![]()
الجزيرة والعام التعويضي.. تحديات الاستقرار ومستقبل الطلاب
هل أصبح التعليم الخاص الملاذ الأخير لأبناء الجزيرة؟
كتبت: محاسن عثمان نصر
يدخل طلاب ولاية الجزيرة العام الدراسي التعويضي وسط تحديات معقدة تتجاوز حدود الفصل الدراسي والمناهج التعليمية. فالمعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بتعويض ما فات من زمن الدراسة، وإنما بتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يضمن نجاح هذا العام الاستثنائي ويحفظ حق الطلاب في التعليم.
ورغم قصر الفترة الزمنية المخصصة للعام التعويضي، والتي لا تتجاوز ثلاثة أشهر، فإن كثيرًا من الأسر ما تزال تواجه حالة من القلق وعدم اليقين بسبب الإضراب المعلن من لجنة المعلمين و تأخر بعض المدارس في استئناف نشاطها بصورة كاملة ومنتظمة. وبين الترقب والانتظار، يجد آلاف الطلاب أنفسهم أمام تحدٍ جديد بعد سنوات مثقلة بالحرب والنزوح والانقطاع الدراسي.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن نجاح أي عام تعويضي لا يعتمد على ضغط المناهج أو اختصار الزمن الدراسي فحسب، بل على وجود بيئة مستقرة تسمح للطلاب بالانتظام في الدراسة. فالاستقرار أصبح الكلمة المفتاحية في المشهد التعليمي بالجزيرة؛ استقرار المدارس، واستقرار المعلمين، واستقرار الأسر نفسها في مواجهة واقع اقتصادي شديد القسوة.
وفي ظل هذه الظروف، بدأت كثير من الأسر تنظر إلى التعليم الخاص باعتباره خيارًا يوفر قدرًا أكبر من الانتظام . ولم يعد الدافع وراء هذا التوجه البحث عن مزايا إضافية أو مستويات تعليمية مختلفة، بل الرغبة في ضمان استمرار الدراسة وتجنب أي تعثر جديد قد يبدد فرصة الأبناء في الاستفادة من العام التعويضي.
لكن هذا الخيار يصطدم بعقبة كبيرة تتمثل في التكلفة. فالأسر التي أرهقتها تداعيات الحرب وارتفاع الأسعار تجد نفسها أمام أعباء متزايدة تشمل الرسوم الدراسية وتكاليف الترحيل التي ارتفعت بصورة لافتة بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وهكذا يتحول السعي نحو تعليم أكثر استقرارًا إلى تحدٍ اقتصادي يفوق قدرة كثير من الأسر.
ولا تتوقف الصعوبات عند أبواب المدارس، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للطلاب. فمع الارتفاع المستمر في أسعار الخبز والمواد الغذائية، أصبحت الأسر مطالبة بتوفير احتياجات إضافية لأبنائها في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتسع فيه فجوة الدخل والمعيشة.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرات المجتمعية التي ظلت تسند العملية التعليمية خلال السنوات الماضية. فقد لعب ديوان الزكاة وعدد من المنظمات الوطنية والإنسانية دورًا مهمًا في توفير وجبات الإفطار للتلاميذ والتلميذات، وهي مبادرات أسهمت في تخفيف الأعباء عن الأسر وساعدت آلاف الطلاب على الانتظام في الدراسة. واليوم، ومع تعاظم الضغوط الاقتصادية، تبدو الحاجة إلى استمرار هذه الجهود أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ليس فقط دعمًا للأسر، وإنما دعمًا لاستقرار العملية التعليمية نفسها.
إن مستقبل العام التعويضي في الجزيرة لا يرتبط بعدد الأيام الدراسية وحده، بل بقدرة المجتمع ومؤسساته على توفير مقومات الاستقرار اللازمة لإنجاحه. فكلما ازدادت الأعباء على الأسر، تراجعت فرص الاستفادة الحقيقية من هذا العام، واتسعت الفجوة بين من يستطيع تحمل تكاليف التعليم ومن يعجز عن ذلك.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ينجح العام التعويضي في تحقيق أهدافه وسط هذه التحديات، أم أن غياب الاستقرار سيجعل من التعليم الخاص الملاذ الأخير لمن استطاع إليه سبيلًا؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير عام دراسي واحد، بل ملامح مستقبل جيل كامل من أبناء الجزيرة.