فصل الرياضة عن السياسة

فصل الرياضة عن السياسة

Loading

تقام اليوم الثلاثاء مباريات نصف النهائي لبطولة كأس العالم لكرة القدم، والعالم كله يحدق في المستطيل الأخضر، حيث يفترض أن تتحدث الأقدام بلغة المهارة، وأن يكون الحكم هو القانون، وأن تكون الرايات التي ترفرف في المدرجات عنوانًا للتنافس الشريف، لا ساحةً لتصفية الحسابات السياسية. غير أن السياسة، كعادتها، تجد دائمًا منفذًا إلى ملاعب الرياضة، فتسرق شيئًا من بهجتها، وتلقي بظلالها الثقيلة على رسالتها الإنسانية.

فقد أثار رئيس الوزراء الإسباني السابق جدلًا واسعًا عندما صرح بأن من يمثلون فرنسا في كأس العالم “ليسوا فرنسيين”، او شيئا من هذا، في إشارة إلى أصول عدد من لاعبي المنتخب. ولم يتأخر الرد من رئيس الوزراء الإسباني الحالي، الذي وصف التصريح بأنه يحمل نزعة عنصرية، مؤكدًا أن المواطنة لا تُقاس بلون البشرة، ولا بالأصل العرقي، ولا بالجغرافيا التي وُلد فيها الإنسان، وإنما بالانتماء الصادق والعطاء المخلص للوطن.

وفي الضفة الأخرى من مباراة الأرجنتين وبريطانيا، أعادت تصريحات وزير الخارجية الأرجنتيني السابق بشأن جزر الفوكلاند فتح جرح تاريخي لم يندمل، عندما أكد أن الجزر أرجنتينية وستظل كذلك، ليرد عليه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأن الفوكلاند بريطانية، وأن سكانها بريطانيون. كما ترددت أنباء عن طلب الأرجنتين من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) السماح لها بارتداء القميص الأزرق ذي الدلالة التاريخية، في استدعاء لرمزية حرب الثمانينيات، وكأن التاريخ أراد أن يزاحم كرة القدم في ملعبها. وبحسب ما نشرته قنوات فضائية وتقارير صحفية، امتدت ظلال السياسة إلى قرارات البطولة نفسها، إذ تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، لإعادة النظر في عقوبة الإيقاف التي تعرض لها اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون، مهاجم المنتخب الأمريكي وهدافه في البطولة، بعد حصوله على بطاقة حمراء. وتشير تلك التقارير إلى أن لجنة الانضباط في الفيفا علّقت عقوبة الإيقاف التلقائي، ووضعت اللاعب تحت المراقبة لمدة عام، مما أتاح له المشاركة في مباراة دور الستة عشر أمام بلجيكا. وقد أثار هذا القرار، وفقًا للتقارير ذاتها، موجة من الاعتراضات والاستياء داخل عدد من الاتحادات الأوروبية والاتحاد البلجيكي، باعتباره سابقة تمس استقلالية القرار الرياضي، حتى وإن ودع المنتخب الأمريكي البطولة لاحقًا.
والمفارقة التي لا تخلو من سخرية، أن الإدارة الأمريكية نفسها، التي قيل إنها سارعت إلى تذليل العقبات أمام أحد لاعبي منتخبها، كانت وفقًا لما تداولته وسائل إعلام وتقارير صحفية قد أسهمت في تعقيد مهمة المنتخب الإيراني منذ البداية. فقد تأخر منح عدد من أعضاء البعثة الإيرانية تأشيرات الدخول، ثم واجه المنتخب صعوبات لوجستية في الانتقال من المكسيك إلى الولايات المتحدة، حتى بدا وكأن الطريق إلى الملعب أصبح أشق من المباراة نفسها. وكأن السياسة لا تكتفي بمقاعد كبار الشخصيات في المدرجات، بل تصر على النزول إلى غرفة الملابس،والجلوس على مقاعد البدلاء، وربما المشاركة في المباراة نفسها! وهكذا عادت لتطل برأسها من نافذة التأشيرات مرة، ومن بوابة الإجراءات الإدارية مرة أخرى، وكأن الكرة لا تستطيع أن تتدحرج إلا بعد أن تمر على مكاتب السياسيين.

ومع ذلك، فإن ثمة فرقًا بين استغلال الرياضة لخدمة أجندات سياسية، وبين توظيفها لإيقاظ الضمير الإنساني.ويُحمد لمدرب منتخب مصر أنه رفع العلم الفلسطيني، في لفتة نبيلة ذكّر بها العالم بأن خلف صخب المدرجات وأهازيج الجماهير شعبًا في غزة يرزح تحت المأساة، وأن الفلسطينيين ما زالوا يواجهون حربًا قاسية ويطمحون إلى حقهم في الحياة والكرامة. لقد كانت رسالة إنسانية راقية، لم تستهدف خصمًا في الملعب، ولم تدعُ إلى خصومة بين الشعوب، وإنما خاطبت ضمير العالم، لتؤكد أن الرياضة تستطيع أن تكون صوتًا للإنسانية دون أن تتحول إلى أداة للاستقطاب السياسي.

إن هذه الوقائع جميعها تؤكد أن الرياضة كلما اقتربت من دهاليز السياسة فقدت شيئًا من براءتها، إلا إذا كان حضور القضايا العامة تعبيرًا عن قيمة إنسانية سامية، لا وسيلةً لإحياء النزاعات أو تحقيق المكاسب السياسية. فالرياضة خُلقت لتجمع ولا تفرق، ولتبني جسور المحبة بين الشعوب، لا أن تشيد متاريس الخلاف بينها. وكلما حافظت المؤسسات الرياضية على استقلالها ونزاهتها، بقيت الملاعب فضاءً للتنافس الشريف، لا ساحةً لتبادل الرسائل السياسية أو استدعاء صراعات الماضي. فالانتصارات الحقيقية ليست تلك التي تتحقق على لوحات النتائج فحسب، وإنما تلك التي تنتصر فيها القيم على المصالح، والعدالة على التحيز، والإنسانية على الانقسام، وتنتصر فيها الرياضة على السياسة.