انتفاضة “26 يونيو” في غزة بلا ثوّار.. مسبار يكشف حقيقتها ومَن يقودها

انتفاضة

Loading

بدأت دعوات للاحتجاج ضد حركة حماس يوم 26 يونيو/ حزيران في قطاع غزة، من حساب واحد، قبل أن تتحوّل إلى حملة رقمية، أظهر تحليلها مؤشرات على نشاط منسق ومشاركة جهات مُرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

وكشف فريق برنامج “مسبار”  المتخصّص في مكافحة الأخبار والمعلومات الكاذبة، الجهات التي تقف وراء الدعوة إلى الاحتجاج، وكيفية استثمار شبكة من الحسابات الغضب من الأوضاع الكارثية في غزة لتضخيم دعواتها وتقديمها بوصفها حراكًا شعبيًا.

البداية من حساب يُدعى “عبد الحميد عبد العاطي” كتب يوم 8 يونيو/ حزيران منشورًا على منصة (فيسبوك) عبارة عن تاريخ “26/06/2026” من دون تفاصيل. وفي اليوم نفسه، نشر عبارة “يوم الغضب” مرفقة بوسم #ثورة_26يونيو وتصميم يحمل الشعار ذاته، قبل أن تنشر صفحة تحمل اسم “ملتقى محبي عبد الحميد عبد العاطي” مقطعًا يدعو فيه إلى التظاهر داخل قطاع غزة.

من هو عبد الحميد عبد العاطي؟

في اليوم نفسه، نشرت صحيفة “المواطن” تقريرًا عن “دعوات إلى يوم الغضب يوم 26 يونيو” رغم عدم ظهور أي حساب أو شخص آخر غير “عبد العاطي” في المشهد.. فمن هو؟

 

بالبحث تبين لنا أنّه رئيس تحرير “قناة المواطن الإعلامية” المرتبطة بمنصة (المواطن)، والتي وضع “عبد العاطي” رابطها في وصف حسابه، وكانت أول من نشرت تقريرًا عن دعوات التظاهر. ورغم أن “عبد الحميد عبد العاطي” قد حدّد موقعه على حسابه بفلسطين، إلا أنّ خاصية الشفافية للحساب أظهرت أنّه ينشط من مصر.

وحتى هذه اللحظة في رحلة التقصي، بدت الدعوة مرتبطة بشخص واحد ومنصة تُعيد نشر دعواته. لكن أول استجابة بارزة من خارج هذه الدائرة جاءت في اليوم نفسه، عندما نشرت الصفحة الرسمية لميليشيا “أشرف المنسي” المسلحة المتعاونة مع إسرائيل، منشورًا يدعو إلى التظاهر ضد حركة “حماس”.

كان هذا حصاد اليوم الأول لدعوات انتفاضة “#ثورة_26يونيو”، فيما ظلّ هذا الوسم خمسة أيام كاملة بلا أي تفاعل يُذكر باستثناء 6 منصّات إخبارية عملت على تضخيم دعوة “عبد العاطي” باعتبارها حراكًا شعبيًا تحت عنوان “يوم الغضب الكبير”.

منصات من بلدان مختلفة

أولى هذه المنصات كانت “وكالة أنباء آسيا” التي تتّبع فريق مسبار نطاقها الإلكتروني وتبيّن أنّه كان مُسجّلًا في لبنان منذ 2015 باسم شخص يُدعى ميشال زخور Michel Zakhour، ثم انتقل تسجيل الموقع منذ 13 يونيو/حزيران إلى شخص آخر يُدعى خضر عواركة.

وبمزيد من البحث، تبيّن للفريق أنّ “خضر عواركة” هو صحفي لبناني، فيما حمل لنا سجل مقالاته على المنصّة نفسها مفاجأة لا تخلو من تناقض؛ فالرجل، كما تبدو آراؤه ومواقفه، مدافع عن إيران وما يُعرف بـ “محور المقاومة.

