في مقام الوفاء لا الرثاء.. تأبين البروفيسور العالم عز الدين عمر موسى

في مقام الوفاء لا الرثاء.. تأبين البروفيسور العالم عز الدين عمر موسى

Loading

على وقع رحيل العالم البروفيسور عز الدين عمر موسى، الذي رحل عن دنيانا، بالولايات المتحدة الأمريكية، في (٢١ يونيو ٢٠٢٦م)، نظمت منصة “تعليم وتزكية” ندوةً تأبينيةً وفاءً لروح الراحل، أمسية السبت (٢٧ يونيو ٢٠٢٦م)، تحدث خلالها مجموعة من رفاق دربه وأصدقائه وتلاميذه وأهله ومحبيه، معددين مآثره وذاكرين سيرته العطرة.

سيرة ومسيرة حافلة
أدار الندوة الدكتور الطيب حاج مكي، وتحدث عن السيرة الذاتية للبروفيسور عز الدين عمر موسى، ذاكراً أنه ولد في جزيرة توتي عام ١٩٣٦م، وبدأ تعليمه في الحقل التعليمي السوداني، ثم أكمل دراسته في بيروت، ونال درجة الدكتوراه من الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن ثم الأستاذية أثناء مسيرته الأكاديمية الحافلة في جامعة أحمدو بيلو في نيجيريا، وعمل محاضراً في الجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعة أحمدو بيلو، وجامعة الملك سعود، فضلاً عن نيله جائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلامية عام ٢٠٠٣م، كما أسس مركز العز بن عبد السلام للدراسات الإسلامية في شمبات عام ٢٠٠٥م.
وأوضح أنه لم يكن عالماً أكاديمياً فقط، بل صاحب إسهام فكري وسياسي بارز، فضلاً عن ملازمته للإمام عبد الرحمن، وما تركه ذلك من أثر بارز في تكوين شخصيته.

الفكر والعلم وخدمة المجتمع
استهل المستشار البشرى عبد الحميد محمد، القيادي بحزب الأمة القومي، كلمته في تأبين البروفيسور عز الدين عمر أحمد موسى بالآية الكريمة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وبحديث النبي ﷺ: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث…”، مؤكداً أن الراحل كان من العلماء الذين أبقى العلم آثارهم بعد رحيلهم، وأضاف: “نلتقي اليوم في مقام الوفاء لا الرثاء”، لنقف أمام سيرة رجل عظيم جمع بين العلم والفكر والمكانة الأكاديمية، والتواضع وخدمة المجتمع، وسخر علمه وخبراته لخدمة الدين والإنسان، مؤمناً بأن العلم رسالة، وأن خير العلماء من جعل علمه نافعاً للناس وأثره باقياً في الأجيال.
وأوضح أن الراحل وُلد في جزيرة توتي ونشأ في بيئة بسيطة غنية بالقيم، وكان يصف طفولته بأنه محب للأسئلة وشديد الحركة، معتبراً أن تلك الصفات شكلت البذور الأولى لشخصيته العلمية والفكرية.
وأشار إلى أن الراحل واصل مسيرته العلمية حتى بلغ أعلى الدرجات الأكاديمية، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث تأثر بعدد من كبار العلماء والمفكرين، من بينهم ناصر الدين الأسد، ومصطفى زيادة، وكمال صليبي، ومحمد يوسف نجم، وأنيس فريحة، ونقولا زيادة، وأمين فارس، ومحمود الغول، وإحسان عباس، إلى جانب حمد الجاسر، وخير الدين الزركلي، ومحمد المبارك، وهو ما أسهم في تشكيل منهجه العلمي.
وأضاف أن البروفيسور عز الدين تنقل بين السودان ونيجيريا والمملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب، حتى أصبح من أبرز أساتذة التاريخ الإسلامي والإفريقي، وأسهم في تطوير التعليم الجامعي والدراسات العليا، وتخريج أجيال من الباحثين.
وأوضح أن عظمة الراحل لم تقتصر على إنجازه الأكاديمي، بل تجلت في حضوره الثقافي والاجتماعي، خاصة في المملكة العربية السعودية، حيث كان جسراً ثقافياً بين السودان والمملكة، وشارك في المنتديات والصالونات الفكرية.
وأكد أن الراحل كان مدرسة في العمل العام وسط الجالية السودانية، وأسهم في تأسيس الملتقى الثقافي السوداني والرابطة الرياضية للسودانيين بالخارج، ودعم الروابط الاجتماعية والثقافية، مؤمناً بأن الثقافة والرياضة والعمل الاجتماعي أدوات لبناء الإنسان وتعزيز وحدة المجتمع، كما أولى رعاية خاصة لطلاب العلم والشباب، وعدَّ الاستثمار الحقيقي في الإنسان.
ونوه بأن علاقات الراحل امتدت إلى مختلف مكونات المجتمع السوداني، وكان جسراً للتواصل بين التيارات السياسية والثقافية والدينية والإدارات الأهلية، واضعاً مصلحة الوطن فوق الخلافات، ومشاركاً في المبادرات الوطنية والاجتماعية والداعية إلى الحوار والتوافق.
وأوضح أن البروفيسور عز الدين تقلد عضوية عدد من المؤسسات العلمية والفكرية العربية والإسلامية، من بينها لجنة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومنتدى الفكر العربي، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، ومؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ولجنة الاختيار والتحكيم في جائزة الملك فيصل العالمية، كما شارك في الدروس الحسنية بالمغرب والعديد من المؤتمرات العلمية.
وأضاف أن الراحل حظي بتقدير واسع، فنال جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام ٢٠٠٣م، وكرمته اثنينية الشيخ عبد المقصود خوجه بجدة عام ٢٠١٣م، كما حصل على وسام السودان الذهبي للعلوم والآداب.
وأشار إلى أن من أبرز إنجازاته تأسيس مركز العز بن عبد السلام بالسودان من ريع جائزة الملك فيصل، مضيفاً إليه من ماله الخاص، ليكون منارة للعلم والثقافة وخدمة المجتمع.
وفي شهادته الشخصية، قال المستشار البشرى عبد الحميد إنه عرف الراحل لأكثر من أربعين عاماً صديقاً وزميلاً في العمل الفكري والثقافي والاجتماعي، فعرف فيه الإنسان قبل العالم، والرجل الذي كانت حكمته تسبق كلماته، وأخلاقه تسبق مكانته، وكان يؤمن بأن قيمة العالم تقاس بقدر ما يقدمه لمجتمعه.
وأضاف أنه كان مثالاً للإيثار والتجرد، يبذل وقته وجهده وفكره لخدمة الناس، ويقف مع المحتاجين وطلاب العلم والشباب، ويجمع المختلفين على كلمة سواء، ويؤمن بأن خدمة الوطن تحتاج إلى الصبر وطول النفس والحوار.

