![]()
أحرف حرة..
إبتسام الشيخ..
الى رئيس مجلس السيادة : لو أن المال الذي يُصرف لصناعة الهُتاف صُرف في صندوق تمويل للشباب لأغلقتم طرق الموت التي تأخذ أرواح أبنائنا
12 /أكتوبر
في الثامنة وثمان وثلاثين دقيقة مساء ، قبل يوم واحد فقط من فاجعة شمال الوادي ، رن هاتفي ، كان ابن أختي ، من عمق الصحراء من جهة حلفا ، بعد تعثر شديد في الشبكة إستطعت التواصل معه ، بعد التحية سألته عن حاله والوضع في المنطقة التي ينقبون فيها عن الذهب منذ ثمانية أشهر ، فقال لي “الموية هي أكبر مشكلة بتواجهنا” ، ثم سألته هل تحصلت على دهب ، وقدر شنو ؟ رد علي “الحمد لله ، غايتو كويس ، قلت له بنبرة شفقة وخوف “إن كان ما جمعته يكفي لبداية مشروع صغير ، تعال راجع” ، جاء رده الذي أسكت كل شيء بداخلي ، رد يلخص مأساة جيل كامل ، قال لي “لا..الاتحصلت عليه ما بجيب رقشة أو تكتك ، الرقشة فاتت الـ 25 مليون” .
هنا إنقبض قلبي ليس خوفاً فقط بل قهراً ،
شاب في العشرينات من العمر ، يفترش الأرض ويلتحف السماء ، يصارع العطش والموت ، يحفر في بئر قد تنهار عليه في أي لحظة ، وبعد كل هذا الشقاء لا يستطيع أن يشتري رقشة ولو مستعملة يسترزق بها .
قلت ليهو : تعال اشتري الرقشة أو التكتك بالتقسيط ، مع أنني أعلم أن التقسيط مشكلة أخرى ، وأن شاباً لا يملك وظيفة ولا ضامن ولا دخل ثابت لن يمكنه أحد من مشروع بالتقسيط إلا بفوائد تأخذ ما بقي من عمره ،
وهذه هي الحقيقة العارية التي لا تريد الدولة أن تراها ، الشباب السودانيون لا يذهبون إلى الذهب لأنهم يتطلعون الى الثراء ، بل هم يجرون وراء الذهب لأن أبسط أدوات كسب العيش – رقشة،، تكتك ، تربيزة خضار ..الخ – صارت حلماً مستحيلاً في الخرطوم والولايات .
في تلك اللحظة تذكرت جيرانا في مدينة الفاشر بين عامي 2014- 2015 ، الأب صلاح الذي خرج بحثا عن الذهب وترك خمسة أطفال وزوجة ، ولما انقطعت اخباره ، كانوا يقيمون الليل قرآناً ودعاء ، ليعود أبيهم ، نسوا الذهب وبريقه وحلم ان يكتمل البيت الذي توقف بناؤه منذ سنوات ، كانوا يريدون فقط ان يعود اليهم أبوهم ، وعاد صلاح بعد دموع وألم ، ونحن شهود ، روى لنا فيما روى من رحلة الشقاء تلك ، أنه كان ينطق الشهادة في اليوم أكتر من مرة .
واليوم ابن أختي والملايين من أبنائنا السودانيين ينطقون الشهادة أكثر من مرة في اليوم من أجل رقشة بـ 25 مليون .
سنوات مضت وهذا الجيل يركض ، ركض خلف الثورة بحثا عن دولة ، ثم ركض خلف الحرب بحثاً عن أمان ، ثم ركض خلف البحار فغرق ، واليوم يركض خلف الذهب فيموت عطشاً أو تنهار عليه بئر أو تحصد روحه أسلحة دولة لأنه متعدي ، ياللمأسأة .
يا سيادة رئيس مجلس السيادة ، هذه هي المعادلة التي يجب أن تُحل ، الشاب الذي لا يستطيع أن يشتري رقشة بـ 25 مليون بعد شهور من العناء في الصحراء ، لن تقنعه بحفلة راب بمليارات الجنيهات ، ولن تكسب ولاءه بصورة مع نجم تيك توك ، الشباب لا يحتاج مهرجانات مصنوعة لتثبيت الكرسي ، الشباب يحتاج كرسي يجلس عليه ليصلح الرقشة التي يحلم بها .
يا سيادة الرئيس لو أن المال الذي يُصرف على صناعة الهُتاف ، صُرف على صندوق تمويل حقيقي للشباب بلا فوائد مجحفة ، يمنح الرقشة والتكتك وأي مشروع صغير كبداية حياة ، لأغلقتم طرق الموت التي تأخذ أرواح أبنائنا .
وفروا للشباب مشروعات بأقساط ميسرة ، بدلاً من أن تتركوهم يبحثون عن الموت بالتقسيط في صحاري الشمال .
الحل ياسادة ليس فقط في لجنة تحقيق في من ماتوا ، الحل في لجنة تحقيق في لماذا ذهبوا أصلا ليموتوا ؟ ،
الإجابة معلومة .. لأنهم لم يجدوا ثمن الرقشة في السودان ، ارحموا شباب السودان قبل أن تحصوا جثثهم .
اللهم تقبل الارواح التي صعدت اليك قبولا حسنا واربط على قلوب ذويهم واحفظ ابن أختي ورفاقه كآفة وردهم من صحاري التيه وطرق الموت سالمين .
The post أحرف حرة.. إبتسام الشيخ.. الى رئيس مجلس السيادة : لو أن المال الذي يُصرف لصناعة الهُتاف صُرف في صندوق تمويل للشباب لأغلقتم طرق الموت التي تأخذ أرواح أبنائنا first appeared on مسار ميديا.