![]()
بعد نحو عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، تدخل سوريا محطة سياسية جديدة مع اكتمال تشكيل أول مجلس شعب في المرحلة الانتقالية.
ويأتي تشكيل المجلس في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، ما يضع المؤسسة التشريعية الجديدة أمام اختبار حقيقي يتمثل في المساهمة بإعادة بناء الدولة وإرساء قواعد المرحلة المقبلة.
وبين من يرى أن المجلس يمثل خطوة ضرورية لإعادة بناء المؤسسات الدستورية، ومن يعتبر أن آلية تشكيله لا ترقى إلى تطلعات السوريين، تتزايد التساؤلات حول قدرته على ترسيخ دولة القانون، وإطلاق عملية تشريعية تعكس تطلعات المجتمع، بعيدًا عن الصورة التقليدية لمجالس التصفيق التي ارتبطت بعقود الحكم السابقة.
أول جلسة لمجلس الشعب السوري
وكان رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، دعا أعضاء المجلس إلى عقد الجلسة الافتتاحية يوم الإثنين 6 يوليو/تموز 2026، عقب صدور المرسوم الرئاسي الذي تضمن أسماء الأعضاء المنتخبين وأعضاء “الثلث المكمل” الذين جرى تعيينهم.
وأوضح الأحمد خلال مؤتمر صحفي أن مدة ولاية المجلس، وفق الإعلان الدستوري، تبلغ سنتين ونصف (30 شهرًا)، مع إمكانية تمديدها عند الحاجة.
وأشار إلى أن تعيين “الثلث المكمل” استهدف تحقيق توازن بين الشخصيات التي شاركت في مرحلة إسقاط النظام السابق وبين أصحاب الكفاءات والخبرات الوطنية، إضافة إلى تعزيز حضور المرأة داخل المجلس.
وبحسب المرسوم، ضم الثلث المكمل 70 عضوًا، بينهم 15 امرأة، فيما أوضح الأمين العام لمجلس الشعب محمد حمزة شموط أن القائمة تضم 23 من الأعيان و47 من أصحاب الكفاءات، بينهم 12 يحملون درجة الماجستير و17 حاصلون على الدكتوراه.
مهمة عاجلة لسد الفراغ التشريعي
وفي معرض الإجابة عن سؤال حول الدور المنتظر من مجلس الشعب، أوضح الكاتب والباحث السياسي بسام سليمان أن أبرز مهامه تتمثل في سد الفراغ التشريعي. وأشار إلى أن البلاد عاشت نحو عام ونصف من دون سلطة تشريعية، حيث تولت السلطة التنفيذية ممثلة بالقيادة والحكومة السورية إصدار المراسيم والإجراءات لسد هذا الفراغ.
وأضاف سليمان في حديثه للتلفزيون العربي من دمشق أن وجود مجلس مكتمل العدد يعني أن المهمة الأولى ستكون التشريع، لكنه يرى أن المجلس الحالي أقرب إلى مجلس انتقالي، وهو ما يُعرف في الأدبيات الأممية بـ “الاستثناء الانتقالي”. هذا الاستثناء يمنح الحكومات الانتقالية هامشًا واسعًا في آليات اختيار وتشكيل المجالس، لكنه يظل استثناء في عملية التشكيل فقط، بينما يبقى الأداء بعد التشكيل خاضعًا لرقابة السوريين والمجتمع الدولي.
وأكد أن المجلس أمامه مهام كبيرة، أهمها أن يكون جسرًا يوصل السوريين إلى برلمان منتخب بشكل كامل عبر انتخابات شاملة، وليس مجرد سد للفراغ التشريعي. كما شدد على أن طريقة تشكيل المجلس قد تؤثر على أدائه، داعيًا إلى التركيز على المستقبل وعلى مراقبة الأداء المنتظر منه.
وأشار سليمان إلى أن المجلس يجب أن يكون ساحة للحوار والنقاش، وللمعارضة والرقابة، خاصة أن المراحل الانتقالية عادة ما تكون حساسة وهشة. وأضاف أن دوره لا يقتصر على التشريع، بل يشمل أيضًا إنجاح عملية الانتقال، خصوصًا في ظل التوترات الاجتماعية التي قد تزداد مع الإصلاحات الاقتصادية.
وختم بالقول إن النظام الداخلي للمجلس سيكون المؤشر الأول على كيفية عمله، مؤكدًا أنه لا ينبغي للسوريين التنازل عن فكرة أن المجلس يجب أن يكون مساحة للنقاش والحوار والرقابة، بما يضمن أن يُعبر تحت قبته عن تطلعاتهم ويعالج قضاياهم.
