![]()
السودان لا يواجه خطر الحرب وحدها، بل يواجه خطراً أعمق وأكثر فتكاً؛ خطراً يتسلل إلى العقول قبل الحدود، ويضرب الأرواح قبل المدن، ويتمدد بصمت داخل الوعي الجمعي حتى يكاد يلتهم معنى الوطن نفسه، ذلك الخطر هو العنصرية والقبلية، وما يتفرع عنهما من كراهية واستعلاء وانغلاق وضيق أفق.
أخطر ما يهدد الأمم لا يكون دائماً دبابةً أو بندقيةً أو حصاراً اقتصادياً، بل قد يكون فكرةً مريضةً تستقر داخل النفوس، ثم تتحول مع الزمن إلى ثقافة عامة، ثم إلى سلوك يومي، ثم إلى مشروع خراب شامل، وما يجري في السودان اليوم ليس بعيداً عن هذه الحقيقة القاسية.
بلادٌ ظلّت عبر التاريخ ملتقى للأعراق والثقافات والهجرات واللغات، أصبحت تعاني من سؤال هوية مرتبك، ومن صراع قبائل يلتهم الذاكرة الوطنية، ومن انحدار مخيف نحو تعريف الإنسان بحسب قبيلته لا بحسب قيمته، وبحسب لونه لا بحسب عطائه، وبحسب انتمائه الضيق لا بحسب إنسانيته وسودانيته.
المفارقة المؤلمة أن السودان، وفق دراسات جينية حديثة تناولت التنوع الوراثي والهجرات البشرية القديمة، يمثل إحدى أعمق البقاع اتصالاً بتاريخ الإنسان الأول وحركة التكوين البشري عبر إفريقيا والعالم. وقد أشارت أبحاث منشورة عبر منصات أكاديمية مرتبطة بـ University of Oxford وHarvard University إلى الأهمية الجينية والتاريخية لشعوب السودان وشرق إفريقيا في فهم الأصول البشرية والهجرات القديمة، مع تأكيد التنوع الوراثي العميق في السودان بوصفه منطقة محورية في التاريخ الإنساني.
OUP Academic
أيُّ مفارقةٍ أكبر من أن تتحول أرضٌ تشير الدراسات إلى أنها من أقدم خرائط التكوين البشري، إلى ساحة نزاع حول اللون والعرق والقبيلة؟
كيف لمن يحملون هذا العمق الحضاري والإنساني أن يسقطوا في هذا المستنقع الضيق؟
وكيف لشعبٍ أسهم في تشكيل التاريخ البشري أن يعجز عن الاتفاق على معنى الوطن؟
السودانوية ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل حقيقة تاريخية وإنسانية وثقافية.
السوداني ليس قبيلةً تسير على قدمين، ولا لافتةً جغرافية، ولا لوناً بعينه، ولا لهجة محددة.
السوداني هو هذا الامتزاج الفريد الذي صنعته آلاف السنين من التفاعل والهجرات والتلاقح الثقافي والإنساني.
اختلاف الألوان والألسن واللهجات لا ينبغي أن يكون سبباً للتمزق، بل دليلاً على الثراء الحضاري.
فالحدائق الجميلة لا تتكون من لون واحد، والأنهار العظيمة لا تصنعها قطرة منفردة، غير أن صعود الجهل، وانتشار أنصاف المتعلمين، وتضخم الأصوات الفارغة عبر المنصات الرقمية، كلها عوامل أسهمت في تسميم الوعي العام.
أصبح كثيرون يتعاملون مع الهوية بوصفها معركة إقصاء، لا مساحة تعارف ، وتحوّل بعض مستخدمي المنصات إلى أبواق للتحريض والكراهية، يوزعون الشتائم والتصنيفات العرقية كما لو أنهم أوصياء على التاريخ والجينات والوطن.
الثقافة المبتذلة لعبت دوراً خطيراً كذلك، فقد تراجع حضور الفكر والمعرفة والقراءة والنقاش الرصين، وصعدت مكانها موجات من السطحية والضجيج والاستعراض الفارغ.
أصبح المؤثر أحياناً أعلى صوتاً من المفكر، وصار الجاهل أكثر انتشاراً من العالم، وتحولت المنصات إلى ساحات تعبئة نفسية وانفعالية، تشتعل فيها النعرات القبلية بأسرع مما تشتعل الحرائق في الهشيم، ذلك الانحدار الثقافي لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن انهيار طويل في التعليم والإعلام والخطاب العام ،أجيال كاملة تربّت على سرديات الانقسام، وعلى تمجيد القبيلة أكثر من الوطن، وعلى تصنيف الناس وفق الدم والنسب، لا وفق الأخلاق والكفاءة، فالعنصرية لا تقتل الضحية وحدها، بل تقتل المجتمع بأكمله، فالقبيلة التي تظن أنها تنتصر بالكراهية، إنما تحفر قبرها بيدها، لأن الأوطان المنقسمة لا ينجو فيها أحد.
النار التي تبدأ في أطراف البيت سرعان ما تصل إلى قلبه ،والتاريخ مليء بالدروس القاسية، دولٌ عظيمة سقطت لأن أبناءها انشغلوا بصراعات الهوية الصغيرة، ونسوا الهوية الكبرى الجامعة، وكل مشروع عنصري يبدأ بخطاب متعصب، ثم يتحول إلى احتقان اجتماعي، ثم إلى عنف، ثم إلى انهيار شامل.
السودان اليوم يقف على حافة هذا المنعطف الخطير، إما أن ينتصر لمعنى الوطن الجامع، أو يواصل السقوط داخل متاهة القبائل والانقسامات والكراهية.
لا خلاص للسودان إلا بفكرة السودان.
لا نجاة إلا بالهوية السودانوية الجامعة التي ترى التنوع ثروةً لا تهديداً، وترى الإنسان إنساناً قبل أي تصنيف آخر،فالمطلوب ليس إلغاء القبائل، فالقبيلة مكوّن اجتماعي وثقافي موجود في كل العالم، لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول القبيلة إلى وطن بديل، وإلى معيار للحقوق والعدالة والانتماء.
السودان أكبر من الجميع ،أكبر من القبائل، وأكبر من السلالات، وأكبر من الألوان، وأكبر من الأحقاد الصغيرة.
قبيل الحريق العظيم، ينبغي أن يدرك الجميع حقيقة واحدة:- لا أحد سينجو وحده، إما أن ننجو جميعاً كسودانيين، أو نحترق جميعاً تحت رماد العنصرية والقبيلة والجهل.
mhgoub33@gmail.com