روح المثابرة والكفاح
تحدث البروفيسور حاتم الصديق محمد، مدير مركز البحر الأحمر للبحوث والدراسات، عن البروفيسور عز الدين باعتباره مؤرخاً ملأ الدنيا ونفع الناس، ونموذجاً للإنسان المجتهد الحريص على النجاح.
وأبان أنه التقى البروفيسور عز الدين في مركز العز بن عبد السلام، ومن خلال معرفته به خلال الأربع سنوات الأخيرة، كانت تلك السنوات من أكثر السنوات إنجازاً على المستوى الأكاديمي والبحثي، لافتاً إلى أنهم أنتجوا ثمانية كتب، ونظموا ندوة علمية عن البحر الأحمر.
وأضاف: في عام ٢٠٠٣م منح مركز البحر الأحمر للبحوث والدراسات البروفيسور عز الدين درع التميز العلمي، مبيناً أنه تميز بروح المثابرة والكفاح والخبرة الفكرية والعلمية ووضوح الرؤى والأفكار، فضلاً عن أنه أصبح الرئيس الفخري لاتحاد المؤرخين الأفارقة.

علم من أعلام الأمة
الدكتور عبد المحمود أبو، الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، أكد أن الأمة فقدت علماً من أعلامها، وعالماً من علمائها، ورمزاً من رموزها برحيل البروفيسور عز الدين عمر موسى، وأن سيرته مليئة بتفوقه الأكاديمي والعلمي، فضلاً عن أن كل الذين عاصروه في الجانب الأكاديمي يعرفون فضله، مشيراً إلى أن معرفته بالراحل كانت في عام ١٩٩٩م في موسم الحج، وكيف أنه نظم لهم لقاءات مع الديوانيات العلمية، وأتاح لهم فرصة تقديم المحاضرات في عدد منها.
ونوه أبو بأن هنالك أصواتاً كانت تطالب بأن يكون للبروفيسور عز الدين دور في هيئة شؤون الأنصار، لافتاً إلى دوره الكبير في تنظيم رحلة الحج للإمام الصادق المهدي بعد بيعة السقاي، بالإضافة إلى تنظيمه زيارة الإمام الصادق المهدي ومجموعة من قيادات حزب الأمة القومي للمملكة العربية السعودية، فضلاً عن الخدمات التي قدمها للسودانيين بالمملكة العربية السعودية.
وأضاف الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار أن البروفيسور عز الدين رجل، حيثما ذهب ترك بصمة.

