عابرو الوهج

عابرو الوهج

Loading

عابرو الوهج

ثمّة من لا تهتدي إليك خطاه إلا إذا أضاءتك الأقدار، فإذا علت قامتك في أعين الناس وأزهرت أيامك وتكللت مساعيك بالنجاح ازدحموا حولك كأنهم أبناء الضوء، وما كانوا في الحقيقة إلا عابري وهج.

وثمّة من لا يعثر عليك إلا حين تتصدع،

يترصّد ارتجافة روحك كما يترصّد الغربانُ أطلال المدن بعد انقضاء العاصفة.

لا يواسيك بل يتخذ من صمت المتفرِّج مقاما، يحدق فيك وهو يفتّش في خرابك عمّا يصلح غنيمة ويُنقّب في شقوق القلب عن منفعة كأن انكسار الإنسان مزادٌ لبقايا الروح.

وللانتصار غوايته، فهو يستدعي الطامحين إلى بريق المجد والطامعين في اقتسام المتاح من المزايا والعطايا، كما للهزيمة غوايتها الأخرى إذ تستدعي من يستلذُّون بالتشفِّي ولا يستمدون الدفء إلا من جمرات آلام غيرهم..أولئك الذين لا يرون في الجراح إلا موردًا ولا في الضعف إلا فرصةً للعبور إلى ما لا حقَّ لهم فيه.

بيد أن أصفى البشر معدنًا وأندرهم وجودًا هم الذين لا تُغريهم شموسك إذا أشرقت ولا تُنفّرهم لياليك إذا أظلمت.

لا يقصدون ازدهارك ولا يتخذون من ذبولك موسما للحصاد، وإنما يقصدونك أنت، ذلك الجوهر الذي لا تزيده الأيام بهاءً إن أقبلت، ولا تنتقص منه إذا أدبرت.

أولئك القادرون على استنشاق العبير المُعَتَّق حتى بعدما تساقطت البتلات،

والذين يُحسنون رؤية الإنسان مجردًا من حظوظه وعثراته، ويعرفون أن الكرامة ليست فيما يملكه المرء من انتصارات، ولا في ما يثقل كاهله من إحباطات، بل فيما يبقى منه حين تتجرد الحياة من زينتها كلها.

فإذا أردت أن تعرف منزلتك في قلوب الناس، فلا تنظر إلى من صفّق لك يوم ارتفعت ولا إلى من بكى عليك في لحظة سقوط مؤقتة،

انظر إلى من ظل واقفًا عند باب روحك، لا يبدّله انتصار، ولا يزحزحه انكسار، لأنه لم يحب ما كان يحيط بك بل بما كان يسكنك..

ولأنه أحبك دون أن ينظر إلى كمالك أو نقصك، بل إلى كنهك الذي صاغته التجارب.

ليس أقسى على الإنسان من اكتشاف أن الذين ازدحموا حوله كانوا يحيطون بما في يده، لا بما في قلبه.

وليس هناك ما هو أثمن من أن تكون محاطا بأرواح ترى بوضوح ذلك النور المنبعث من روحك لا الضوء الساقط على وجهك.

وتبقى الحقيقة أن القلوب العظيمة لا تُقيم الإنسان بما تمنحه أو تمنعه الأقدار، بل بما تعجز الحياة عن انتزاعه منه.