![]()
بعد نجاحه في شرق السودان.. سر العرف السوداني الذي يوقف السلاح قبل اندلاع الحرب
متابعات السودان الآن — في وقت تتصاعد فيه النزاعات المسلحة في عدد من مناطق السودان، يواصل شرق البلاد التمسك بعرف اجتماعي متوارث يعرف باسم “القلد”، والذي يعد أحد أبرز الوسائل التقليدية التي أسهمت على مدى سنوات طويلة في احتواء النزاعات القبلية ومنع تحولها إلى مواجهات مسلحة.
ويقوم هذا العرف على إعلان هدنة ملزمة بين أطراف النزاع قبل الشروع في إجراءات الصلح، بما يمنح الإدارة الأهلية الوقت الكافي للتدخل واحتواء الأزمة، وتهيئة الأجواء للحوار بعيدًا عن التصعيد واستخدام السلاح.
وعاد “القلد” إلى واجهة الاهتمام مؤخرًا بعد نجاحه، قبل نحو أسبوعين، في تهدئة التوتر بين قبيلتي البشاريين والرشايدة على خلفية النزاع المرتبط بـ”سوق الرتج”، في خطوة عكست استمرار فاعلية الأعراف القبلية في معالجة الخلافات المحلية.
ويفرض إعلان القلد وقفًا كاملًا لأعمال التصعيد والثأر، فيما يلتزم جميع الأطراف بهدنة مؤقتة تتيح للعمد والنظار الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة والعمل على التوصل إلى تسوية توافقية، دون أن يعني ذلك التنازل عن الحقوق أو تعطيل الإجراءات العدلية.
وأوضح عمدة شرق السودان موسى أونور أن القلد يعد من الأعراف المتوارثة منذ زمن بعيد، دون وجود تاريخ محدد لنشأته، مشيرًا إلى أن الهدنة المؤقتة التي يفرضها قد تنتهي إلى صلح دائم إذا نجحت جهود الوسطاء في تقريب وجهات النظر.
وأضاف أن هذا التقليد ظل معمولًا به بين قبائل الهدندوة والأمرار والبشاريين، قبل أن يمتد لاحقًا إلى تسوية نزاعات قبلية أخرى داخل الإقليم، مؤكدًا أن مكانة الإدارة الأهلية تمنح هذا العرف قوة اجتماعية كبيرة تسهم في احتواء النزاعات قبل تفاقمها.
وشكل النزاع الأخير بين البشاريين والرشايدة نموذجًا عمليًا لنجاح هذا الإرث، بعدما قادت قبيلة الجعليين وساطة انتهت إلى إعلان قلد لمدة سبعة أيام، الأمر الذي أسهم في وقف التصعيد وتهيئة الأجواء للحوار.
وأكد وكيل ناظر الجعليين، العمدة عبدالباسط عبدالله، أن الوساطة نجحت في إقرار هدنة مؤقتة تسمح بالاستماع إلى مطالب الطرفين بكل حيادية، تمهيدًا للوصول إلى تسوية تحفظ الحقوق وتعزز وحدة مكونات شرق السودان.
كما حظي هذا العرف باهتمام أكاديمي من خلال إصدار كتاب بعنوان “القلد في شرق السودان… عبقرية العرف والسلم المجتمعي (1945 – 2020)”، الذي يعد أول دراسة متخصصة توثق تاريخ هذا التقليد ودوره في تعزيز التعايش والسلم الأهلي.
ويرى مختصون أن الأعراف القبلية، رغم أنها لا تمثل بديلًا لمؤسسات العدالة الرسمية، فإنها تشكل رافدًا مهمًا لجهود بناء السلام، خاصة في المجتمعات التي لا تزال تمنح الإدارة الأهلية دورًا مؤثرًا في إدارة شؤونها