حملة مكافحة الفساد في العراق.. إصلاح حقيقي أم تصفية حسابات؟

حملة مكافحة الفساد في العراق.. إصلاح حقيقي أم تصفية حسابات؟

Loading

ماذا بعد “صوله الفجر” في العراق؟

تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل مكافحة الفساد في العراق، باعتباره منظومة معقدة تتداخل فيها السلطة بالمال والنفوذ، وفق توصيف عدد من الخبراء.

وتطرح التحركات القضائية والأمنية الأخيرة سؤالين رئيسيين:

  • هل يقف العراق أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها سيادة القانون وتعزيز مؤسسات الدولة؟

  • أم أنها جولة جديدة ضمن صراع مراكز القوى داخل النظام السياسي؟

في المقابل، يبقى الرهان على موقف الشارع العراقي، ومدى اقتناعه بأن هذه الإجراءات تمثل تحولاً حقيقيًا لا حملة عابرة. فالثقة، في نظر كثيرين، لا تُقاس فقط بالدعم السياسي أو البرلماني، وإنما بقدرة الحكومة على كسب ثقة المواطنين، خاصة في ظل تجارب متعاقبة شهدت تراجعاً في الثقة بالمؤسسات العامة.

وترافق الحملة الحالية إجراءات أمنية واسعة، شملت انتشار قوات وآليات متخصصة في تنفيذ أوامر القبض وملاحقة المتهمين بقضايا فساد. وبينما يصفها البعض بأنها استعراض للقوة، يرى آخرون أنها تعكس محاولة لاستعادة هيبة الدولة وفرض سيادة القانون.

ويذهب البعض إلى أن الفساد بات يمثل التحدي الأبرز أمام الدولة العراقية، بعدما تجاوز كونه مخالفات مالية أو إدارية، ليتحول إلى شبكة مصالح تحظى في بعض الحالات بغطاء سياسي، ما أدى إلى ترسيخ أنماط من التوظيف والمحاصصة تقوم على الولاء أكثر من الكفاءة، وأسهم في إعادة إنتاج المال السياسي وشبكات النفوذ.


بداية مختلفة أم تكرار للتجارب السابقة؟

وفي مقابلة ضمن برنامج “حوارات العربي”، قدّم الخبير في قضايا الفساد سعيد ياسين قراءة للوضع الحالي، متناولًا مؤشرات الحملة الجارية، وأبرز التحديات البنيوية التي تواجه مكافحة الفساد في البلاد.

وقال ياسين إن ما يجري حاليًا “قد يمثل بداية حقيقية لتعزيز سيادة القانون وتطبيق العدالة دون محاباة”، معبّرًا عن أمله في أن تكون البلاد “أمام مرحلة دولة رشيدة وحكم رشيد بعد سنوات طويلة من التعثر”.

لكنّه شدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم التعامل مع ما يحدث بوصفه إنجازًا نهائيًا، بل كمسار يجب أن يستمر ويتوسع، محذرًا من أن يتحول إلى “خطوة دعائية سرعان ما تتوقف”.

وعن سؤال حول ما يميز هذه المرحلة عن حملات ما بعد 2003، أوضح ياسين أن الجديد يتمثل في “تكامل الأدوار بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إضافة إلى الهيئات الرقابية”، معتبرًا أن مكافحة الفساد “ليست جهدًا منفردًا بل منظومة متكاملة”.

وأضاف أن هناك مؤشرات على تشديد في ملف رفع الحصانات وتعزيز إجراءات إنفاذ القانون، إلى جانب تقدم في تحقيقات هيئة النزاهة، وهو ما وصفه بأنه “تطور لافت في أدوات الدولة الرقابية”.

الأموال المهرّبة وتشديد الرقابة المالية

وفي ما يتعلق بالوضع المالي، أشار ياسين إلى أن العراق يشهد تشديدًا متزايدًا في الرقابة على التحويلات المالية ومكافحة غسل الأموال، بالتوازي مع إجراءات تتعلق بالعقارات والرقابة المصرفية.

وقال إن هذه الإجراءات، التي جرى تعزيزها بالتعاون مع جهات دولية، “حدّت من قدرة تهريب الأموال كما كان يحدث سابقًا”، لكنها في المقابل أدت إلى “تكدّس جزء من الأموال داخل البلاد بدلاً من خروجها”.

