![]()
يتصدّر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد غادي آيزنكوت استطلاعات الرأي الإسرائيلية لترؤس الحكومة المقبلة، متفوّقًا على رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، بينما يواصل حزبه “يشار“، وتعني “دوغري” (المستقيم أو الصادق)، تقليص الفارق بينه وبين الليكود، وترسيخ موقعه داخل معسكر المعارضة.
وبحسب آخر استطلاع أجرته هيئة البث العامة الإسرائيلية، من المتوقع أن يحصل حزب آيزنكوت على 22 مقعدًا، مقابل 24 مقعدًا لليكود، و16 مقعدًا لتحالف “معًا” الذي يجمع نفتالي بينيت ويائير لابيد.
وبينما تتعدّد الأسباب خلف صعود آيزنكوت، ومنها “الحنين إلى أزمنة الجنرالات”، خاصة بعد الاتفاق على وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، وكبح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاندفاعة الإسرائيلية العسكرية في لبنان، فإن تقدّمه في استطلاعات الرأي لا يعني فوزه بها، كما لا يعني أنه يختلف جذريًا عن نتنياهو.
هل يهدّد آيزنكوت عرش نتنياهو؟
ربما يكون أحد أسباب صعود آيزنكوت متعلقًا بالرغبة في التغيير والبحث عن نموذج قيادة أقل صخبًا من نتنياهو، وهو ما يسميه الكاتب في هآرتس يوسي كلاين “القيادة القزمة”.
يقارن كلاين في مقال نشرته هآرتس قبل أيام بين نتنياهو وآيزنكوت، فيرى ألا فارق جوهريًا بينهما، “فما يردده نتنياهو بعاطفة زائدة يردده آيزنكوت بهدوء كامل”. لا أفكار جديدة أو ثاقبة لدى الأخير، الذي يريد، بحسب الكاتب، “إدارة” النزاع مثل نتنياهو، لا حله.
وإذا كان ثمة فارق بين الرجلين، فربما يتمثّل في صدق آيزنكوت في مقابل غرور نتنياهو وغطرسته.
بهذا المعنى، تصبح هذه الصفة الإنسانية، والتي تكاد تبدو تافهة سياسيًا، بحسب الكاتب، واحدة من أوراقه الرابحة في الانتخابات المقبلة، المقررة بحلول أواخر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل ما لم تطرأ تطورات سياسية تغير موعدها.
يرى كلاين أنه لا أهمية كبيرة لكون آيزنكوت رئيسًا سابقًا لهيئة الأركان، فبيني غانتس شغل هذا المنصب وأخفق في إطاحة نتنياهو، ذلك أن “رئاسة الأركان لا تضمن الحماية من الغباء”، على حدّ وصفه.
لكن غرور نتنياهو وغطرسته أنتجا، في المقابل، مزاجًا إسرائيليًا يبحث عن قيادة مختلفة، أو عما يسميه كلاين “القيادة القزمة”، في إشارة إلى نموذج مضاد لقيادة نتنياهو “المتضخمة والمتغطرسة والغارقة في ذاتها”، وفق ما يقول.
المقصود حسب الكاتب، قيادة بدون تزييف، تدرك حدودها، لا تقوم بغزو طهران أو قصف بيروت كلما احتاجت إلى استعراض القوة، ولا تستثمر في مستحضرات التجميل أو الأحذية ذات الكعب العالي للتظاهر بشخصية ليست شخصيتها الحقيقية، ولا تجعل الإسرائيليين يخشون مشاهدة الأخبار صباحًا خشية أن تكون قد فعلت شيئًا “قبيحًا” في الليل.
يسأل كلاين: “لقد سئمنا من مظهر نتنياهو المبهرج، لكن هل سنسقط في شرك المظهر مرة أخرى؟ هذه المرة بمظهر آيزنكوت المتواضع؟”.
لا يرى الكاتب اختلافًا كبيرًا بين الرجلين سوى أن آيزنكوت يبدو أكثر صدقًا، لكنهما في نهاية المطاف “تلميذان على يد حَبر واحد”.
