولات العميقة التي صنعتها الحرب.

وعليه فان الطريق إلى تحالف وطني مدني عريض، وناج ومؤثر يبدأ من ثلاثة شروط أساسية:
أولاً: تجديد القيادة، وفتح الباب أمام وجوه جديدة أكثر التصاقاً بالواقع السوداني وأقل ارتباطاً بصراعات المرحلة الماضية.
ثانياً: الانتقال من الخطاب النظري إلى مشروع عملي يلامس قضايا الأمن والمعيشة والعدالة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ثالثاً: بناء تحالف وطني واسع لا يقوم على الإقصاء أو الاحتكار السياسي أو الوصاية الثورية، بل على الاعتراف بالتنوع السوداني وتعقيداته.

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى ميثاق جديد بقدر حاجته إلى عقل سياسي جديد والي قادة مؤثرون جماهيريا لا نخب معزولة، وإلى شجاعة أخلاقية تعترف بالفشل قبل البحث عن فرصة جديدة للقيادة. فالأمم لا تتقدم بتكرار الأخطاء، ولا بتغيير أسماء التحالفات مع بقاء العقلية ذاتها، بل بالمراجعة الصادقة والقدرة على التعلم والتحول وبناء مشروع وطني يستحق ثقة الناس.