![]()
لم تقتصر زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى العاصمة الأميركية واشنطن على بحث العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن، بل أعادت إلى الواجهة ملفات مفصلية تتعلق بمستقبل الدولة العراقية، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، وطبيعة العلاقة مع الفصائل المسلحة، ومستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة، إلى جانب موقع العراق في التوازنات الإقليمية.
وجاءت هذه الملفات إلى صدارة المشهد عقب لقاء الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، في زيارة وصفها مراقبون بأنها قد تمثل نقطة تحول في مسار العلاقات العراقية الأميركية.
وكان الزيدي قد أعلن، الثلاثاء، أن زيارته إلى واشنطن تهدف إلى الإعلان عن شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة، فيما استقبله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، حيث نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) أن الرئيس الأميركي رحب به بحرارة، وقال للصحفيين: “نحن نحب العراق، وهذا الرجل سيمثل العراق خير تمثيل”.
“الزيارة تعيد تعريف الدولة العراقية”
وفي هذا الإطار، يرى أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية طالب محمد كريم أن زيارة الزيدي تمثل بداية مرحلة جديدة في إعادة تعريف الدولة العراقية بما يتناسب مع التحولات الإقليمية والمتغيرات الداخلية.
وفي حديث للتلفزيون العربي من بغداد، أوضح أن العراق يمتلك دستورًا ورؤية سياسية، لكنه لا يزال يفتقر إلى توافق وطني بشأن القرارات المصيرية، وهو ما انعكس على عدد من الملفات التي بقيت معلقة طوال السنوات الماضية.
وأضاف أن العراق يسعى اليوم إلى الانتقال من موقع المتلقي للتطورات الإقليمية إلى دور أكثر تأثيرًا، رغم أن المشروع الأميركي في المنطقة لا تزال ملامحه غير مكتملة.
وأشار كريم إلى أن مسؤولية تعثر التجربة العراقية لا تقع على الداخل وحده، بل تتحمل الولايات المتحدة جزءًا منها أيضًا، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تستوجب مراجعة شاملة للأخطاء قبل بناء شراكة جديدة يمكن أن تسهم في تعزيز الاقتصاد العراقي.
كما اعتبر أن نجاح الحكومة الحالية سينعكس إيجابًا على القوى السياسية الداعمة لها، بينما ستكون أي إخفاقات ذات انعكاسات واسعة على المشهد السياسي.
وفي الجانب الاقتصادي، تساءل كريم عن مدى استعداد الشركات الأميركية للدخول بقوة إلى السوق العراقية، معتبرًا أن النوايا وحدها لا تكفي في ظل غياب رؤية تنفيذية واضحة، مشيرًا إلى أن واشنطن باتت تركز بصورة أكبر على الاستثمار والاقتصاد أكثر من الملفات العسكرية والأمنية.
وأكد أن معالجة ملف السلاح تتطلب ثلاثة عناصر رئيسية، هي: التوافق السياسي، والإطار القانوني، وآلية تنفيذ واقعية، معتبرًا أن هذه المرتكزات تمثل الأساس لأي إصلاح حقيقي.
“العراق أمام تحولات إستراتيجية”
من جهتها، اعتبرت الباحثة في الشأن السياسي العراقي نوال الموسوي أن زيارة الزيدي إلى واشنطن تمثل نقطة تحول في شكل النظام السياسي العراقي، بالتزامن مع المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأوضحت أن العراق قد يتحول إلى محور مهم في التحالفات الإقليمية الجديدة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وثرواته النفطية، إلى جانب دوره الجيوستراتيجي.
وأضافت أن الظروف الإقليمية الحالية دفعت بغداد إلى الانخراط في مشاريع إستراتيجية عابرة للحدود، مرجحة أن تتسارع خطوات تنفيذ هذه المشاريع خلال الفترة المقبلة.
وتوقعت الموسوي أن يجري الزيدي جولات خارجية إضافية، بينها زيارة إلى السعودية، قبل العودة مجددًا إلى واشنطن، معتبرة أن الولايات المتحدة تمنح الحكومة العراقية دعمًا سياسيًا لتوسيع مساحة التفاهمات الداخلية والخارجية.
وفي المقابل، لفتت إلى وجود تباين داخل القوى السياسية، خاصة في الإطار التنسيقي، بشأن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، واحتمال تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو ما قد يفتح الباب أمام تنافس سياسي خلال المرحلة المقبلة.
وأضافت أن التحدي الأكبر يتمثل في مدى قدرة بغداد على تنفيذ التزاماتها، خاصة فيما يتعلق بالفصل بين الساحة العراقية والنفوذ الإيراني على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن واشنطن تسعى إلى تحويل علاقتها مع العراق من شراكة أمنية وعسكرية إلى شراكة اقتصادية، وهو ما سيجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لمستقبل العلاقة بين البلدين.
العراق بحاجة إلى انفتاح اقتصادي لا وصاية خارجية
بدوره، قال مستشار المركز العراقي للتنمية الإعلامية علي فضل الله إن العراق يحتاج إلى توسيع علاقاته الدولية بعد سنوات طويلة من العزلة السياسية والاقتصادية، رغم امتلاكه سوقًا واعدة وفرصًا استثمارية كبيرة.
وأشار إلى أن زيارة الزيدي تعيد التذكير بالاتفاقية الإطارية الموقعة بين بغداد وواشنطن عام 2008، والتي شملت مجالات متعددة، لكنه رأى أن الولايات المتحدة تتحمل جانبًا من مسؤولية استمرار الفساد، إلى جانب الطبقة السياسية العراقية.
وأضاف أن العراق لا ينبغي أن يبحث عن “منقذ خارجي”، لأن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من الداخل، معربًا عن دعمه لجهود الحكومة في مكافحة الفساد.
وحذر من أن أي اتفاقيات جديدة مع واشنطن يجب أن تستند إلى مفاوضات متوازنة تحقق المصالح العراقية، بعيدًا عن أي علاقة غير متكافئة.
وفي ما يتعلق بملف حصر السلاح، أكد أن وجود السلاح بيد الدولة يعد مطلبًا طبيعيًا إذا كان قرارًا وطنيًا، لكنه رفض أن يكون استجابة لضغوط خارجية، معتبرًا أن ذلك يعيد العراق إلى مرحلة التدخلات الدولية التي أعقبت عام 2003.
وأشار إلى أن الفصائل المسلحة تربط تسليم سلاحها بانسحاب القوات الأجنبية، بما فيها الأميركية والتركية، مؤكدًا أن هذا الملف سيظل أحد أبرز التحديات أمام الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة.
