مذكرات الأمير عبد القادر الجزائري.. محطات من رحلة النضال ضد الاستعمار

مذكرات الأمير عبد القادر الجزائري.. محطات من رحلة النضال ضد الاستعمار

Loading

 من مبايعة تحت شجرة الدردارة إلى دولة متنقلة وسقوط الزمالة، تروي مذكرات الأمير عبد القادر الجزائري سيرة قائد جمع بين المقاومة وبناء الدولة، قبل أن تنكث فرنسا عهدها معه.


رأى الفرنسيون في الأمير عبد القادر الجزائري نموذجًا للعربي النبيل، ورمزًا يذكّر، في المخيال الغربي، بصورة صلاح الدين.

ارتبطت شخصية عبد القادر بقناعات دينية راسخة واستقامة شخصية واضحة، فكان دفاعه عن بلاده في وجه الاحتلال العسكري الفرنسي فوق أي شبهة أو مصلحة خاصة. وقد قاد في القرن التاسع عشر واحدة من أبرز حركات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

غير أن فرنسا، مع مرور الأعوام وتوالي الأحداث، نكثت عهدًا قطعته للأمير عبد القادر، وسجنته بعد أن وعدته بالأمان، فتحوّلت قضيته إلى مسألة وطنية ودولية، أثارت تساؤلات الرأي العام الفرنسي وقلق الأوساط السياسية الأوروبية.


من هو الأمير عبد القادر الجزائري؟


تقود الإجابة على هذا السؤال إلى الخامس من يوليو/ تموز 1830، حين وقّع داي الجزائر الحسين بن موسى وقائد الحملة الفرنسية المارشال دي بورمن معاهدة الاستسلام، بعد مقاومة طويلة للهجمات البحرية الأوروبية على البلاد.

بموجب تلك المعاهدة، احتلت فرنسا سواحل الجزائر، وبدأ الجزائريون رحلة النضال ضد الاستعمار.

ومع سقوط وهران عام 1831، واتساع الأطماع الاستعمارية خارج المدن الساحلية الرئيسة، بدأت الاضطرابات والفوضى تطغى على الحياة اليومية للجزائريين، ما دفع شيوخ وعلماء وهران إلى البحث عن شخصية تتولى زمام الأمور.

من هنا برز قائد صوفي حمل راية الجهاد، وسعى إلى توحيد الجزائريين في مواجهة المستعمر الفرنسي، قبل أن يترك بصمته في تاريخ بلاده والعالم: الأمير عبد القادر الجزائري.

يقول محمد بو عبد الله، أستاذ الدراسات العربية في جامعة وستمنستر في لندن، إن الداي حسين، آخر دايات الجزائر الذين حكموا باسم الدولة العثمانية، سُمح له بالخروج إلى مصر، حيث نُفي إليها مع أفراد عائلته والجيش الانكشاري.

في تلك المرحلة، استطاعت الطرق الدينية في الجزائر أن تؤدي دورًا قريبًا من دور الأحزاب السياسية بعد سقوط الحكم العثماني، فأصبحت وسيلة قادرة على جمع الناس وتوجيههم للتصدي للغزو الأجنبي، باعتباره جهادًا مقدسًا وواجبًا دينيًا.

ويشير بو عبد الله إلى أن الناس رأوا، بعد سقوط السلطة المركزية، ضرورة أن يتولى شخص ما زمام الأمر، فيكون أميرًا على الجزائر ويقود المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي. وكان الخيار الأول هو الحاج محي الدين ابن مصطفى.

وقد توجه الجزائريون إلى شيخ الطريقة القادرية، وأحد فرسان الجهاد ضد الفرنسيين، الحاج محي الدين ابن مصطفى، آملين أن يجمع شملهم ويوحد صفوفهم في مواجهة الاستعمار.

لكن الحاج محي الدين اعتذر بسبب تقدمه في السن، وزكّى مكانه ابنه عبد القادر، لما اشتهر به من شجاعة وحسن تدبير وحنكة، وهي صفات ظهرت خلال مشاركته إلى جانب والده في الجهاد على أسوار مدينة وهران.