آيزنكوت.. جنرال من أصول مغربية
ولد آيزنكوت عام 1960 في طبريا لعائلة يهودية من أصول مغربية، ما يجعله في حال تمكّن من تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، أول يهودي من أصول عربية وسفارديمي (يهودي شرقي) يتبوأ هذا المنصب في تاريخ إسرائيل.
كما سيصبح ثالث رئيس لهيئة الأركان يصل إلى رئاسة الحكومة بعد إسحق رابين، الذي ترأس الحكومة مرتين بين عامي 1974 و1977 ثم بين عامي 1992 و1995، وإيهود باراك الذي ترأسها من عام 1999 إلى عام 2001.
وسيكون وصول يهودي شرقي إلى رئاسة الحكومة حدثًا نادرًا في إسرائيل، التي ترأس حكوماتها، منذ إنشائها على أنقاض الشعب الفلسطيني، قادة ينتمون في معظمهم إلى النخبة الإشكنازية الغربية.
كما سيعتبر الأمر ثورة شبيهة بانتخاب جون كنيدي رئيسًا للولايات المتحدة عام 1961 ليصبح أول كاثوليكي رئيسًا للبلاد، علمًا أن الرؤساء الأميركيين كلهم قبله من البروتستانت.
ولا تُعرف بعد حظوظ آيزنكوت الواقعية في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء، خاصة أنّ تقدّمه في استطلاعات الرأي لا يستند إلى بنية حزبية متماسكة، وذات إرث في العمل السياسي، كتلك التي يمتلكها الليكود أو أحزاب المعارضة التقليدية، بما يمنحه القدرة على الحفاظ على تقدّمه وتحويل نوايا التصويت إلى حقائق على الأرض.
وبحسب الصحافة الإسرائيلية، فإن بعض من أعلنوا نيتهم التصويت لآيزنكوت لم يختاروه لذاته، بل “نكاية” بنتنياهو، وهو ما يُعرف بالتصويت المعاكس أو المضاد، وقد يتجه بعض هؤلاء في اللحظة الأخيرة إلى مرشحين آخرين من المعارضة.
يضاف إلى ذلك أن ترشحه لتولي منصب رئيس الوزراء يبقى مرهونًا باتفاق المعارضة على زعامته لتشكيل الائتلاف الحكومي، وهو أمر لا يبدو محسومًا حتى الآن، فلا نفتالي بينيت ولا أفيغدور ليبرمان سيقران بسهولة بزعامته لمعسكر المعارضة.
إسرائيل المُهانة بعد الاتفاق مع إيران
يرى محللون أن مرحلة ما بعد الحرب على إيران في إسرائيل تتسم بما يوصف بـ“السيولة السياسية” التي لم تأخذ شكلها النهائي بعد، وما زالت في طور التشكل تحت تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية. لذلك، من المبكر اعتبار استطلاعات الرأي مؤشرات واضحة ونهائية على ما سيحدث حتى موعد الانتخابات.
وفي رأي هؤلاء، ثمة شعور إسرائيلي بالإهانة بسبب موقف الرئيس الأميركي الذي أنهى الحرب على إيران، وأجبر نتنياهو على وقف عملياته العسكرية في لبنان، ما خلق حنينًا إلى العسكر، وتحديدًا إلى أولئك الذين يقدَّمون بوصفهم أكثر نزاهة وأقل ارتباطًا بمساومات السياسة اليومية.
في مقدمة هؤلاء يظهر آيزنكوت، صاحب عقيدة الضاحية، الذي قُتل نجله غال خلال العدوان الإسرائيلي غير المسبوق على قطاع غزة عام 2023.
لكن موقف آيزنكوت الرافض لما تسميه المعارضة الإسرائيلية انصياع نتنياهو لإملاءات ترمب لا يعني أنه ينفرد به عن سواه من زعماء المعارضة. وحتى لو بدا أكثر حدة في هذا الملف، فإن ذلك ليس برنامجًا سياسيًا مكتملًا يمكن الاعتماد عليه، ومن المرجح أن يفقد جزءًا من جاذبيته أو أهميته في ظل استمرار السيولة التي تطبع الأداء الإسرائيلي بعد حرب إيران.
