![]()

في مقالي المنصرم، ألقيتُ حجراً في بركة ساكنة وسألت: مَن هي عسجد؟ للأمانة كنتُ أعرف الإجابة سلفاً، غير أنني، وهذا دأبي في التقصي، أردتُ أن أصطحب القارئ معي في رحلة تنقيبٍ شاقة عما وراء القصة الكاملة المحجوبة، لننفذ معاً إلى جوهر (بنت الجدل) أياً كانت، فالحقيقة دائماً، كما تعلمون في أدبيات الصراعات، هي الضحية الأولى للحرب، ونحن هنا نحاول ركوب موجة عاتية، مع علمي أنه “لم يسلمْ من ركب” ولكن “هلكَ من ركبَ ولم يخاطر”، كما قال الإمام النفري.
ولأنني أدرك جيداً خطورة آليات اختراق الدول عبر “الشبكات الشبحية” غير المرئية، أو محاولات تأسيس كيانات تجارية تتلفع بعباءة القانون للاستحواذ على عقود حيوية أو بنية تحتية حساسة، فقد ألزمتُ نفسي بالتشبث برأس أي خيط يمكن أن يقودنا إلى الحقيقة التي ننشدها جميعاً. وهنا تحديداً، لا أفترض سوء النية مطلقاً في مدير شركة “العسجد”، فلربما كانت هي نفسها مجرد ضحية أو واجهة في مسرح العرائس، لكن واجبي التنبيه، الصراخ، حتى ولو على طريقة حميد وود المقبول ” يا عبد الرحيم قدامك قطر”.
ثمة معلومات عاصفة ومزلزلة توصلتُ إليها، ولكن قبل أن أستطرد في نثرها، من المهم الإشارة إلى صدور بيانين متزامنين بالأمس؛ الأول من البنك المركزي، والآخر من شركة “العسجد للحلول الرقمية والذكية”، في هارموني مثير للعجب، إذ دبجوا عريضة طويلة، أشبه بـ (البيان غير المُبين)، وتهربوا بجلاء من الإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا مُنحت “العسجد” تحديداً الرخصة الأولى وهي حديثة عهدٍ بهذا المجال المعقد؟ وماهى المشاريع المماثلة التي نفذتها الشركة لتجعلها مؤهلة للحصول على رخصة المحول؟وقبيل الإجابة من المهم التذكير، لو تنفع الذكرى، بأننا في حالة حرب اقتصادية تشنها علينا دولة تجيد الاختراق السيبراني، تريد الإضرار بنا، وإذا كانت هنالك شركات أخرى مؤهلة، فما الداعي لتمييز “العسجد” بحفل باذخ، حشدت له الدولة شخصيات رفيعة ورموزاً سيادية؟
المثير في الأمر، أن “العسجد للحلول الذكية والرقمية” تملك فرعاً في دبي، وما أدراك ما دبي! المعلومات الشحيحة المتاحة تقول إن فرع الإمارات تم إنشاؤه ليكون “نافذة إقليمية ومقراً لتطوير الشراكات والاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، للاستفادة من البنية التحتية هناك لإدارة الهوية الرقمية والخدمات السحابية”. وبناءً على هذه السردية، فإن جذورهم البرمجية بدأت من السودان أولاً، ثم تمددت صوب الخليج لاحقاً، أو ربما العكس، فهذا يحتاج إلى بيان جديد “يجلي النظر يا صاحي”.
هنا يثور سؤال بليغ: متى تم افتتاح فرع دبي؟ ولماذا لم يقيموا له حفلاً صاخباً هناك، كما حدث في بورتسودان حيث غطت فلاشات الكاميرات على ملامح المدينة الساحلية؟ أما صفحتهم على منصة “فيسبوك” فقد تأسست فجأة في مارس 2025، ما يعني أنها دُشنت لتتولى الدعاية والترويج لنشاط ضخم يلوح في الأفق بعد الحصول على رخصة البنك المركزي. والملاحظة الأخرى الجديرة بالالتقاط والتحليل، هي أن الشركة، وفي وقت قياسي يثير الريبة، وقعت اتفاقيات شراكة مع بنك العمال الوطني، مصرف السلام، ومذكرة تفاهم مع مصرف البلد، وشراكة رقمية مع بنك التضامن الإسلامي، بالإضافة إلى بنك “أن بوكس” في الجارة الشمالية، لتطوير منظومة المدفوعات الرقمية في السودان!
