![]()
تستعدّ أنقرة لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” يومي 7 و8 يوليو/ تموز الجاري، في لقاء يُنظر إليه بوصفه اختبارًا جديدًا لتماسك الحلف، وسط خلافات متصاعدة بين ضفتي الأطلسي حول الإنفاق الدفاعي، وتقاسم الأعباء، ومستقبل الالتزام الأميركي بأمن أوروبا.
وتأتي القمة في ظل مسار متسارع لإعادة تقييم الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، في انعكاس لتحوّل أوسع في أولويات واشنطن، التي باتت تمنح مواجهة الصين موقعًا أكثر تقدّمًا في حساباتها الاستراتيجية، وتدفع الأوروبيين إلى تحمّل قسط أكبر من كلفة الدفاع عن أنفسهم بعد ثمانية عقود من الاعتماد الواسع على المظلة الأميركية.
حرب أوكرانيا تعيد رسم الخريطة الأمنية
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رسّخت الولايات المتحدة وجودها العسكري في أوروبا باعتباره أحد أعمدة الأمن الغربي. وقد بلغ هذا الحضور ذروته في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين تمركز مئات الآلاف من الجنود الأميركيين في الجانب الغربي من القارة، مشكّلين خط الدفاع الأول في مواجهة الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو خلال الحرب الباردة.
ومع تفكّك الاتحاد السوفيتي، تراجع هذا الوجود تدريجيًا إلى عشرات الآلاف، قبل أن تعيد الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022 فتح السؤال الأمني الأوروبي من جديد، وتدفع واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري في القارة، ولا سيما على الجبهة الشرقية للحلف.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن عدد القوات الأميركية المرابطة بصفة دائمة في أوروبا يدور حول 68 ألف عسكري، فيما يرتفع العدد عند احتساب القوات الدورية والانتشار المؤقت إلى ما بين 80 و100 ألف عنصر، تبعًا لطبيعة المهام والتمارين العسكرية.
أين تنتشر القوات الأميركية؟
جغرافيًا، يمتد الانتشار الأميركي في أوروبا عبر شبكة واسعة من القواعد والمواقع العسكرية. فالقوات الأميركية موزّعة على عشرات المواقع، بينها 31 قاعدة دائمة و19 موقعًا إضافيًا يملك البنتاغون حق الوصول إليها.
وتبقى ألمانيا مركز الثقل الأبرز في هذا الانتشار، إذ تستضيف نحو 36 إلى 37 ألف عسكري أميركي، تليها إيطاليا عبر قواعد ومرافق عسكرية في فيتشنتسا وأفيانو ونابولي وصقلية، ثم بريطانيا التي تضم نحو 10 آلاف عسكري أميركي، معظمهم من سلاح الجو.
وتحظى قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا بأهمية خاصة، إذ تُعدّ المقر الرئيسي للقوات الجوية الأميركية في أوروبا وأحد أبرز مراكز القيادة والاتصال والدعم اللوجستي. أما محطة روتا البحرية في إسبانيا، فتشكّل بدورها مركزًا مهمًا للانتشار البحري الأميركي والأطلسي، ولا سيما في مهام الدفاع الصاروخي والتحرك السريع بين المتوسط والأطلسي.
كيف تتنوّع مهام القوات الأميركية؟
لا يقتصر الدور الأميركي في أوروبا على الوجود الرمزي أو الحماية التقليدية، بل يتوزّع بين الدفاع المتقدّم، والدعم اللوجستي، وتدريب القوات الحليفة، وتنسيق العمليات تحت مظلة القيادة الأميركية الأوروبية المعروفة باسم “يوكوم“.
ويبرز البعد النووي بوصفه أحد أكثر عناصر هذا الوجود حساسية. ففي إطار ترتيبات المشاركة النووية داخل الناتو، يُعتقد أن قاعدة بوخل الألمانية تستضيف عددًا من القنابل النووية الأميركية من طراز “بي 61″، ضمن منظومة ردع أطلسية تتولى واشنطن فيها الحفظ والسيطرة، بينما تشارك بعض الدول الأوروبية في مهام النقل والإيصال عند الضرورة.
إلى جانب ذلك، تشارك القوات الأميركية في برامج تدريب واسعة مع جيوش أوروبية، كما أدّت القواعد الأميركية في ألمانيا وبولندا ورومانيا ودول أخرى دورًا مهمًا في دعم أوكرانيا، سواء عبر التدريب أو الإمداد أو تنسيق المساعدات العسكرية.
