مجزرة إسعاف المنصوري.. جريمة فضحتها العدسة وحاولت إسرائيل التنصل منها

مجزرة إسعاف المنصوري.. جريمة فضحتها العدسة وحاولت إسرائيل التنصل منها

Loading

ضمن ملف “مجازر إسرائيل في لبنان”، نعود إلى واحدة من أكثر الصور حضورًا في الذاكرة اللبنانية، وقد وثّقت مجزرة المنصوري خلال عدوان “عناقيد الغضب” 1996: سيارة إسعاف واضحة المعالم، مدنيون يفرّون من القصف، صاروخ إسرائيلي، وأب يخرج من بين الركام صارخًا.

 


اعتاد الاحتلال الإسرائيلي استهداف المسعفين وسيارات الإسعاف. فعل ذلك في غزة خلال الأعوام الماضية، وما زال يفعله في لبنان، حيث تحوّلت سيارات الإنقاذ مرارًا إلى أهداف مباشرة في الحروب والاعتداءات الإسرائيلية.

لكنّ هذا الأمر ليس جديدًا. ففي الذاكرة اللبنانية، تحضر مجزرة إسعاف المنصوري في أبريل/ نيسان 1996، كما يحضر صوت من خرجوا من بين النيران يبكون الضحايا الذين كانوا للتو معهم، ينزحون من تحت القصف ناشدين الأمان.

ولا تزال هذه المجزرة المروّعة ماثلة في الأذهان بوصفها جريمة موثّقة، وواحدة من اللحظات التي خرجت فيها صورة الحرب من جنوب لبنان إلى العالم:

سيارة إسعاف واضحة المعالم، ونازحون كانوا يظنون أنهم ابتعدوا عن الخطر، وأب يخرج من بين النيران مفجوعًا بأطفاله. 



ماذا نعرف عن بلدة المنصوري؟


تقع بلدة المنصوري، القريبة من الشاطئ، إداريًا في قضاء صور بمحافظة جنوب لبنان، وتحدها بلدات مجدل زون والحنية والقليلة والبياضة.

في الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان، نالت المنصوري نصيبها من الغارات، كما عرفتها الحروب السابقة، ومنها عدوان “عناقيد الغضب” عام 1996، حين تحوّلت البلدة إلى عنوان لإحدى الجرائم التي لاحقت ذاكرة الجنوب.



عدوان “عناقيد الغضب”


شنّت إسرائيل عدوانًا واسعًا على لبنان بين 11 و27 أبريل 1996، عُرف إسرائيليًا باسم “عناقيد الغضب”، وأسفر وفق منظمات حقوقية عن استشهاد أكثر من 150 مدنيًا وجرح المئات، فيما تورد مصادر لبنانية حصيلة أعلى تقارب 170 شهيدًا أو أكثر.

ويرد في عدد أرشيفي من “النهار” اللبنانية أن الطيران الحربي الإسرائيلي استهدف، في 11 أبريل، معقل قيادة حزب الله الرئيسي في الضاحية الجنوبية لبيروت، للمرة الأولى منذ عام 1982.

وزعمت إسرائيل حينها أنّ الهدف من العدوان الذي شهد أيضًا قصفًا واسعًا على البلدات والمدن الجنوبية، كان “تحجيم قدرة حزب الله” ووقف إطلاق صواريخ الكاتيوشا من جنوب لبنان باتجاه شمال فلسطين المحتلة.

وجاء ذلك بعد إطلاق صواريخ على مستوطنتَي نهاريا وكريات شمونة، ردًا على استشهاد فتى كان يبلغ 14 عامًا بانفجار قنبلة في قرية برعشيت في التاسع من الشهر نفسه، وفق صحيفة “الأخبار” اللبنانية.

وخلال العدوان، نزح ما يقارب نصف مليون لبناني من الجنوب، وسط دمار واسع في الممتلكات والمرافق العامة. وانتهت العملية بما عُرف بـ”تفاهم نيسان” في 26 أبريل 1996.



مجزرة إسعاف المنصوري


في اليوم الثالث من عدوان “عناقيد الغضب”، هدد الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 40 قرية في الجنوب بالقصف، فسارع مئات السكان إلى النزوح.

