وطن يتلاشى

وطن يتلاشى

Loading

من يتصفح دفاتر التاريخ بعين البصيرة لا بعين البصر يدرك أن أعظم الكوارث لم تبدأ من وراء الحدود وإنما ولدت في كثير من الأحيان من داخل الأسوار حين اختلف الأبناء على السلطة حتى اختلفوا على الوطن وحين ظن فريق أن خصمه هو الخطر الأكبر فاكتشف متأخرا أن الخطر الحقيقي كان في تمزيق البيت الذي يجمع الجميع وما أكثر الأمم التي لم يهزمها الغزاة إلا بعد أن هزمها التنازع ولم يسقطها الأعداء إلا بعد أن أوهنتها الخصومات وأكلت نارها حطبها

وفي كل حقبة يطل التاريخ بالدرس نفسه في ثوب جديد فيقول إن الذين يستبدلون الحكمة بالغضب والحوار بالصدام والتوافق بالتناحر قد يربحون جولة عابرة ولكنهم يخسرون وطنا كاملا وإن الخرائط لا تتغير دائما بفعل الجيوش بل قد تتغير بفعل العناد وسوء التقدير وضيق الأفق وإن الأمم التي تعجز عن إدارة اختلافاتها بالحكمة تضطر إلى دفع أثمان باهظة من أمنها واقتصادها ووحدتها وكرامة شعبها

ما أكثر الذين خرجوا من معارك السياسة وهم يظنون أنهم ظفروا بالغلبة فإذا بهم يعودون إلى مدن أكلتها النيران وإلى شوارع لفظت ضجيج الحياة وإلى دور سكنها الصمت بعد أن سكنتها الأسر وإلى وطن لم يعد يشبه الوطن الذي حملوا السلاح أو الخصومة باسمه فالتاريخ في أعماقه ليس سجل انتصارات فحسب بل هو دفتر طويل من العبر يروي أن الأمم قد تسقط من داخلها قبل أن تطرق جيوش الأعداء أبوابها وأن الخيانة ليست دائما بيع الأرض وإنما قد تكون بيع الحكمة وإهدار الفرصة وإشعال الفتنة حتى إذا استفحل لهيبها عجز الجميع عن إخمادها

لقد عرف العالم رجالا استبدلوا راية الوطن براية الهوى فخسروا الهوى والوطن وعرفت الحضارات من ظنوا أن هدم الأساس أيسر من إصلاح البناء فإذا السقف يقع على رؤوس الجميع لا يفرق بين غالب ومغلوب ولا بين قائد ومقود وفي كل عصر تتكرر الحكاية بأسماء جديدة ولكن بعبرة واحدة وهي أن الأوطان إذا انكسرت لا ينجو من شظاياها أحد وأن الخراب إذا استيقظ لا يسأل عن المواقف القديمة ولا يقرأ بيانات التأييد أو المعارضة وإنما يبتلع الجميع في لحظة يصبح فيها الندم متأخرا والرجوع متعذرا

ولعل أكثر المشاهد إيلاما أن يعود الإنسان بعد سنوات الصراع ليبحث عن المدينة التي أحبها فلا يجد إلا أطلالها وأن يفتش عن المؤسسات التي خاصم من أجلها فلا يرى إلا جدرانا منهارة وأن يسأل عن الجيران الذين شاركوه الأفراح والأتراح فلا يسمع إلا أسماء في قوائم النزوح أو الهجرة أو الفقد فيدرك حينها أن الوطن لا يخسر دفعة واحدة وإنما يخسر قطعة بعد قطعة حتى يأتي يوم لا يبقى فيه ما يستحق التنازع عليه

ومن تأمل هذه السنن ولدت فكرة هذا المقال فقد امتد بيني وبين الدكتورة مريم الصادق. حديث هاتفي طويل حول الوطن والوطنية وحول ذلك المعنى الذي يسمو على الخصومات ويعلو فوق المكاسب العابرة وكان حديثا أيقظ في النفس سؤالا ظل يتردد بإلحاح هل يستيقظ الذين وقفوا ضد الوطن فلا يجدون الوطن نفسه الذي تقاتلوا عليه؟

ذلك السؤال ليس مجرد تأمل نظري ولا مناورة لغوية بل هو سؤال يقرع أبواب الضمير ويستنهض الذاكرة ويستدعي محكمة التاريخ لأن الأوطان لا تموت فجأة وإنما تذبل حين يكثر المتشاكسون ويقل المتماسكون وحين تتغلب لغة المغالبة على ثقافة المشاركة وحين يصبح الانتصار على الخصم أغلى من سلامة الدار فينسى الناس أن السفينة إذا غرقت فلن ينجو منها من أحدث فيها الثقب ولا من وقف متفرجا على اتساعه

وليس من الحكمة أن ننظر إلى الوطنية على أنها شعار يرفع في المهرجانات أو قصيدة تلقى في المناسبات أو خطبة تصفق لها الجماهير ثم تنقضي وإنما الوطنية عقد أخلاقي يربط الإنسان بأرضه وتاريخه ومستقبل أبنائه وهي ميزان دقيق يزن المواقف ساعة الشدة قبل ساعة الرخاء فمن أحب وطنه صانه ومن صانه حفظ أهله ومن حفظ أهله حفظ نفسه لأن المصائر في الأوطان كخيوط النسيج إذا انقطع منها خيط اختل الرسم كله وإذا تمزق الثوب لم يستر أحدا

ومن هنا فإن السؤال الذي يتصدر هذا المقال يتجاوز لحظة بعينها ليصبح سؤالا لكل جيل ولكل تيار ولكل صاحب قرار هل يجوز أن ننتصر لأنفسنا إذا انهزم الوطن وهل يبقى للغالب معنى إذا تحول الوطن إلى أطلال وهل يدرك الذين يؤججون نار الصراع أن أول ما تأكله النار هو الحطب الذي أشعلها وآخر ما تتركه هو الرماد الذي يغطي الجميع؟

إن التاريخ يعلمنا أن بناء الوطن يحتاج إلى أعمار وأن هدمه قد لا يحتاج إلا إلى ساعات وأن الكلمة المتهورة قد تفتح بابا لا تغلقه البنادق وأن العقل إذا غاب حضرت الكارثة وإذا حضرت الكارثة لم تعد تفرق بين من بدأها ومن حاول إيقافها ولذلك فإن أعظم الانتصارات ليس إسكات الخصم بل إنقاذ الوطن وليس إقصاء المخالف بل حماية الدولة وليس تسجيل النقاط في دفاتر السياسة بل حفظ الأرض والإنسان والذاكرة والمستقبل.
tahtadoun@gmail.com