شبكات الفساد داخل الدولة

وحول تمركز الفساد، أوضح ياسين أن الإشكال الأساسي يكمن داخل بنية الدولة نفسها، خصوصًا في ملفات العقود والمشتريات الحكومية.

وأضاف أن هناك ما وصفه بـ”اقتصاد موازٍ” تديره شبكات نفوذ مختلفة، وأن توزيع الموارد أحيانًا يتم وفق اعتبارات سياسية لا مهنية، ما يخلق اختلالات واسعة في إدارة المال العام.

كما أشار إلى ظهور ما سماه “الفساد المسلح”، معتبرًا أنه يشكل أحد أبرز التحديات أمام الاستثمار والاستقرار الاقتصادي.



مطالبات كثيرة في العراق لإحداث تغيير سياسي ومكافحة الفساد – غيتي/ أرشيف

بين الاسترداد والوقاية

وفي ملف “سرقة الأمانات الضريبية”، أكد ياسين أن القضية لا تزال مفتوحة قضائيًا رغم مرور سنوات على تفجرها، مشيرًا إلى أن حجم الأموال المسروقة يُقدّر بنحو 12 مليار دولار، بينما ما تم استرداده حتى الآن “لا يزال محدودًا”.

وأوضح أن تعقيد القضية يعود إلى اتساع شبكة المتورطين وتشابكها، مؤكدًا أن العمل جارٍ على تتبع الأموال داخل العراق وخارجه.

وشدد الخبير العراقي على أن استعادة الأموال وحدها لا تكفي، بل يجب التركيز على الجانب الوقائي لمنع تكرار الجرائم المالية.

واعتبر أن “المفتاح الأساسي” يتمثل في ترسيخ سيادة القانون وتطوير أدوات الرقابة، إلى جانب إصلاح آليات التمويل السياسي وتعزيز الشفافية، بما قد ينعكس على نزاهة العملية الانتخابية مستقبلًا.

ويرى ياسين أن المرحلة الحالية ما زالت اختبارًا لإرادة الدولة العراقية في مواجهة الفساد، وأن نجاحها يتوقف على استمرار التنسيق بين المؤسسات، وعدم السماح بتراجع الزخم الحالي، وصولًا إلى إصلاحات أعمق تمس بنية النظام الإداري والمالي.


تناقش الحلقة الجديدة من برنامج “حوارات العربي” في نافذة من بغداد تقدمها منة ظاهر؛ مسألة إطلاق الحكومة العراقية حملة لمكافحة الفساد، وتسأل الحلقة عن أسباب تأخر هذه الخطوة.

تداخل السلطات وصناعة القرار خارج الأطر الرسمية

من جانبه، قدّم أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد إياد العنبر قراءة تحليلية للمشهد، متناولًا طبيعة النظام السياسي، وتحديات الاستثمار، وتحولات المشهد الإقليمي والدولي المرتبط بالعراق.

وقال العنبر إن أي خطوة لمكافحة الفساد تأتي ضمن “تراكم طويل ومعقد”، مشيرًا إلى أن النظام السياسي في العراق يقوم على تداخل السلطات، ووجود تأثيرات سياسية خارج الأطر الرسمية.

وأوضح أن كثيرًا من القرارات “تُطبخ ضمن صفقات بين قوى سياسية متعددة”، وأن عددًا من الفاعلين المؤثرين في القرار السياسي “ليسوا بالضرورة جزءًا من العملية الانتخابية”، ما جعل هذا النمط يتحول إلى “عرف سياسي مستقر”.

وأضاف أن الحكومات المتعاقبة تبدأ عادةً بمرحلة من الشك، نظرًا لطبيعة هذا التشابك في مراكز النفوذ.

الموثوقية والاستثمار وتحديات السلاح

وفي ما يتعلق بقدرة العراق على استعادة ثقة المستثمرين، أكد العنبر أن “الموثوقية في إجراءات الدولة” تمثل مشكلة جوهرية، إذ تتردد الشركات بسبب وجود صفقات غير رسمية ووسطاء سياسيين يعقدون بيئة الاستثمار.

وأشار إلى أن ملف السلاح يشكل عاملًا إضافيًا في زيادة المخاطر، لافتًا إلى أن بعض المشاريع الاقتصادية تضررت في فترات سابقة بسبب تحوّل مناطق إلى ساحات صراع، ما انعكس سلبًا على البنية التحتية والطاقة وصورة الدولة.