آيزنكوت مهاجمًا نتنياهو: هذا استسلام
هاجم آيزنكوت نتنياهو بحدة مطلع هذا الشهر بعد قبوله طلبًا من ترمب بوقف إطلاق النار في لبنان.
وكتب آيزنكوت على منصة إكس قائلًا إنه “لم يسبق لأي رئيس وزراء في إسرائيل أن قبل بمثل هذا المطلب بالاستسلام، وهو أمر غير معقول بتاتًا”.
وأوضح أن “من يفعل هذا هو الرجل الذي كان يعلّم الجميع ضرورة أن يكون رئيس الوزراء قادرًا على قول لا لرئيس الولايات المتحدة عندما تتضرر مصالح دولة إسرائيل”، مشددًا على ضرورة عدم تكبيل أيدي الجيش في لبنان.
وقال آيزنكوت: “حزب الله عدو حتى في ضواحي بيروت، وحتى في بعلبك، وأينما ينتشر. يجب إلحاق الضرر به، ويجب ألا تُكبّل أيدي الجيش الإسرائيلي“.
وأضاف: “ما يفعله نتنياهو وحكومته ومجلس وزرائه هو الإضرار بالمصالح الوطنية لدولة إسرائيل بدافع الضعف. ليتوقفوا عن اختلاق الأعذار حول صلة ذلك بالمفاوضات الأميركية مع إيران“.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن مطلع يونيو /حزيران وقف هجوم إسرائيلي كان مرتقبًا على بيروت، عقب اتصالين مع نتنياهو ومع حزب الله اللبناني عبر “ممثلين رفيعي المستوى”.
وجاء إعلان ترمب بعد ساعات قليلة من إصدار الجيش الإسرائيلي إنذارًا بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت بالكامل من السكان، تمهيدًا لمهاجمتها بناء على أوامر نتنياهو.
وكشف موقع أكسيوس فحوى الاتصال الغاضب بين ترمب ونتنياهو، وقال إن الرئيس الأميركي وصف نتنياهو بـ”المجنون”، واتهمه بنكران الجميل، وأبلغه أن تنفيذ تهديداته بقصف بيروت “سيزيد من عزلة إسرائيل دوليًا”.
وقال الموقع إن ترمب خاطب نتنياهو بحدة وصوت عال، واصفًا إياه بـ”المجنون”.
صعود عسكري متواصل
لم يسبق لآيزنكوت أن شغل أي مناصب سياسية قبل دخوله الكنيست عام 2022، ثم انضمامه إلى حكومة الطوارئ وكابينت الحرب برئاسة نتنياهو بعد أيام من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وكان نتنياهو عيّنه رئيسًا لهيئة أركان الجيش في ديسمبر/ كانون الأول 2014، ووصفه آنذاك بأنه “الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبين”، وأنه “قائد ذو خبرة ويمكنه قيادة الجيش في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهنا“.
وجاء آيزنكوت آنذاك خلفًا للجنرال بيني غانتس.
وبدأ ايزنكوت حياته العسكرية جنديًا في المشاة في لواء جولاني، وترقى حتى وصل الى قيادة اللواء، وعمل سكرتيرًا عسكريًا لرئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق إيهود باراك ما بين 1999 و2001.
وعُيّن لاحقًا قائدًا لقطاع “يهودا والسامرة“، وهي التسمية التي تستخدمها إسرائيل للضفة الغربية المحتلة، كما تولى قيادة مديرية العمليات، ثم أصبح قائدًا للجبهة الشمالية بين عامي 2006 و2011.
وذكرت صحيفة هآرتس آنذاك أن آيزنكوت حذّر نتنياهو في رسالة شخصية من شن هجوم على البرنامج النووي الإيراني، خشية التسبب في حرب طويلة مع إيران وحزب الله، والإضرار بالعلاقات مع الولايات المتحدة.
تولى آيزنكوت رئاسة أركان الجيش بين عامي 2015 و2019، وشهد عام 2022 دخوله العمل السياسي، منضمًا إلى القائمة الانتخابية لبيني غانتس “أزرق أبيض“، التي خسرت الانتخابات.