والمنصة الثانية كانت “Daily Beirut” التي شاركت بتقرير عنوانه “غزة على صفيح ساخن.. مئات الفلسطينيين يعلنون ثورة 26 يونيو”. وتقصّى موقع “مسبار” عن النطاق الإلكتروني للمنصة وتبيّن أنّه مسجل باسم موريس شباط (maurice chbat) في لبنان.

والبحث حول شباط، كشف عن إدارته لشركة “Anis Chbat Holding” التي تدير أصول تُقدر بنحو 500 مليون دولار وتربطه علاقات واسعة بدول الشرق الأوسط ومنها الإمارات.

حملات رقمية

أما أبرز منصّتين إخباريتين ساهمتا في الترويج للتظاهر فكانتا “جسور نيوز” و”المواطن”، الأولى يُدير حسابها على “فيسبوك” 7 أشخاص؛ أربعة من مصر وثلاثة من الولايات المتحدة. أما منصّة “المواطن” فقد أظهر بحث النطاق الإلكتروني لها أنّها مسجلة باسم “عبد العاطي” نفسه ومن الإمارات، بعد أن كانت مُسجّلة باسم مصري يُدعى “محمد السرايا” يعمل في شركة “ArabClicks” بدبي.

وظهر وسم “#ثورة_26يونيو” في حوالي 1150 منشورًا حقّقوا ما يُقدّر بـ 160 مليون مشاهدة/ وصول خلال أقلّ من أسبوعين.

ويكشف تحليل البيانات أنّ انتشار الوسم اعتمد على إعادة النشر بدلًا من النشر الأصلي بنسبة 59.3% من إجمالي المنشورات، بينما بلغت نسبة التعليقات حوالي 7% فقط.

وأشار التزامن في النشر بين حساب “عبد العاطي” ومنصّات مثل “المواطن” و”جسور نيوز” إلى وجود مؤشرات أولية لحملة رقمية، إلا أنّها لا تكفي للجزم بوجود حملة مُنسّقة ما لم يكن مرتبطًا بمؤشرات أخرى عمل فريق التحليل الرقمي بمسبار على تحليلها، كان في مقدمتها الموقع الجغرافي.

فرغم أنّ الحملة تخصّ قطاع غزة بالأساس، ورغم أنّ التحليلات أظهرت أنّ 28% فقط من المنشورات تحتوي على إشارة للموقع، نجد أنّ 16% وهي الكتلة الأكبر من المنشورات كانت من الولايات المتحدة، تلتها مصر التي نُشر منها 7%، ثم تركيا بنسبة 6%.

سلوك رقمي غير أصلي

وعلى مستوى الحسابات، بلغ إجمالي الحسابات المُشاركة في الحملة 268 حسابًا فقط، 35% منها حُدّدت موقعها حيث نشطت الكتلة الأكبر بنسبة (11%) من مصر، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 10%.

وجميع المؤشرات السابقة التي أظهرت نمطًا غير اعتيادي في عملية التفاعل مع الدعوات، وتزامن نشر وتضخيم متعمد مدفوع لحسابات تنشط ليس فقط من خارج قطاع غزة بل وفلسطين المحتلة، يُعزّز وجود سلوك رقمي غير أصيل ينشط بشكل منسق ومتزامن، وهو ما دفع فريقنا للتعمق أكثر في شبكة التفاعل.

من يُضخّم الحملة؟

قاد التحليل الشبكي لموقع مسبار إلى تحديد الحسابات المركزية التي عملت كنقاط ضخ وتضخيم، وعلى رأسها حساب يُدعى “مصطفى عصفور @ustafa_ad”، نشر 36 منشورًا عبر حسابه الأساسي و21 منشورًا عبر حسابه الاحتياطي.