الفساد بين الدولة والاقتصاد الريعي

ويرى العنبر أن هناك إشكالية في تعريف الفساد داخل البيئة السياسية العراقية، موضحًا أن بعض الأطراف لا تنظر إليه كفساد بالمعنى التقليدي، بل كـ”حصة” ضمن نظام تقاسم الاقتصاد الريعي بعد عام 2003.



رافقت الحملة إجراءات أمنية، شملت انتشار قوات متخصصة في ملاحقة المتهمين بقضايا فساد – غيتي 

وبيّن أن الجهة التي تسيطر على وزارة ما تتعامل مع مواردها بوصفها جزءًا من نفوذ اقتصادي، حتى لو شاب العقود غياب الشفافية، الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى تعطيل مؤسسات حكومية وتحويلها إلى بوابات اقتصادية مغلقة.

كما أشار إلى توسع نماذج الاستثمار والرسوم في بعض القطاعات الخدمية، معتبرًا أن ذلك يعكس “تضخمًا في الاقتصاد الموازي داخل الدولة”، وأن منطق “تقاسم الغنيمة” بات يحكم جزءًا من إدارة الموارد.

الحملة الأمنية وتراجع عنصر المفاجأة

وحول الحملة الجارية ضد الفساد، قال العنبر إن عنصر المفاجأة “تراجع نسبيًا”، بعدما أصبح هناك إدراك بوجود استهداف فعلي، ما قد يدفع بعض المتهمين إلى تغيير أساليب إخفاء الأموال.

لكنه أشار في المقابل إلى استمرار الضغط الشعبي والدعم النخبوي، وهو ما قد يمنح الحملة زخمًا إضافيًا رغم محاولات التشكيك بها من أطراف متضررة.

وفي ما يتعلق بزيارة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة، اعتبر العنبر أنها تمثل أول زيارة خارجية مهمة بعد التكليف، وتأتي في إطار دعم سياسي واضح من واشنطن.

وأوضح أن هذه الزيارات تاريخيًا كانت تشكل محطة لتثبيت الدعم الدولي للحكومات العراقية، مشيرًا إلى أن التوقيت يرتبط بسياق العلاقات الاستراتيجية والتحديات الداخلية في البلاد.

وأضاف أن التحول في ترتيب الزيارات الإقليمية والدولية يعكس تغيرًا في التموضع السياسي، في ظل إدراك بأن الولايات المتحدة تعيد صياغة حضورها في العراق من وجود عسكري إلى حضور سياسي واقتصادي.

كما لفت إلى أن الإجراءات المرتبطة بضبط تهريب الدولار والمنافذ المالية تأتي ضمن هذا التحول، حيث باتت الأموال أكثر رقابة داخل العراق نتيجة صعوبة تهريبها كما في السابق.

نحو إعادة تعريف مفهوم الفساد

وفي ملف استرداد الأموال والأصول من الخارج، أوضح العنبر أن هناك تنسيقًا دوليًا واضحًا، لكن النتائج ما زالت بطيئة بسبب البيروقراطية وضعف الإجراءات.

وأشار إلى أن بعض القوانين، ومنها قانون العفو العام، سمحت في بعض الحالات بتسويات قانونية استفاد منها متورطون جزئياً، ما خلق ثغرات تحتاج إلى مراجعة.

وشدد على ضرورة إعادة تقييم شاملة لملفات الاستثمار والعقود والاستثناءات السابقة، وتعزيز الرقابة على المنافذ المالية، خاصة في الموازنات المقبلة.

وفي ختام حديثه، أكد العنبر أن “الفساد أصبح الأصل في بعض الحالات، والنزاهة هي الاستثناء”، معتبرًا أن هذا التحول يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة.

وأشار إلى أن تفكيك ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” يتطلب معالجة شبكات المال والسلاح والفساد بشكل متزامن، وإعادة بناء الثقة بصورة تدريجية داخل المجتمع والمؤسسات.


“ضربة أولى” في مواجهة منظومة الفساد

من جهته، قدّم أستاذ الصحافة الاستقصائية في الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد الدكتور غالب الدعمي قراءة تفصيلية للمشهد، متناولاً مسار الحملة، ودور القضاء، ومستقبل استرداد الأموال، وإمكانات الإصلاح السياسي.

وقال الدعمي إن ما يجري حاليًا يمكن وصفه بأنه “أول ضربة من دولة النزاهة إلى دولة الفساد”، معتبرًا أنها ضربة مؤثرة أثارت ردود فعل من أطراف متضررة من الإجراءات الجارية.