مطالب بدستور جديد وقوانين سياسية
من جانبه، يرى الكاتب والصحفي يعرب العيسى أن الدور الأول لمجلس الشعب هو الدور التشريعي، وأن المهمة الأساسية يجب أن تبدأ منذ اليوم الأول، عبر التحضير لمجلس تشريعي دائم وحقيقي. وأوضح أنه يتمنى أن يبادر المجلس فورًا إلى تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد، وإقرار أو مناقشة قانون انتخابات وقانون أحزاب، نظرًا لحجم التراكم الكبير من القوانين التي تحتاج إلى تعديل في مختلف مجالات الحياة السورية.
وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من دمشق أنه لا يعرف ما إذا كان هذا المجلس سيتمكن من ممارسة دوره المطلوب في ظل الضغوط الشعبية، إذ قد لا يمنحه الناس فرصة كافية للقيام بمهامه التشريعية المكثفة أمام القضايا المطلبية والاجتماعية والمعيشية المتراكمة.
وعن آلية التشكيل، أشار العيسى إلى أنه كان بالإمكان أن تكون أكثر تمثيلية في الظرف السوري الاستثنائي، بحيث يشعر الناس أنهم ممثلون بشكل أفضل. لكنه شدد على أن الواقع الحالي يفرض التعامل مع المجلس الانتقالي كما هو، ومناقشة ما يُنتظر منه وما قد يعيق عمله أو يهدد أداءه.
وفي ما يتعلق بمدى تمثيل المجلس للشعب السوري، قال العيسى إن هذه ليست مسألة يمكن قياسها بالأرقام أو الرياضيات، بل هي مسألة شعور.
وأضاف: “هل يشعر السوريون أن هذا المجلس يمثلهم أم لا؟ أنا لا أعتقد ذلك، لأن هناك مشكلة جذرية في طريقة التفكير التي حكمت آلية التشكيل، حيث جرى التعامل مع سوريا وكأنها مجرد مجموعة من الطوائف أو القوميات أو العشائر، دون الأخذ بعين الاعتبار أن الناس ليسوا متطابقين في الرأي أو الموقف السياسي أو أي شيء آخر بناءً على انتماءاتهم الطائفية”.
انتقادات لآلية التشكيل
من جهته، اعتبر حسام الحافظ، الدبلوماسي السابق والباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن مجلس الشعب الجديد يتمتع بطبيعة استثنائية، إذ وُلد في ظروف غير طبيعية وبآليات غير تمثيلية. وأوضح أن الإدارة في دمشق ارتأت تشكيل المجلس عبر دوائر انتخابية محددة من قبل لجنة تابعة مباشرة للسلطة التنفيذية، إضافة إلى أن الثلث الأخير من الأعضاء جرى تعيينهم مباشرة من قبل الرئيس، ما أدى إلى تداخل واضح بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من الدوحة أن هذا المجلس لا يستمد شرعيته من قواعد انتخابية، إذ لم تجرِ انتخابات حقيقية، وبالتالي فهو لا يمثل إرادة شعبية نابعة من صناديق الاقتراع.
كما أشار إلى أن آلية التعيين لم تكن شفافة، وأن المعايير التي يفترض أن تُعتمد لاختيار الأعيان والكفاءات لم تُحترم بشكل كافٍ، بل إن بعض المشرفين على عملية الاختيار أصبحوا أعضاء في المجلس نفسه، وهو ما يتعارض مع مبدأ تشكيل اللجنة.
وأكد الحافظ أن غياب العملية الانتخابية يعني أيضًا غياب التنافس البرامجي أو التواصل مع الشارع السوري، ما يضعف من قوة المجلس التمثيلية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن وجود مؤسسة تشريعية، حتى بهذه الصيغة، يُعد خطوة مهمة بعد فترة تجاوزت السنة والنصف كانت السلطة التنفيذية خلالها تحتكر التشريع والتنفيذ معًا، في مخالفة للإعلان الدستوري.
وأشار إلى أن المجلس أمامه مهام جسيمة، أبرزها إصلاح البيئة القانونية، سواء تلك الموروثة عن النظام السابق أو التي تراكمت خلال الفترة الماضية عبر صكوك تشريعية تفتقر إلى المشروعية. لكنه أوضح أن التشريع ليس مجرد إصدار نصوص، بل هو عملية تداول ونقاش قبل الوصول إلى مرحلة الإقرار، وهو ما يجب أن يكون جوهر عمل المجلس.
وأضاف أن المجلس ينبغي أن يكون منصة أساسية للحوار السياسي والاجتماعي في سوريا، وأن يراجع التشريعات السابقة ويعمل على تعديلها أو إقرارها بما يتناسب مع المرحلة الانتقالية.
كما شدد على أهمية دور المجلس في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وفي التفكير بالأدوات التشريعية الأساسية مثل قانون الأحزاب وقانون الانتخابات، باعتبارهما مدخلًا ضروريًا لحياة سياسية وحزبية تمهّد لانتخابات قادمة ولصياغة دستور دائم يستند إلى تفويض شعبي حقيقي.
