![]()

بقلم/ محمد الحسن محمد نور
لا يبدو حادث الحدود السودانية المصرية حادثاً بريئاً أو مجرد توتر عابر حول مناطق التنقيب، بل يبدو كقنبلة دخانية أُطلقت بغرض إرباك العلاقة القائمة بين مصر والسودان، هرعت على إثرها غرف وداعمو الدعم السريع في إثارة خلافات مزمنة بين مصر والسودان كمياه النيل أو التجارة الحدودية، في محاولة للتغطية على عملية إعادة هندسة لموازين القوى.
والأسئلة الملحة التي يصعب تجاوزها هنا واضحة كالشمس: هل بالفعل كانت الحكومة المصرية مضطرة لاستهداف المعدنين السودانيين بسلاح الجو وإلقاء القنابل عليهم؟ أم أنها قد اكتشفت تجهيزات عسكرية بدأت تتسرب إلى حدودها وتهدد أمنها القومي بشكل مباشر مما اضطرها لاستخدام سلاح الجو؟ وهل ظهر هؤلاء المعدنون فجأةً في هذه المنطقة، أم أنهم يعملون هناك منذ زمن طويل؟ ولماذا لم ترسل فرقة راجلة لإلقاء القبض عليهم بدلاً من استهدفهم بسلاح الجو؟ أم أن الأمر كله كان بمثابة استفزاز مدبر لمصر تم التخطيط له بدقة بغرض توظيفه؟
تأتي هذه الحادثة معزولة تماماً عن الواقع المعاش الذي دفع بملايين السودانيين الهاربين من جحيم الحرب إلى داخل مصر. ففي الوقت الذي تحشد فيه قوات الدعم السريع جل قواها، في محاولة تبدو انتحارية يائسة وأخيرة لاجتياح مدينة الأبيض — المركز الاستراتيجي الجديد لهيئة قيادة الجيش — يأتي هذا الحادث الحدودي بالتوازي مع موجة انشقاقات متسارعة ومريبة داخل صفوف الدعم السريع؛ يرى البعض أنها مظاهر تفكك وانهيار، بينما يرى البعض الآخر أنها تثير مخاوف كبيرة في العمق، وقد تؤشر إلى محاولات اختراق مدروسة لصفوف الجيش.
إن التوظيف الإعلامي المكثف لحادثة مقتل وتوقيف المعدنين السودانيين يتجاوز سياقها الأمني الضيق إلى هدف حقيقي؛ وهو هنا ليس افتعالاً لمواجهة عسكرية بين القاهرة والخرطوم، بل استفزاز السلطات المصرية ودفعها لتبني مواقف حمائية متشددة تفضي إلى حجب أي تنسيق لوجستي أو استخباراتي محتمل مع الجيش السوداني. إنها محاولة لعزل قيادة الجيش إقليمياً في توقيت ميداني حرج، وتحييد القوة المصرية الداعمة لشرعية مؤسسات الدولة.
ويتجلى التفسير الحقيقي لتوقيت هذه الأزمة الحدودية عند النظر إلى خريطة العمليات في كردفان. فالأبيض تمثل اليوم خاصرة الجيش الرخوة ومركز ثقله الحيوي بعد انتقال هيئة القيادة إليها. إنّ محاولات الدعم السريع المستمرة لحصار المدينة واستهدافها بالمسيرات تؤكد أن إحداث فجوة بين الجيش وحلفائه الإقليميين يهدف بالأساس إلى إضعاف الموقف الدفاعي للأبيض، وضمان حسم معركة الوسط والغرب دون أي إسناد مصري.
وبالتوازي مع هذا الحصار الميداني، يبرز مؤشر استخباراتي بالغ التعقيد تتسارع وتيرته في ذات التوقيت. فبينما تسوق المنصات المتفائلة هذه الانشقاقات كدليل على انهيار المليشيا وتفككها من الداخل، فإنّ الحذر العسكري يفرض قراءة مغايرة تماماً تضع مخاوف الاختراق في مقدمة الأولويات. إن دخول قادة تمرسوا على قتال الجيش إلى عمق المناطق العسكرية الرسمية تحت غطاء العفو، يحمل مؤشرات “اختراق ناعم” عبر خلايا نائمة تسعى لقراءة الخطط الدفاعية من الداخل، وكشف غرف العمليات الحساسة في محيط الأبيض لصالح غرف القيادة الخارجية.
وفي المحصلة، يواجه السودان اليوم استراتيجية تفكيك مركبة: حصار إقليمي عبر افتعال أزمات حدودية مع مصر، واختراق داخلي مغلف بالانشقاقات، وتحشيد عسكري يستهدف مراكز القيادة الحيوية. إن صمود الدولة بات رهيناً بقدرة قيادتها على فرز المناورات الاستخباراتية عن الحقائق الميدانية، والتعامل بحذر صارم مع كل اختراق يحاول تعديل كفة ميزان القوى في اللحظات الأخيرة.
محمد الحسن محمد نور
٢٤ يوليو ٢٠٢٦