وأضاف أن هذه الخطوات تمثل بداية إيجابية لمسار طويل في مكافحة الفساد وتعزيز ثقافة النزاهة، خاصة في ظل وجود دعم شعبي ودولي، مؤكدًا أن هذا المسار “لن يتوقف”.

القضاء والتكامل المؤسسي

وفي ما يتعلق بقدرة القضاء العراقي على تفكيك شبكات الفساد، أشار الدعمي إلى أن التجارب الدولية، ومنها التجربة الإيطالية، أثبتت أن القضاء هو العنصر الحاسم في مواجهة ما وصفه بـ”دولة فساد موازية”.

وأوضح أن المرحلة الحالية تتميز بوجود تنسيق بين ثلاثة أطراف رئيسية: القضاء، والإرادة السياسية، وهيئة النزاهة، وهو ما اعتبره “تكاملاً نادرًا في السياق العراقي”.

وأشار إلى أن هذا التنسيق انعكس على سرعة تنفيذ بعض القرارات مقارنة بالماضي، بعد أن كانت العمليات تتعطل أحيانًا بسبب ضعف التنسيق أو تسريب المعلومات.

مؤشرات المرحلة المقبلة

وبشأن تقييم نجاح الحملة، أشار الدعمي إلى وجود مؤشرات مهمة، من بينها العمل على استرجاع نحو 954 متهمًا هاربًا، إضافة إلى حجز جزء من أموالهم داخل العراق.

كما تحدث عن وجود 262 طلب مساعدة قانونية دولية تتعلق بمتهمين داخل العراق وخارجه، لافتًا إلى أن هيئة النزاهة باتت ضمن منظومة التعاون مع الإنتربول، فيما تتولى وزارتا العدل والخارجية أدواراً قانونية وتنسيقية.

وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا على ملفات نوعية أكثر تعقيدًا، استنادًا إلى نتائج التحقيقات والاعترافات السابقة.



الفساد بات يمثل التحدي الأبرز أمام الدولة العراقية – غيتي/ أرشيف

الفساد والسلاح وإعادة بناء الدولة

وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الفساد والسلاح، رأى الدعمي أن العراق مقبل على مرحلة “إعادة بناء الدولة أو جزء منها”، مشيرًا إلى أن تفكيك هذه الشبكات يحتاج إلى وقت قد يصل إلى ثلاث سنوات على الأقل.

وأوضح أن بعض القوى التي تمتلك نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة تُعلن دعمها لمكافحة الفساد، لكنها في الوقت نفسه تضع “خطوطًا حمراء” لا يمكن تجاوزها، ما يعكس وجود توازنات معقدة داخل النظام السياسي.

كما أشار إلى أن الانتقادات الموجهة للحكومة تركز غالبًا على الجوانب الإجرائية والحقوقية، دون رفض صريح لمبدأ مكافحة الفساد، وهو ما وصفه بوجود “مواقف مزدوجة لدى بعض الأطراف”.

وفي ملف استرداد الأموال، كشف الدعمي عن وجود أكثر من 100 ألف عقار مرتبط بملفات فساد داخل العراق وخارجه، مرجحاً إمكانية استرداد آلاف العقارات خلال السنوات المقبلة في حال استمرار التحقيقات.

وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من الملفات لا يزال قيد التدقيق، بما في ذلك قضايا في دول مثل تركيا ودول أوروبية، بالتوازي مع تطور أدوات كشف الذمم المالية بعد تعديل قانون هيئة النزاهة.

“سرقة القرن” والانتخابات المقبلة

وأكد الدعمي أن قضية “سرقة القرن” ما زالت مفتوحة، وأن التحقيقات مستمرة رغم محدودية ما تم استرداده مقارنة بحجم الأموال الكلي.

وفي ما يتعلق بالاستحقاقات الانتخابية، توقع أن تكون الانتخابات المقبلة أقل فسادًا من سابقاتها، دون أن تكون خالية منه بالكامل، في ظل استمرار التحديات البنيوية داخل النظام السياسي.

ويرى الدعمي أن مسار مكافحة الفساد في العراق دخل مرحلة أكثر جدية وتنظيمًا، لكنه ما يزال يواجه تحديات تتعلق بتوازنات القوى والنفوذ السياسي، مؤكدًا أن نجاحه يتوقف على استمرار التنسيق بين القضاء والسلطة التنفيذية وهيئة النزاهة، وقدرة الدولة على تقليص نفوذ شبكات المال والسلاح تدريجيًا.