المبايعة تحت شجرة الدردارة


بويع الأمير عبد القادر بالإمارة، وسماه والده “ناصر الدين الأمير عبد القادر ابن محي الدين”، وفق ما يقول بو عبد الله. وبعد نيله بيعة الشيوخ والبيعة العامة، صار يُلقب بأمير المؤمنين ناصر الدين الحاج عبد القادر ابن محي الدين.

وفي السابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 1832، وتحت شجرة الدردارة، جرت مبايعة الأمير عبد القادر قائدًا للمقاومة الجزائرية، فأرسل رسالة إلى القبائل في أنحاء البلاد يدعوها إلى الانضمام إلى صفوفها.


فيديو | مذكرات


حين توحّدت القبائل.. مبايعة الأمير عبد القادر الجزائري وبداية الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي


يقول جيمس ماك دوغال، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة أكسفورد، إن الأمير عبد القادر، على الرغم من تلقيبه بأمير المؤمنين، لم يكن يعد نفسه ندًا حقيقيًا للعثمانيين.

ويوضح أنه في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية تواجه تحديات كبرى بفعل الغزو، وكذلك كان حال عبد القادر في الجزائر.


 


أما مولود عويمر، أستاذ التعليم العالي والمتخصص في تاريخ الفكر المعاصر بجامعة الجزائر، فيقول إن المريدين وعامة الناس تمسكوا بهذه القيادة الدينية والروحية.

وعن مرحلة الحرب ومقاومة الاستعمار الفرنسي، يلفت إلى أنه لم يكن هناك ما هو أنسب من الزعامة الروحية لتجنيد الجزائريين ودفعهم إلى خوض المواجهة.

وقد نجح عبد القادر في تنظيم المتطوعين، وتأليف السرايا، وجمع القبائل على الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي. كما قاد انتصارات ضد الجيش الفرنسي على أسوار مدينة وهران، وفرض سياسة قطع الإمدادات ومنع التجارة مع الجنود الفرنسيين.


معاهدة دي ميشال.. اعتراف فرنسي بسلطة الأمير


أرغمت سياسة عبد القادر وحنكته القائد الفرنسي دي ميشال على عقد معاهدة معه في 26 فبراير/ شباط 1834، عُرفت بمعاهدة دي ميشال.

ويوضح مولود عويمر أن الهدف الأول من إبرام هذه الاتفاقية لم يكن الاعتراف بالاستعمار الفرنسي، وإنما انتزاع اعتراف الحكومة الفرنسية بسلطة الأمير عبد القادر على مناطق واسعة من القطر الجزائري.

ويبيّن أن هذا الاعتراف سهّل له لاحقًا مواصلة الكفاح، والسعي إلى إخراج الاستعمار، وانتزاع الاعتراف والمساعدة والدعم من الدول الأخرى، لا سيما تلك التي دخلت في منافسة وصراع مع فرنسا، وفي مقدمتها بريطانيا.

لكن سرعان ما خرق الفرنسيون معاهدة دي ميشال، سعيًا إلى الاستيلاء على مدن أخرى. فأرسل الأمير عبد القادر رسالة إلى الحاكم العام الفرنسي، جاء فيها، بحسب كتاب “تحفة الزائر”:

“والآن، أبلغك البلاغ الأخير أنك إن رفعت الحماية عنهم، فنحن على ما كنا عليه من المعاهدة التي وُقع عليها الاتفاق قديمًا، وإلا فإنني لا أستطيع مخالفة شريعتي في التخلي عنهم. فإن كنت ولا بد متعمدًا على إنفاذ ما صوّرته أفكارك من إدخالهم تحت حوزتك، فاطلب وكيلكم من عندي واختر لنفسك ما يحلو، وميادين المعامع تقضي بيننا ومسولية إراقة الدماء وإتلاف الأموال راجعة إليك وعليك. والله يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد”.

خاض عبد القادر حربًا تميزت بذكاء شديد، أدركه الفرنسيون عندما عثروا على بعض أوراقه، التي كشفت اطلاعه على معلومات دقيقة جدًا دارت في نقاشات مجلس النواب الفرنسي، وعكست في الوقت نفسه اتجاهات الرأي العام الفرنسي الرافض للحرب.