وبعد أيام قليلة من بدء العدوان على قطاع غزة، انضم آيزنكوت إلى حكومة الطوارئ التي شكّلها نتنياهو في 11 أكتوبر 2023، وضمت بيني غانتس ووزير الأمن يوآف غالانت، على أن يكون آيزنكوت ووزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر مراقبين في كابينت الحرب.
لكن آيزنكوت وغانتس انسحبا من حكومة الحرب في يونيو/ حزيران 2024.
غزة وفقًا لآيزنكوت.. إخفاق إستراتيجي
شهدت الشهور القليلة التي كان فيها آيزنكوت عضوًا في حكومة الطوارئ ومراقبًا في كابينت الحرب خلافات حادة بينه وبين نتنياهو، انفجرت في فبراير/ شباط 2024، بحسب ما كشفت في حينه القناة 12 الإسرائيلية.
فقد وجّه آيزنكوت رسالة حادة إلى نتنياهو حذّره فيها من “صعوبة متزايدة في تحقيق أهداف الحرب” في غزة، قائلًا إنه “بعد أكثر من أربعة أشهر من الحرب” هناك صعوبة في تحقيق أهدافها بسبب “تعثّر المخطط الإستراتيجي للحرب”.
وأوضح آيزنكوت أن “هدف تقليص قدرات حماس العسكرية والسلطوية لم يتحقق إلا بشكل جزئي، وكذلك إعادة المحتجزين من قطاع غزة، وإعادة الأمن لسكان منطقة غلاف غزة”.
واعتبر أن “حالة إنهاء الحرب بحيث لا تشكّل غزة تهديدًا مستقبليًا على إسرائيل لم تتحقق، وكذلك تعزيز الأمن الشخصي والقدرة على الصمود الوطني للإسرائيليين”.
وخلص آيزنكوت إلى أن “الحرب تجري وفق إنجازات تكتيكية، دون تحركات كبيرة لتحقيق إنجازات إستراتيجية”.
ولم يتوقف آيزنكوت بعد ذلك عن انتقاد إدارة نتنياهو للعدوان على قطاع غزة. ففي سبتمبر/ أيلول 2025 كتب على منصة إكس محذرًا من أن خطة احتلال غزة ستكلف إسرائيل ثمنًا باهظًا، وتهدد حياة الجنود.
وقال إن قرار احتلال مدينة غزة “حماقة ستكلف إسرائيل ثمنًا باهظًا”، وإنه ينطلق “من عمى سياسي وإستراتيجي وانفصام تام عن الواقع”، و”يستند إلى المصالح السياسية لرئيس الحكومة نتنياهو”.
ويرى آيزنكوت أخيرًا أنه رغم الحروب في غزة ولبنان وإيران، فإن نتنياهو لم يحقق حسمًا في أي منها، قائلًا إن “الإنجازات العسكرية تتبخر بسبب قيود سياسية وشخصية، وبسبب نظرة رئيس الحكومة التي تقوم على حرب ثم حرب أخرى”.
عندما قُتل نجل آيزنكوت في غزة
تكتسب انتقادات آيزنكوت لنتنياهو مصداقية داخلية لعدة أسباب، منها أنه يُعتبر من الجنرالات القلائل الذين يُنسب إليهم إنتاج تصورات أمنية متماسكة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
يضاف إلى ذلك ما يوصف بنزاهته الشخصية، ومقتل نجله خلال العدوان على غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2023، مقارنة بنتنياهو الذي تعتبره المعارضة فاسدًا، بينما يعيش نجله يائير في الولايات المتحدة.
وقُتل غال، النجل الأصغر لآيزنكوت، وهو جندي مشاة في اللواء 551 احتياط، بانفجار عبوة ناسفة خلال العدوان على غزة.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أنه قُتل بينما كان يشارك مع جنود آخرين في عملية بحث على مشارف جباليا، مشيرة إلى أن آيزنكوت شاهد مقتل نجله على الهواء مباشرة بينما كان يتابع العمليات العسكرية.