لكن الاحتلال، وفق ما أوردت صحيفة “السفير” في عدد 17 أبريل 1996، بدأ غاراته قبل انتهاء مهلة الإخلاء عند الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم.

في قرية المنصوري، لم تجد عائلة جحا وسيلة للنزوح سوى سيارة إسعاف تتبع لجمعية كشافة الرسالة الإسلامية. اندفع إلى داخلها 11 شخصًا من العائلة، بينهم أطفال ونساء، ظنوا أنهم يسلكون طريق النجاة بعد خروجهم من البلدة المهددة.

وتشير “السفير” إلى أن النازحين في العربة كانوا أبًا وزوجته وصهره وأخته وأطفالهم السبعة، وأن الاحتلال استهدف السيارة فيما كانت تحاول إخراج العائلة من المنصوري باتجاه مدينة صور، قرابة الثانية من بعد الظهر.

ففي قرية الحنية المجاورة، حلّقت طائرتان مروحيتان إسرائيليتان، وأطلقت إحداهما صاروخًا على سيارة الإسعاف، ما أدى إلى سقوط ستة شهداء.

وقد وثّقت عدسة الصحافية نجلاء أبو جهجاه المجزرة خلال وجودها في المكان لتغطية وقائع الحرب الإسرائيلية على لبنان. فقد صوّرت يومها سيارة الإسعاف خلال مرورها، ثم لحظة استهدافها، وخروج رجل نجا منها مفجوعًا بفقدان أطفاله.



شاهد العالم سيارة الإسعاف من نوع فولفو، التي كانت تحمل علامات واضحة لا تسمح بالالتباس، كما شاهد الأب يحمل اثنين من أطفاله وينتحب مرددًا “يا بيي”، وفي لقطات أخرى يقول: “راحوا أولادي الأربعة”.

وفي المحصلة، أدت مجزرة إسعاف المنصوري، التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي على مقربة من حاجز الكتيبة الفيجية التابعة لقوات “اليونيفيل”، إلى سقوط ستة شهداء وسبعة جرحى، بينهم أطفال.

شهداء مجزرة المنصوري
  • حبيب شويخ
  • زينب عباس جحا
  • حنين عباس جحا
  • هدوء خالد العقلة
  • نوخا العقلة
  • مريم عباس جحا (أُصيبت في الهجوم، واستشهدت لاحقًا متأثرة بجروحها)

محاولة إسرائيل التنصل من الجريمة


في رواية مألوفة ومتكررة، حاولت إسرائيل التنصل من مسؤوليتها عن المجزرة، فزعمت أن سيارة الإسعاف التابعة لجمعية كشافة الرسالة الإسلامية كانت تُستخدم من جانب عناصر في حزب الله.

ونقلت صحيفة “السفير” أن المتحدث العسكري الإسرائيلي في ذلك الوقت، حاول تبرير الجريمة بالادعاء أن السيارة تابعة لعنصر في الحزب، زاعمًا أن هذا الأخير استخدم ركابها غطاء لأنشطته.

لكن التحقيقات الحقوقية التي تناولت المجزرة خلصت إلى أن سيارة الإسعاف كانت تحمل علامات واضحة، وأنها كانت تقل مدنيين فارين من القصف. فيما لم تقدّم إسرائيل دليلًا يثبت استخدامها لأغراض عسكرية.




واصلت إسرائيل عدوان “عناقيد الغضب” على لبنان، وارتكبت مزيدًا من الجرائم بحق المدنيين، أبرزها مجزرة قانا. هذه المرة لم تقع الجريمة على مقربة من موقع للقوات الدولية، وإنما داخله، حين استهدفت إسرائيل مركزًا تابعًا لـ”اليونيفيل” كان يحتمي فيه مدنيون، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 100 شخص وجرح العشرات.


وبين المنصوري وقانا، لم تكن المسافة الزمنية سوى أيام قليلة، لكنها كانت كافية لتكشف نمطًا كاملًا من العدوان: إنذارات واسعة تدفع السكان إلى النزوح، طرقات لا تمنحهم أمانًا، وسيارات إسعاف لا تحميها علاماتها، ثم روايات إسرائيلية جاهزة تلقي المسؤولية على الضحايا.