وقد دفع الأمير عبد القادر، من خلال تلك الحرب، الفرنسيين إلى السعي نحو السلام، وانتهت انتصاراته في عدد من المعارك إلى إخضاع الجنرال بيجو لتوقيع معاهدة ثانية معه، عُرفت بمعاهدة تافنة عام 1837.

وبموجب تلك المعاهدة، اعترفت فرنسا بسيادة الأمير عبد القادر على ثلثَي أرض الجزائر. وقد رحبت الحكومة الفرنسية بحرارة بهذه الاتفاقية، معتبرة إياها ضربة سياسية ذكية حوّلت الأمير من عدو إلى حليف.


 محطات في مقاومة الأمير عبد القادر



دولة الأمير عبد القادر.. جيش وإدارة ومقاطعات


يشير جيمس ماك دوغال إلى أن عبد القادر حاول التفاوض مع الفرنسيين، ووقّع بالفعل معاهدتين معهم في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ما أفسح له المجال لبناء دولته وبسط سيادته داخل الجزائر في مناطق معسكر وتلمسان، ومواصلة توسيع سلطته حتى عام 1839.

ويضيف أن الأمير جمع بين فكرة الدولة الإسلامية القائمة على الجهاد والتصدي للعدوان الأجنبي وإعادة إرساء النظام وبسط السيادة داخليًا، وبين فكرة إنشاء دولة حديثة بنظام جديد، يعززه جيش منظم ومصانع للذخيرة، إضافة إلى السيطرة على التجارة وبناء نظام حكومي أكثر عقلانية.

ويلفت مولود عويمر إلى أن عبد القادر أسس دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في ذلك الزمن، إذ قسم دولته إلى ثماني مقاطعات، وأنشأ حكومة تتألف من خمسة وزراء لكل منهم مهام محددة.

وبينما كان الأمير عبد القادر يعمل على بناء دولته الحديثة، خرق الفرنسيون المعاهدة من جديد بعبورهم إلى مناطق تابعة له.

فيديو │ سر في المتحف

من داخل قلعة أمبواز.. هنا سجن الأمير عبد القادر الجزائري في فرنسا وهذا ما تركه خلفه

وبعد التشاور مع قادته وولاته، اتفقوا على الرد على ما عدّوه عارًا، فبادر الأمير عبد القادر إلى مراسلة المارشال الفرنسي فالي.

ومما جاء في رسالته:

“والحال إن فعلكم هذا هو نفسه ناقض للمعاهدة مبطل لها. وبناء عليه، أعلن لكم أنني عزمت على استئناف الحرب. وبالله المستعان”.

على الأثر، بدأت سلسلة جديدة من الهجمات والمعارك بين الطرفين، اتبع فيها الفرنسيون أسلوب الحرب الشاملة، المعروف حديثًا بسياسة الأرض المحروقة، وقد شرحها الجنرال بيجو في رسالة إلى وزير الحربية الفرنسي.

“يمكن مباغتة السكان الذين يمدون الأمير عبد القادر بالفرسان ويزودونه بالمؤن، وبهذا ستتضرر هذه القبائل بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، وستفقد الكثير من رجالها، الذين سوف تُباد قطعانهم وتتلف مطامرهم، بحيث لا يجد الأمير مكانًا حل به سوى البؤس والشقاء.

إن الحرب كالتي نخوضها مع الأمير لا يمكن أن تنتهي إلا بعمل متواصل لقواتنا العسكرية، يكون فيه خراب العرب وقتل فرسانهم، وهذا ما يجب أن تعرفه الأمة الفرنسية”.


كيف بنى الأمير عبد القادر دولته؟


الأرض المحروقة.. خطة فرنسا لكسر المقاومة


يقول جيمس ماك دوغال إن حرب عبد القادر مع الفرنسيين شهدت، في تلك المرحلة، نمطًا من حرب العصابات في المناطق الداخلية. لكنه لم يكن يواجههم في معارك ضارية مفتوحة، لأنه كان يدرك عدم قدرته على هزيمتهم في هذا النوع من المواجهات، وفق تعبيره.