وبعد يوم واحد، قُتل أحد أبناء شقيقة آيزنكوت في غزة أيضًا.
يعتبر آيزنكوت صاحب “عقيدة الضاحية” التي نفّذتها إسرائيل فعليًا في حرب يوليو/ تموز 2006 على لبنان، عندما كان قائدًا للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، وتقوم على استخدام قوة غير متناسبة وتدمير واسع للبنى التحتية والمناطق المدنية بذريعة الردع.
وفي مقابلة أجريت معه عام 2008، رأى آيزنكوت ضرورة عدم تحميل الجيش عناء تدمير آلاف منصات إطلاق الصواريخ في جنوب لبنان، أو دفع كلفة بشرية كبيرة للسيطرة على “القرى الشيعية”.
كان البديل في رأيه هو تدمير لبنان عن بكرة أبيه، إذ اعتبر أن القرى اللبنانية ليست مجرد مناطق مدنية، بل قواعد عسكرية لحزب الله، على حد وصفه، “ويجب تدميرها وضرب البنية التحتية للبنان كله، فاللبنانيون كلهم حزب الله، وقطاع غزّة كله هو خالد مشعل“.
وتحولت هذه العقيدة إلى ما يشبه المبدأ التأسيسي للجيش الإسرائيلي، إذ حضرت لاحقًا في حروب إسرائيل على قطاع غزة، خاصة في أعوام 2008 و2014 و2023، حيث تكرر نمط استخدام القوة التدميرية الواسعة ضد بيئات مدنية بذريعة ضرب البنية العسكرية للفصائل.
ما بين بن غوريون ورابين
يعتبر آيزنكوت خليطًا مركبًا بين شخصيتي ديفيد بن غوريون، أول رئيس للوزراء في إسرائيل، وإسحق رابين، رئيس الوزراء بين عامي 1974 و1977 ثم بين عامي 1992 و1995. فقد أخذ من الأول عقيدته الدفاعية القائمة على العمل الاستباقي، ومن الثاني ضرورة مواكبة الأهداف العسكرية للمسار السياسي.
وهو إلى ذلك من أبرز رؤساء هيئة الأركان الذين كتبوا أو طوروا تصورات عسكرية مكتوبة، ومن ذلك وثيقة “إستراتيجية الجيش”، التي تُعد إحدى مرجعيات الأمن الإسرائيلي.
كما كتب آيزنكوت عن إستراتيجية “المعركة بين الحروب“، وتعني القيام بأعمال عسكرية سرية، تشمل الاغتيال والتدمير والضربات الوقائية، للحيلولة دون امتلاك “أعداء إسرائيل” قدرات تُخلّ بتوازن الردع الإسرائيلي.
ومن هذه العمليات الضربة الجوية عام 2007 على منشأة نووية مشتبه بها في سوريا، واغتيال عماد مغنية القيادي في حزب الله، والأنشطة ضد البرنامج النووي الإيراني، وسواها.
وفي دراسة له في معهد واشنطن عام 2019، ربط آيزنكوت بين حرب يوليو/ تموز 2006 وبلورة مفهوم “المعركة بين الحروب“، قائلًا إن “طبيعة التهديدات التي يتعرّض لها أمن إسرائيل تتغيّر بشكل كبير”.
ورأى أن ضعف الدول العربية وجيوشها أدى إلى نشوء واقع تطورت فيه التهديدات التقليدية وغير التقليدية ودون التقليدية، أي الفصائل والمنظمات شبه العسكرية، في آن واحد. ومن هنا، بحسب منطقه، وجب تطوير مفهوم للحرب الوقائية المتكاملة والمنخفضة الكثافة، لمواجهة المخاطر الأمنية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
قد يصبح آيزنكوت رئيسًا للحكومة، وقد يبقى مجرد موجة عابرة في استطلاعات الرأي. لكن المؤكد أن صعوده لا يبدو بحثًا إسرائيليًا عن مشروع سلام، بقدر ما يعكس رغبة في استعادة الثقة بالعقيدة العسكرية نفسها بعد أن استهلك نتنياهو صورتها ومصداقيتها.