تواضع وإنسانية
الدكتور مدثر طيب الأسماء لفت إلى وسطية البروفيسور عز الدين وإنسانيته، وكيف أنه كان متواضعاً في التعامل مع الصغير والكبير من الناس، وأنه كان يجيد الاستماع إلى الجميع بكل تواضع، فضلاً عن أنه كان دائم السؤال عن الناس، وفي حرب ١٥ أبريل كان يسأل على الدوام عن الأهل في شمبات وأحوالهم المادية، بالرغم من معاناته مع المرض.
وتابع بالقول: كان البروفيسور عز الدين لين الجانب، ولكنه قوي في الحق، ويطيب خواطر من يختلفون معه.

بحر زاخر بالعلم والمعرفة
تحدث الشيخ الطاهر الشيخ النذير عن البروفيسور عز الدين، واصفاً إياه بأنه كان بحراً زاخراً بالعلم والمعرفة، وشرساً في الدفاع عما يرى أنه حق، ورحيماً في ذات الوقت، بالإضافة إلى أنه كان دقيقاً في اختيار الكلمات، وحريصاً على أن يكون العلم الذي يصل إلى الناس دقيقاً ونافعاً.
وأضاف: لقد كرمه العالم الإسلامي، وكرمته جماعة الملك فيصل عقب حصوله على جائزتها، وإنفاقه ما حصل عليه في تأسيس مركز العز بن عبد السلام، مبيناً أن البروفيسور عز الدين كان مثالاً للتواضع، الذي هو من شيم العلماء.

الجذور التاريخية للأزمة السودانية
رباح الصادق، مساعد رئيس حزب الأمة القومي، رجعت بالذاكرة إلى الوراء، وأشارت إلى بداية معرفتها بالبروفيسور عز الدين عمر موسى في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكيف أنه كان يمتن علاقاته بالشباب ويجذبهم لفكره، لافتة إلى دوره في إنتاج العديد من الكتب التراثية، وإيمانه بضرورة ربط العلم بالمجتمع، وأنه كان يرى السعي العلمي ضرورة وطنية ملحة.
فضلاً عن حديثه عن الجذور التاريخية للأزمة السودانية وخوفه على السودان، وظل مرتبطاً بوطنه بالرغم من تعرضه للهجوم ممن لا يقدرون العلم والعلماء، بالإضافة إلى كتابته مقالاً مطولاً فند من خلاله محاولات التشبيه بين الدعوة المهدية وما ارتكبه الدعم السريع في حرب ١٥ أبريل.
ونوهت رباح بقربه من الإمام الصادق المهدي، وكيف أنه أصبح مساعد الإمام لشؤون المنظمات والعمل الإنساني.
وأوضحت أن البروفيسور عز الدين كان مؤرخاً، ولكنه لم يربط نفسه بأضابير المكتبات فقط، بل ظل متابعاً لثمرات العلم الحديث، فضلاً عن أنه كان نصيراً للنساء السودانيات، ويكن لهن احتراماً كبيراً.

مواصلة إفراد سيرته وإنتاجه
القاسم محمد إبراهيم، القيادي بحزب الأمة القومي، ذكر العلاقة التي ربطته بالبروفيسور عز الدين عمر موسى، والتي امتدت لحوالي ٣٤ عاماً، لافتاً إلى أن سيرة البروفيسور عز الدين الأكاديمية والمهنية والثقافية مبثوثة لجميع المتابعين، مبيناً أنه من القلائل من علماء السودان، ومن الرواد الذين ختموا مسيرتهم بالرجوع إلى السودان، وبسبب حرب ١٥ أبريل رحل عن دنيانا وهو خارج بلاده.
ودعا القاسم إلى ضرورة مواصلة إفراد سيرة وإنتاج البروفيسور عز الدين.

نشأة عصامية
تحدث اللواء طارق عمر موسى، ممثل الأسرة، عن شقيقه البروفيسور عز الدين عمر موسى، وابتدر حديثه قائلاً: باسم آل أحمد موسى وآل الطيب يوسف نعزيكم ونعزي أنفسنا في هذا الفقد.
ورسم شقيق الراحل ملامح من نشأته، وقال إن والدهم أسماه على اسم العالم الإسلامي العز بن عبد السلام، فكان أن سار في دربه مقتفياً أثره، فنال ما شاء الله له.
وأضاف أن نسب أم جده أحمد ينتمي إلى الشيخ إدريس الأرباب، ومن أم أبيه ينتمي جده عجيب المانجلك.
وأوضح أن البروفيسور عز الدين نشأ منذ طفولته عصامياً، وعمل بالتعليم في مدرسة أبو عشر المتوسطة، ثم وادي سيدنا الثانوية، وتبحر في دروب العلم متنقلاً من بيروت إلى نيجيريا، ومن ثم إلى المملكة العربية السعودية.
وتابع بالقول: كان صاحب ذاكرة قوية، والمشهور عنه أنه كان كريماً جواداً، ويصرف على عشيرته، ودائماً ما يوصينا بالإنفاق.