وقد أنشأ عبد القادر سلسلة من المدن الحصينة على امتداد الهضاب المرتفعة، لتوفير ملاذ آمن لجيشه يمكن الانسحاب إليه في مواجهة الجيش الفرنسي، الذي كان تعداده يزيد على 100 ألف رجل.

وبحسب بو عبد الله، فإن الجنرال بيجو، عندما لمس صلابة جيش الأمير عبد القادر، الذي استغل الهدنة لتأسيس جيش واختيار خلفاء وإقامة عاصمة متنقلة لا مثيل لها عُرفت باسم الزمالة، اعتمد خطة جديدة في صراعه مع الأمير، أطلق عليها الفرنسيون اسم “الأرض المحروقة”.

ويشرح أن تلك الخطة هدفت إلى قطع الدعم الشعبي عن الأمير عبد القادر، وقد نجح الفرنسيون فعليًا في ذلك، وبلغ الأمر ذروته باحتلال عاصمته المتنقلة.

كثّف الفرنسيون هجماتهم على القبائل المتحالفة مع عبد القادر، حتى اضطرت إلى الامتناع عن تقديم أي عون للأمير وأتباعه.

ومع سقوط عاصمته المتنقلة والفريدة، الزمالة، فقد عبد القادر وحدة الدعم المتنقلة لجيشه، وتأثرت معنويات الجند تأثرًا بالغًا بعد فقدان ذويهم من كبار السن والزوجات والأبناء.

كما وجّه الهجوم ضربة قاسية إلى المجهود الحربي للأمير، إذ فقد معظم ممتلكاته وثروة خزانته.


سياسة الأرض المحروقة


ويشير بو عبد الله، في هذا الشأن، إلى أن العاصمة احتُلت ونُهبت، وأن النساء أُسرن، وكذلك أولاد خلفاء الأمير عبد القادر، حيث يقدّر المؤرخون عددهم بخمسين طفلًا.

وهكذا بدأ جيش الأمير عبد القادر يتراجع ويهتز، وفق ما يضيف.


التسليم والنفي.. حين أخلفت فرنسا وعدها


في عام 1844، وقّع سلطان المغرب معاهدة طنجة مع الفرنسيين، ما أجبر الأمير عبد القادر على العودة إلى الجزائر. غير أن الظروف لم تساعده على إعادة ترتيب جيشه من جديد، فعقد آخر مجلس شورى، وكان على إثره قرار التوقف عن الجهاد وإلقاء السلاح.

ويتحدث بو عبد الله عن مشكلة كبيرة اعترضت تحقيق أهداف عبد القادر، تمثلت في عدم القدرة على تموين الجيش، إضافة إلى مطاردته من جانب الفرنسيين والقبائل التي وظفوها ضده، ما دفعه إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد.

وفي اتصالات الأمير بشأن التسليم مع القائد الفرنسي لاموريسيير، تعهّد الأخير، باسم ملك فرنسا، بمنح عبد القادر عهد أمان اشترطه مسبقًا، فضلًا عن حق مروره مع أتباعه من مرسى جامع الغزوات إلى ميناء الإسكندرية أو عكا.

وقد تم التسليم في 23 ديسمبر/ كانون الأول 1847، وركب الأمير ومرافقوه البحر على نية الالتزام بالاتفاق.

غير أن الأمير عبد القادر أدرك أن السفينة لم تكن متجهة إلى عكا أو القدس في فلسطين، ولا إلى دمشق أو تركيا، وإنما إلى فرنسا. عندها انزعج وأدرك أن الفرنسيين أخلفوا وعدهم معه، وفق ما يقول بو عبد الله.

فكيف كان الحال في قلعة أمبواز التي نُفي إليها عدد من الجزائريين؟
وكيف أُطلق سراح الأمير عبد القادر؟
وأين استقرت رحاله بعد ذهابه إلى الأناضول؟ وأي دور لعبه بعد ذلك؟

الإجابة في الحلقة المرفقة من برنامج “مذكرات”.