![]()
في الحادي عشر من يوليو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للسكان، وهو يوم خُصص للتذكير بأن الإنسان هو محور التنمية، وأن الحق في الحياة الكريمة، والأمن، والتعليم، والصحة، والسكن، حقوق لا يجوز أن تُنتزع تحت أي ظرف.
غير أن هذه المناسبة الأممية تمثل مرٱة حية تعكس حياة الضنك التي يعيشها السودانيون حاليا، بعد مرور نحو ٤ سنوات على الهجوم التتري من مليشيات الدعم السريع على السكان العزل، وتشريدهم إلى دول الجوار في هروب جماعي القى بٱثار لن تمحى في المستقبل المنظور، وذاقوا الأمرين في دول اللجوء.
وبينما يناقش العالم معدلات النمو السكاني والهجرة والتنمية المستدامة، لا يزال ملايين السودانيين يعيشون معركة وجود، وتداعيات واحدة من أكبر مآسي النزوح والتهجير القسري في العصر الحديث. فقد أُجبر سكان العاصمة الخرطوم ومدن رئيسية أخرى على مغادرة منازلهم هربًا من القتل والتنكيل، بعد أن تحولت الأحياء السكنية إلى ساحات حرب، واحتضنت الأرض ٱلاف الشهداء رجالا ونساء واطفال. بينما تتطاير على شواطئ الأطلسي ملابسُ وأوراقُ الغرقى من بني السودان الهاربين الحالمين بالأمان في أوطانٍ جديدة.
تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن الحرب في السودان تسببت في نزوح ولجوء أكثر من 20 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، وهي من أكبر أزمات النزوح في العالم اليوم. ولم يكن هؤلاء أرقامًا في تقارير دولية، بل أسرًا فقدت بيوتها، وأطفالًا انقطعت بهم سبل التعليم، وشيوخًا حملوا ذكرياتهم ورحلوا دون أن يعرفوا متى يعودون. لقد تبدلت حياة أجيال كاملة بين ليلة وضحاها، في مشهد سيظل حاضرًا في الذاكرة الإنسانية.
في يوم السكان العالمي، لا ينبغي أن يقتصر الحديث على الإحصاءات والمؤشرات، بل يجب أن يمتد إلى الإنسان الذي فقد منزله وأمانه وحقه في حياة مستقرة. فالسكان ليسوا أرقامًا في جداول، وإنما وجوه، وقصص، وأحلام، ومستقبل.
إن مأساة السودانيين تستحق أن تبقى حاضرة في ضمير العالم، وأن تتحول إلى دافع حقيقي لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وضمان حق النازحين واللاجئين في العودة الآمنة والكريمة إلى ديارهم. فالتاريخ لا يخلد الحروب وحدها، بل يخلد أيضًا موقف الإنسانية منها، ويكتب للأجيال كيف وقف العالم، أو صمت، أمام واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إيلامًا في هذا القرن.