ونشط حساب “عصفور” من بريطانيا، ونشر لقطات (سكرين شوت) ادّعي أنها لأفراد من الأمن الداخلي بقطاع غزة يتحدثون عن قمع تظاهرات 26_يونيو، إلا أنّ موقع “مسبار” حلّل الصورة بأدواته المتخصصة التي كشفت أنّ الصورة تحمل أجزاءًا معدلة خاصة بمواضع النصوص؛ إذ أشارت كل الخطوط بالصورة لأماكن بها أجزاء مكررة يُحتمل أنها تعرضت لنوعٍ من التعديل. هذا النوع من التلاعب يظهر في كثير مما ينشره الحساب من لقطات.

ومع اقتراب موعد 26 يونيو، لم يقتصر الغموض على من دعا إلى “الثورة”، بل امتد إلى من حاول تأجيلها أيضًا؛ ففي 25 يونيو/حزيران، نشر حساب يُدعى “ثورة 26 – يونيو” بيانًا يُعلن تأجيل النزول للميدان إلى الثلاثاء 7/7، بذريعة استكمال التجهيزات والترتيبات اللازمة لحماية الجماهير.

بتتبع الحساب، تبيّن أنّه أُنشئ حديثًا في 19 يونيو/ حزيران 2026، أي قبل الموعد بأيام قليلة، وخصّص نشاطه للمشاركة في الحملة الرقمية الداعية لتظاهرات 26 يونيو. ونشر الحساب قبل بيان التأجيل بيانًا بعنوان “بيان هام وعاجل صادر عن الجيش الشعبي”. ويشير “الجيش الشعبي” في غزة إلى مجموعة “ياسر أبو شباب”، التي صار يقودها “غسان الدهيني” بعد مقتل “أبو شباب“.

كما تُروّج الصفحة لمقاطع الحسابات نفسها: “عبد الحميد عبد العاطي” و”لؤي خالد” و”حمزة المصري”، ولدى الحساب 2600 متابع، لكنه يتابع حسابًا واحدًا فقط باسم “ثورة 26 يونيو”.

أما حساب “ثورة 26 يونيو” فكان حديث النشأة أيضًا، إذ أُنشئ في 8 يونيو/حزيران 2026، يوم ظهور أول منشورات “عبد الحميد عبد العاطي” عن التظاهرات. ورغم امتلاكه 7400 متابع، فإنّه لا يُتابع أي حساب آخر. وعند العودة إلى أول منشور له، وجدنا أنّه استخدم التصميم نفسه الذي نشره “عبد العاطي” بينما جاءت أوائل التعليقات عليه من حسابات أغلبها تنتمي للسلطة الفلسطينية/حركة فتح.

خلاصة تحليل موقع “مسبار”

أظهر التحليل أنّ الدعوة لتظاهرات “#ثورة_26يونيو” دعا إليها شخص يُدعى “عبد الحميد عبد العاطي” في الثامن من يونيو. عملت منصّات إخبارية على تضخيم الدعوة وتحويلها لحملة وصلت ذروتها في 13 يونيو، منها منصّة يُديرها “عبد العاطي” ذاته. شاركت حسابات مركزية في بث محتوى يدعو للتظاهر ويردد سردية الاحتلال الإسرائيلي حول استخدام “المقاومة” لأهل غزة “كدروع بشرية”.

وتنشط شبكة من الحسابات الوهمية ضخمت هذا المحتوى بشكل متزامن، من خارج قطاع غزة. واللافت كان مشاركة حسابات تابعة للميليشيات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال في الترويج للتظاهرات بشكل منسق.

كما أظهر التحليل أنّ بيان تأجيل التظاهرات صدر عن حسابات حديثة النشأة ومجهولة البنية التنظيمية، لا عن جسم واضح داخل غزة. استثمرت الدعوات الوضع الإنساني الكارثي في غزة لتوجيه الغضب إلى حركة حماس عبر ترديد نفس سرديات الاحتلال الإسرائيلي.