الأهداف الحقيقية للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران خارج سردية الإعلام الغربي

الأهداف الحقيقية للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران خارج سردية الإعلام الغربي

Loading

الأهداف الحقيقية للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران خارج سردية الإعلام الغربي

بقلم/ محمد الحسن محمد نور

في مشهد دبلوماسي غير مسبوق، أعلنت واشنطن وطهران عن مذكرة اتفاق لوقف إطلاق النار ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، في خطوة أنهت مواجهة عسكرية استمرت شهوراً وكبدت الطرفين خسائر فادحة.
جاءت آراء كبريات الصحف الغربية لتكشف عن مواقف مرتبكة؛ حيث ذهبت معظمها إلى وصف الاتفاق بـ”الهزيمة الاستراتيجية” للولايات المتحدة، ومع ذلك تحتفي به العواصم الغربية وتعتبره ضرورة لا مفر منها، في وقت وجهت فيه عتاباً عاطفياً لاذعاً للرئيس ترامب بوصفه “الحليف الذي تنكر لحلفائه الأوروبيين”، ناعية تهميشه لهم ثم تهوره وانفراده بقرار الحرب، وسط إجماع صحفي لافت على أن الضرر الأكبر جراء هذه الحرب قد وقع على إسرائيل.
ولم تتردد صحيفة واشنطن بوست في وصف الاتفاق بأنه “تراجع أمريكي” يكتنفه الغموض، بينما ذهبت هيوستن كرونيكل إلى إعلانه “هزيمة استراتيجية” للولايات المتحدة، إذ عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب دون أن تحقق واشنطن أي هدف من أهدافها المعلنة. أما لوموند الفرنسية فوصفت الاتفاق بأنه “مكسب إيراني بامتياز”، وأكدت فايننشال تايمز أنه “انتصار دبلوماسي” أعاد لطهران حرية الملاحة والنفط دون مقابل. وهكذا، يجمع الرأي الغربي على أن طهران خرجت من هذه المواجهة أقوى مما دخلتها، بينما خرج ترامب بصورة قائد تراجع عن تهديداته. ورغم هذا التشخيص القاسي، فإن الصحف الغربية نفسها لم ترفض الاتفاق، بل رأت فيه ضرورة ملحّة؛ فقد أقرت هيوستن كرونيكل بأن “القبول به أفضل من استمرار الحرب”، بينما اعتبرته الغارديان “هدنة مؤقتة” في حرب غير قانونية، وذهبت سي إن إن إلى منحه فرصة تقييم تمتد ستين يوماً، في موقف تأييدي مشروط، بينما اكتفت أسوشيتد برس بانتقاد طريقة التسويق دون رفض جوهر الاتفاق، مما يعكس إجماعاً غربياً على أن أي اتفاق يوقف التصعيد، مهما كانت عيوبه، أفضل من استمرار صراع مكلف للجميع.
إلا أن ذات الإعلام كان قد تبنى سردية مفادها أن بنيامين نتنياهو هو من ورط الرئيس ترامب في هذه الحرب بهدف تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية وتقطيع أذرعها في المنطقة تعزيزاً لأمن إسرائيل. لكن الأكثر إثارة للانتباه هو أن هذا الإعلام ظل يحوم حول الأهداف المبهمة والمتغيرة التي تعلن من حين لآخر حسب ما يمليه الوضع الميداني، دون أن يتطرق مطلقاً للأهداف الحقيقية للحرب.
لقد ظلت أهداف هذه المواجهة مبهمة ومتغيرة تعلن حسب مجريات الأحداث الميدانية؛ ففي كل مرحلة تعلن الإدارة الأمريكية أهدافاً تختلف عن سابقتها، وإن ظل ملف “حرمان إيران من امتلاك السلاح النووي” كهدف أساسي هو الأكثر حضوراً. بيد أن المتتبع يدرك أن حرمان إيران من امتلاك السلاح النووي يصنف في منزلة الحفاظ على أمن إسرائيل – والتي هي في حقيقتها أداة لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة.
أما التصريحات النارية لقادة إسرائيل بأنهم دولة ذات سيادة ولا يقبلون إملاءات واشنطن، فلا يمكن فهمها إلا في إطار تبادل الأدوار؛ فهل يعقل أن تتنكر إسرائيل لأمها التي أرضعتها؟
وفي سياق تبادل الأدوار هذا، يرى الكثير من المحللين أن أمريكا واسرائيل ما زالا يسعيان لنزع ورقة القوة المتمثلة في مضيق هرمز رويداً رويداً من يد إيران، في الوقت الذي يحاولان فيه إحكام قبضتهما شيئاً فشيئا على ورقة لبنان كمصدر قوة من أجل إضعاف إيران.
