![]()
حاليا، أصبح من المألوف أن نطالع عناوين إخبارية تبدأ بسؤال مثير: هل يحدث كذا؟، ماذا طلب الرئيس من ضيفه الزائر، هل اقترب القرار المنتظر؟، هل يفاجئ فلان الجميع؟، أو ماذا حدث بعد هذا التطور الخطير؟. وفي كثير من الأحيان يندفع المتلقي إلى فتح الخبر بدافع الفضول، ليكتشف أن المحتوى لا يرقى إلى مستوى الإثارة التي وعد بها العنوان، أو أن الإجابة المباشرة على السؤال هي ببساطة: “لا”.
هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها مجازاً بـ”الأخبار التساؤلية”، ليست مدرسة صحفية مكتملة الأركان بقدر ما هي تقنية تحريرية ارتبطت بثقافة المنافسة على جذب الانتباه في البيئة الرقمية على وجه الخصوص. وقد نشأت وتوسعت مع اقتصاد النقرات والمشاهدات، حيث أصبحت بعض المؤسسات الإعلامية تقيس نجاح المحتوى بعدد الزيارات أكثر من قياسه بقيمته المعرفية أو أثره المهني.
وتستند هذه التقنية إلى عدد من المبادئ النفسية المعروفة، أبرزها “فجوة الفضول”، وهي الحالة التي يشعر فيها القارئ بوجود معلومة ناقصة تدفعه للبحث عن استكمالها. كما تعتمد على الإيحاء بوجود معلومة مهمة دون التصريح بها، أو المبالغة في تضخيم حدث عادي ليبدو استثنائياً. ومن هنا ظهرت مصطلحات مثل “عناوين الطعم” أو Clickbait، التي تهدف إلى اصطياد النقرات أكثر من نقل المعلومة.
غير أن المشكلة لا تكمن في صياغة السؤال بحد ذاته، فالسؤال أداة صحفية مشروعة ومفيدة أحياناً، خصوصاً في المقالات التحليلية أو التحقيقات الاستقصائية. إنما تكمن المشكلة عندما يتحول السؤال إلى وسيلة للتمويه أو التهويل أو التعويض عن ضعف المحتوى. فالعنوان في المدارس الصحفية المهنية ليس فخاً للقارئ، بل نافذة أمينة على مضمون المادة المنشورة.
إن تعزيز النزاهة والشفافية في العمل الإعلامي يقتضي العودة إلى الأصول المهنية الراسخة، حيث يكون الخبر واضحاً، ودقيقاً، ومباشراً، وقائماً على حقائق يمكن التحقق منها. كما يقتضي أن يُقاس نجاح الوسيلة الإعلامية بمدى ثقة الجمهور فيها، لا بعدد النقرات التي تحصل عليها.
فالثقة، بخلاف الزيارات العابرة، هي رأس المال الحقيقي للمؤسسات الصحفية. وعندما يشعر القارئ بأن العنوان يصف المحتوى بأمانة، وأن الخبر يضيف إلى معرفته لا إلى فضوله فقط، تتعزز العلاقة بين الإعلام والجمهور، وتترسخ القيم التي قامت عليها الصحافة منذ نشأتها: الحقيقة، والموضوعية، وخدمة المصلحة العامة.
القارئ هو الملك الذي ينبغي على الصحف أن تحافظ عليه، وتضع في اعتبارها أنه ليس “غبيا”، ولايمكن خداعه بسهولة، وأن احترامه واجب.
والسؤال الأجدر بالطرح اليوم ليس: كيف نجذب القارئ؟، بل: كيف نحافظ على ثقته؟؛ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد مستقبل الصحافة المهنية في عصر الضجيج الرقمي.