مواسم؟ يا لها من مواسم

مواسم؟ يا لها من مواسم

Loading

كان أبي مجرد أن يدب دبيب الدميرة تجاه القيف الأعلى يتهيأ حوليا وينصب شادوفا بهمة وهو إن اعتزم فعل.
الشادوف سبق الساقية في استخدام إنسان الشمال وهو أداة ري فردية تغرف صفيحة الماء وتسمو برافعة طرفها جلمود صخر يعلو ويهبط بجهد الإنسان ويتصل عمله حتى ينحسر النهر.
خلال تلك الفترة كان أبي يزرع أحواضا صغيرة ملوخية ورجلة وبامية وبصلا وفي بطنها يغرس شتلة نخل تمتد جذورها ويورق جريدها حتى ارتداد النهر. واستخدم الطنبور وهو على شكل حلزوني في أراضي مصر الواطئة.
أما أمي فكان ما يليها جني الخضار وتعطي منه جاراتها وتحفظ ما يفيض جافا لحين الحاجة.
كان آباؤنا يزرعون المحاصيل الرئيسة  جنوبا ..  بسعدنكورتى قبلي ودلقو لعجز مياه مشروع دلقو الكبرى المشترك عن بلوغ حلتنا البعيدة والذئب يأكل من الغنم القاصية حتى أنشأوا مشروعا خاصا.
زمنئذ كان مدى القرير المتقلب كل فترة في مجمل نواحينا محدودا يزرع فيه اللوبيا علفا وقدر من الخضار ليمتد مدى هائل من الرمال يكاد يقارب الضفة المقابلة، فيزرع ترمسا وبعض العجور والخيار والخضار ويجلب السماد الحيواني لتخصيبها ” الماروق” على ظهر الدواب في عناء من حظائر البهايم وسط الحلة.
كان الترمس ينقل للحلة حين يستوي فتفصل ثماره، التي تباع بالجوالات للتجار ولا تخلو منه صينية فطور رمضان وكان عائده ذا قيمة اقتصادية لمزارعينا، أما أعواده فينسج منها  الصريف أي  ” السلتيق ” لتعريش الغرف، خاصة المطبخ ” التكل” وتشييد رواكيب الأبقار. وكانت الأسرة بأسرها تسهم في دق سيقانه لفصل الثمار عنها في جماعية.
أرى من المجدي إعادة زراعة الترمس مجددا لكن في التروس العليا فهو مطلوب سوقيا ولا يحتاج لسماد وإزالة طفيليات وعناية فائقة.
حديثا سجل البوص الآتي من أعالي النيل وهو أرق من القصب حضورا في الضفاف مجددا، الذي كان يستخدمه آباؤنا في طوف العوم خلال الدميرة وهو يدخل في بعض الصناعات
اليدوية كالسلال، إن أحسنا استثماره أبقيناه كصريف مثلا وإلا يجتث قبل استفحاله في أخصب أراضينا.
كان أفعل أسلوب في فلاحة عمليات الأرض والحصاد التساند الجمعي، العائلي أو الأوسع .. لمات حش التمر مثالا، وفي حصاد المحاصيل الفلاحية يتنادى الناس وترتفع الهمة بترديد. أهازيج طروبة ” يا الله، يا الله “، وقد ينتظم الجمع على صفين متقابلين ينهالون على المحصول بجرايد نخل غليظة في تراتيبية محببة لدرس المحصول أي فصل الثمار عن السيقان وقد يستعان بالدواب الذي يظل دائرا في اصطفاف دائري حتى تنجز المهمة في أيام متتابعة، وكانت الحمير الأبطأ الأبدن توضع قرب الأسطوانة مركز الدائرة فيما يستعان بالأخف الأضمر في الأطراف وكان دفعها من واجباتنا كصبية، نلهو فيه مرة ونجبر مرات.
بعد إنجاز درس المحصول يأتي إسهام أمهاتنا ودور المرأة في كل المراحل تشاركي فتعسكر مجموعتهن في البيدر ” دار ” موقع جمع المحصول ودرسه أياما وقد يقضين الليل بطوله في التذرية بالأطباق، مهتبلات رخاوة الهواء ليلا مرددات ” يا الله هبوبك” حتى يحل دور التعبئة، ثم ظهرت ” الدراية ” الشبيهة بمكنسة اليد الطويلة فأراحت، وعند كل محصول للمشاركات والعفيفات عن السؤال سهم، وفيما مضى كان لمن يسدون خدمات جليلة للمجتمع نصيب مثل شيخ الخلوة والمراكبي والحداد.
ولا يخلو أي عمل زراعي من طرائف تنشط الخمول وترسم البسمة.
مرة كنت وأبي منهمكين في درس قمح بالحمير، وكان أبي قد تعجل شيئا في حصاده اتقاء شراهة الطيور،  التي تكالبت عليه إذ كان مزروعا في الجروف دون جوار  فبدا تحت حوافر الحمير يزاحم الاخضرار صفاره الذهبي المعتاد.
أقبل الظريف نصر الله من دلقو فألقى التحية واستند إلى حماره متأملا فسأله أبي:  ” القمح ” بتاعنا كيف يا نصر الله؟
فقال ممازحا، متهكما بطيبته المعهودة، التي يشوبها الذكاء وبعض الدهاء:
” التبن ” حيترادم!
فتضاحكنا وصدق!
لقد كان جيل آبائنا حقا عالما رائعا مزدانا بالعطاء، مموسقا بالبهاء!
ترى هل ينجح الجيل الناشئ في مساواتهم بذلا ونبلا رغم الأعاصير التي تزأر تحت أقدامهم وتعوي؟!