إن المتتبع يمكنه أن يرى الأهداف الحقيقية للحرب بوضوح؛ ففي مارس ٢٠٢٥ – وكرد فعل على صعود منظمة “بريكس” المنافسة – أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما أسماه باستراتيجيته الجديدة، وهي استراتيجية هجومية كشفت عن رد فعل عنيف وتوجه هجومي توسعي مفرط. وقتها لمح الرئيس ترامب إلى أن أولى أولوياته هي السيطرة على احتياطيات النفط والغاز والممرات البحرية حول العالم. غير أن اللافت في نهج الرئيس ترامب الذي تحول فجأة من رجل يسعى للسلام إلى السير في نمط متكرر من إعلان رغباته التوسعية بشكل بدا نشازاً نظراً لتعارضه مع القوانين الدولية، من قبيل “أنه بصدد استعادة السيطرة على قناة بنما، أو أنه “يحب” جرينلاند وكندا وكوبا، أو مطالبته بامتيازات خاصة للولايات المتحدة في قناة السويس، والمطالبة بعبور السفن الأمريكية قناتي بنما والسويس دون رسوم”.
لم يقف عند حد التصريحات، بل تحول فوراً إلي التنفيذ الفعلي بحشد عسكري في منطقة الكاريبي، تلاه هجوم على فنزويلا بذريعة محاربة المخدرات أسفر عن اعتقال رئيسها؛ ليُعلن على الفور تغيير نظامها بآخر موالٍ له، ويعلن السيطرة على نفطها وإدخال الشركات الأمريكية لتتولى الأمر هناك.
بعد نجاح مهمته في فنزويلا، وتحت تأثير نشوة الانتصار، كشف فوراً عن محطته التالية، وقال إنه متوجه صوب إيران لإنجاز “عملية عسكرية سريعة ونظيفة”.
بدأ التحشيد والتقدم فوراً في محاولة لإعادة نفس النموذج. هجم على طهران وقتل القيادات بغرض تغيير النظام، ولكنه فشل هذه المرة.
لم تكن هذه أول مواجهة بين واشنطن وإيران، كما أنها ليست المرة الأولى التي يصبح فيها النفط الإيراني في قلب الصراع. فقبل أكثر من سبعين عاماً، وعندما قرر رئيس الوزراء الإيراني الدكتور محمد مصدق تأميم النفط وانتزاعه من هيمنة شركة النفط الأنجلو-إيرانية، لم يتأخر الرد الغربي، ولم يأت في شكل عقوبات فحسب، بل حسم الأمر بانقلاب “أجاكس” الذي دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية، حيث تمت الإطاحة بالحكومة المنتخبة وإعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني ليكون موالياً للغرب وتأمين السيطرة على النفط. وقد ظل النفط حاضراً في قلب كل الأزمات منذ ذلك التاريخ، ولم تغب إيران عن الخريطة الاستراتيجية للطاقة العالمية؛ فهي تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وتتحكم في الضفة الشمالية لمضيق هرمز، الذي يمثل الممر الأهم في العالم لإمدادات الطاقة.
فإذا وضعنا هذا الملف جنباً إلى جنب مع تصريحات ترامب التوسعية الرامية للتحكم في قنوات بنما والسويس وجرينلاند وكندا وكوبا، يظهر الخيط المشترك الذي يصعب تجاهله، ونخلص إلى أن الهدف الرئيسي لهذه الحرب على إيران هو ذات الهدف القديم “السيطرة على النفط ومضيق هرمز”، وربما التمهيد للسيطرة على كل نفط الشرق الأوسط.
إن ترامب لم يرتكب خطيئة في عُرف الاستراتيجية الأمريكية الكبرى (Grand Strategy)، إلا أن خطأه الأساسي يكمن في أنه يتصرف من منطلق شخصي طامحاً في أن يسجل اسمه في سجل العظماء. فالمواجهة لم تكن يومًا لفتح مضيق هرمز أو منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ولكنها تترجم كمسعى للإدارة الأمريكية للسيطرة على احتياطيات النفط والغاز حول العالم، والتحكم الكامل بالممرات البحرية والمنافذ الاستراتيجية – من الكاريبي وكوبا إلى الشرق الأوسط.
ويبدو أن حرب الرئيس ترامب على إيران ستكشف مزيداً من عوار السياسة الغربية تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا، وربما تعود بالنفع على شعوب وحكومات المنطقة بعد أن اتضح لها معنى وجدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية فيها. فهل تكون الأيام الستون القادمة كفيلة بتحويل هذه الهدنة المؤقتة إلى سلام دائم، أم أنها مجرد استراحة محارب؟

محمد الحسن محمد نور
٢٠ يونيو ٢٠٢٦