كل هذا الصعود الصاروخي، ولا توجد حتى الآن معلومات وافية حول “العسجد”. مَن هو رئيس مجلس الإدارة الحقيقي؟ وبأي مال نهضت؟ فلا يعقل عقلاً ولا منطقاً أن تكون السيدة عسجد يحيى الكاظم، هي الرئيس التنفيذي، والمدير العام، والمالك الأوحد لشركة (ASD). مَن هم بقية الشركاء المتوارين خلف الستار؟ ولماذا لم يظهروا في الصورة؟ والأهم من ذلك كله: أين سيتم استضافة بيانات المعاملات المالية الحساسة للسودانيين؟ هل ستبقى داخل حدود الوطن وحصونه الأمنية، أم ستُرفع على حسابات وسيرفرات رقمية خارجية؟ خصوصاً وأن فرع دبي أُسس خصيصاً لإدارة “الهوية الرقمية والخدمات السحابية”، كما ورد في تعريفه على الشبكة العنكبوتية، ما يضع الأمن القومي للبلاد على المحك.
لنحبس الأنفاس يا سادة.. فأثناء نبشي في أطلال إمبراطورية “آل دقلو” المنهارة، عثرتُ على اسم شركة للمباني الجاهزة تُدعى (سوميكس)، كان مقرها قبيل الحرب في شارع الستين الخرطومي، تلك الشركة كانت مملوكة سابقاً لمواطن تركي يُدعى (بولنتي) تقريباً، لكنها آلت لاحقاً إلى شركاء جدد عبر عقود وتنازلات سريّة لم تُسجل في دفاتر المسجل التجاري، حيث استحوذ “حميدتي” على 70% من أسهمها، بينما ذهبت الـ 30% المتبقية لشخص يُدعى (أيمن).
المفاجأة الصاعقة هنا، هي أن المدير العام لشركة (سوميكس) لم تكن سوى امرأة تُدعى “عسجد يحيى”! لنفترض أنها إمرأة أخرى، حتى يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وقد كان أول عمل تولته هذه الشركة هو “تسكين” قوات آل دقلو في قطعة أرض تقع شمال برج الدعم السريع، شيدوا فيها مباني جاهزة. لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما طلب “حميدتي” شخصياً من الشركة تجهيز “كرفانات” وتشييد مبانٍ وعنابر وتوريد سراير ومراتب لتسكين 300 ألف عسكري في معسكرات (قري، جبل سركاب، ومعسكر شريان الشمال الكيلو 40). ليس هذا فحسب، طموح الجنرال تمدد لطلب تشييد 5000 بيت جاهز يتم استيرادها من تركيا لتوطين أهله وعشيرته في منطقة (الزرق) بشمال دارفور، والتي أصبحت قاعدة انطلقت منها الحرب ضد الخرطوم والجزيرة.. ولتمويل المرحلة الأولى 500 بيت، قام حميدتي بتغذية حساب “مصنع رهف للمواد الغذائية” ببنك الخليج – المملوك للشريك الثاني (أيمن) – بمبلغ 13 مليون دولار، وكانت تعادل وقتها نحو 7.5 تريليون جنيه سوداني تقريباً.
السيدة عسجد، التي عُينت مديراً لشركة “سوميكس” مطلع عام 2023، كانت قبلها موظفة بسيطة بالبنك السعودي، وفجأة، سافرت إلى الخارج لتتعاقد على الـ 500 بيت التركي، وتتولى الإشراف المباشر على العمل داخل معسكرات قوات حميدتي حتى اندلاع حرب 15 أبريل. فيما تم دفع مبلغ 6 ملايين دولار كمقدم للمصانع في تركيا، وتأسست شركة نقل بري باسم الشريك الثاني لحميدتي (صاحب الـ 30%).
في خط متوازٍ يربط المال بالسياسة ومحاور الإقليم، تشير المعلومات إلى أن مديرة الشركة أهدت طقم ذهب فاخر ومرصع لصديق نجل الجنرال الليبي، المتحالف مع المليشيا، ليقدمه لزوجته كعربون مودة وشراكة تحت الطاولة.
لكن خطباً ما حدث خلف الكواليس، قلب الموازين، وأربك حسابات “بنت الجدل” ومن يقفون خلفها.. تفاصيل خطيرة ومثيرة، تكشف عن تطورات القضية يشيب لها ليل الخرطوم الطويل المُعتم بلا كهرباء، سوف نتطرق إليها بشيء من التفصيل في الحلقة القادمة.. فانتظرونا.