كيف تأثرت خريطة التموضع في عهد ترمب؟
بقيت هذه الخريطة قائمة لعقود بوصفها ترجمة عملية للالتزام الأميركي بأمن أوروبا، إلى أن جاءت الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترمب بمنطق أكثر صدامية تجاه الحلفاء الأوروبيين.
مع هذه الإدارة، لم يعد التشكيك في التزامات الناتو مجرد خطاب انتخابي أو ضغط تفاوضي لرفع الإنفاق الدفاعي، بل بدأ يتحول إلى قرارات وإشارات عملية.
في مطلع مايو، أعلن البنتاغون سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا خلال فترة تمتد بين ستة أشهر وعام، في خطوة أعادت النقاش حول ما إذا كانت واشنطن تتجه إلى تقليص حضورها الأوروبي إلى مستويات ما قبل الحرب الروسية على أوكرانيا.
وبعد ذلك، برزت قرارات وخطط إضافية تتصل بتقليص عدد كتائب القتال الأميركية المخصصة لأوروبا، وخفض بعض القدرات الجوية والبحرية المتاحة للحلف في حال اندلاع أزمة كبرى.
ومع أن الإدارة الأميركية تصف هذه الإجراءات بأنها جزء من مراجعة أوسع للتموضع العسكري، فإنها تُقرأ أوروبيًا بوصفها رسالة واضحة: لم تعد واشنطن مستعدة لتحمّل العبء الأكبر من الدفاع عن القارة.
وتمزج هذه المقاربة بين الامتعاض من الاتكال الأوروبي على واشنطن، والرغبة في تحويل القدرات الأميركية نحو المحيطين الهندي والهادئ.
وبموجب هذا التصور، يُفترض أن تتحمّل أوروبا مسؤولية أكبر في الحروب البرية والدفاع التقليدي، على أن تبقى المظلة النووية الأميركية الضمانة الأخيرة التي تمنع انزلاق القارة إلى مواجهة شاملة مع روسيا.
كيف ردّت دول الناتو؟
دفعت هذه التحولات دول الناتو إلى تسريع إنفاقها الدفاعي بدرجة غير مسبوقة. فقد تجاوزت جميع دول الحلف، وفق بيانات الناتو، عتبة 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، بعد سنوات طويلة من التعثر والتباطؤ.
وفي مؤشر لافت على هذا التحول، تجاوزت النرويج الولايات المتحدة، وللمرة الأولى في تاريخ الحلف الموثق، في الإنفاق الدفاعي للفرد، مستفيدة من دخلها المرتفع وحاجتها المتزايدة إلى تعزيز قدراتها في القطب الشمالي وشمال الأطلسي.
لكن التحول الأهم جاء في قمة لاهاي عام 2025، حين تعهّد الحلفاء بالوصول إلى إنفاق دفاعي وأمني يعادل 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ولا يقتصر هذا الرقم على الإنفاق العسكري المباشر، إذ يتوزع بين 3.5 في المئة للإنفاق الدفاعي الأساسي، و1.5 في المئة للاستثمارات المرتبطة بالأمن، مثل البنية التحتية، والصناعات الدفاعية، والحماية السيبرانية، والجاهزية المدنية.
مع ذلك، لا تكفي الأرقام وحدها لملء الفراغ المحتمل. فالصناعات الدفاعية الأوروبية لا تزال تعاني من فجوات في الإنتاج، وسلاسل التوريد، والذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي، والقدرات بعيدة المدى. لذلك، يبقى السؤال الأهم:
هل تستطيع أوروبا تحويل الإنفاق المعلن إلى قوة فعلية قبل أن يتراجع الحضور الأميركي بوتيرة أسرع من قدرتها على التعويض؟
لهذا السبب، تبدو قمة أنقرة اختبارًا سياسيًا وعسكريًا لمرحلة جديدة من تاريخ الحلف. فهي القمة الأولى التي تُعقد بعد سلسلة قرارات أميركية أعادت فتح النقاش حول مستقبل الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا، كما أنها تأتي بعد تعهّدات لاهاي الكبيرة التي رفعت سقف الإنفاق الدفاعي إلى مستوى غير مسبوق.
أما اليوم، فتقف هذه المعادلة أمام امتحان صعب، بين ضغط المال، وحسابات الجغرافيا السياسية، وتحول البوصلة الأميركية تدريجيًا نحو آسيا.
