![]()

في خطابه بمناسبة العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة، قال عبد الفتاح البرهان كلاماً يستحق أن يُقرأ بجدية، لا باعتباره خطاب مناسبة.
قال إن الجيش «جيش للسودان»، لا يوالي جهة ولا يخضع لإرادة سوى إرادة الشعب.
وقال إن الحرب على الميليشيا لا تعني إغلاق باب السلام، لكنه رفض سلاماً يعيد المجرمين وحملة السلاح إلى السلطة.
ثم مضى أبعد، حين تحدث عن حوار سوداني مستقل، لا تملكه الدولة ولا تحدد أجندته أو مخرجاته، وعن ضمانات للمشاركين، وعن مناخ عام من الحريات يسمح حتى لمن هم خارج قاعة الحوار بأن يؤيدوا وينتقدوا دون خوف.
هذا، في تقديري، تحول مهم في خطاب الرجل.
فالبرهان الذي فرضت عليه الحرب أن يتحدث طويلاً بلغة الميدان، بدأ يتحدث الآن بلغة أخرى: الدولة، والحريات، وعودة الناس، والحوار، وإرادة الشعب.
حتى استدعاؤه لتشرشل، وهو يتحدث عن الشعوب التي يطلب منها التاريخ الشجاعة في اللحظات القاسية، لم يكن عابراً. فالسودان بالفعل في لحظة لا تحتمل التردد ولا رفاهية العودة إلى الوصفات التي أوصلته إلى ما هو فيه.
لكن هنا يبدأ السؤال الأصعب.. هل يكفي أن ندعو السودانيين إلى الحوار بينما الأرض التي سيقف عليها الحوار نفسه ما تزال رخوة؟
لا أعتقد.
السودان اليوم لا يعاني فقط من خلاف سياسي بين قواه.
إنه يعاني من ضعف الدولة ذاتها.
الميليشيا ما تزال تقاتل وتحاول استعادة مناطق في كردفان والنيل الأزرق.
الاقتصاد منهك.
الخدمة المدنية ضعيفة.
الخدمات مدمرة.
مؤسسات الرقابة والقضاء والإدارة تحتاج إلى إعادة بناء.
والعلاقات الإقليمية والدولية للسودان تحتاج إلى عقل سياسي ودبلوماسي يعمل كل يوم لاستعادة موقع البلاد ومصالحها.
في مثل هذه الظروف، قد يتحول الحوار، مهما حسنت نواياه، إلى دورة أخرى من الاجتماعات والمؤتمرات والمساومات القديمة.
وهذه هي المعضلة التي ينبغي على البرهان أن ينتبه إليها.
الحوار لا يصنع الدولة إذا لم تكن هناك دولة قادرة على حمل الحوار.
قبل أن نجتمع مع الآخرين، علينا أن نجلس مع أنفسنا.
أن نسأل: ما الذي بقي من الدولة؟ وما الذي ينبغي إصلاحه فوراً؟ وما هي المؤسسات التي لا تستطيع البلاد العبور من دونها؟ وما الذي يجب فعله اليوم حتى لا نجتمع بعد عام لمناقشة الخراب نفسه؟
السودان يحتاج، بالتوازي مع أي حوار، إلى مرحلة انتقال ذات وظيفة واضحة:
إيقاف الانهيار.
استعادة الإدارة.
إعادة الخدمات.
بناء القضاء والرقابة.
إصلاح الاقتصاد.
توحيد السلاح.
وتحويل ما تبقى من شرعية الحرب إلى مؤسسات تستطيع أن تحكم بالقانون.
هذا لا يتعارض مع الحوار.
بل هو ما يجعل الحوار ممكناً.
ففي دولة مستقرة، تستطيع السياسة أن تختلف دون أن ينهار الوطن.
أما في الدولة الضعيفة، فإن كل خلاف سياسي يتحول سريعاً إلى معركة وجود.
وهذا ما عانيناه طويلاً.
لقد كان السودان يستهلك طاقته في مؤتمرات وائتلافات واتفاقات، بينما قواعد الدولة نفسها تضعف تحت أقدام الجميع.
والنتيجة أن القوى السياسية لم تجد مؤسسات تمتص تنافسها، ولا قانوناً يحد من صراعها، ولا دولة قوية تمنع السلاح والمال والعصبية من التحول إلى أدوات سياسية.
لهذا فإن ما يحتاج إليه البرهان الآن ليس التراجع عن دعوته للحوار، بل وضع الحوار فوق أرض صلبة.
وهذه الأرض اسمها الدولة.
ومن هنا تأتي مسؤوليته الشخصية.
فالبرهان، بما راكمته الحرب له من خبرة وبما ظهر في شخصيته من تماسك وصبر ومرونة وحس وطني، يقف أمام فرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً.
لكن امتحانه لم يعد في إثبات قدرته على الصمود.. لقد أثبت ذلك.
امتحانه الآن في قدرته على الانتقال من قوة الرجل إلى قوة المؤسسة.
أن يخرج من دوائر التسييس الصغيرة، ومن أصحاب المصالح الذين يحيطون عادة بكل سلطة، ومن حسابات البقاء اليومي، وأن ينظر إلى السودان بعين من يريد أن يترك وراءه دولة لا مجرد مرحلة.
فالقائد القوي يستطيع أن يفرض القرار.
أما القائد التاريخي فيبني مؤسسة تجعل القرار الصحيح ممكناً بعد رحيله.
وهذا هو التحول الذي سيحدد مكان البرهان في التاريخ.
أن يقود مرحلة انتقال حقيقية، لا مرحلة انتظار.
أن يعيد تشكيل أجهزة الدولة على أساس الكفاءة.
أن يحارب الفساد والهدر بلا مواربة.
أن يفتح المجال العام تحت حماية القانون.
أن يقيم سوداناً فيدرالياً قوياً، تتوزع فيه السلطة والثروة، لكن لا تتوزع فيه السيادة ولا الجيوش.
أن يثبت القاعدة التي قالها بنفسه.
لا إرادة فوق إرادة الشعب.
وإذا كان كذلك، فإن النهاية الطبيعية لهذا الطريق ليست محاصصة جديدة، ولا اتفاقاً بين من امتلكوا السلاح، وإنما انتخابات يتساوى فيها الجميع.
فالمدني مدني.
والعسكري، إن أراد السياسة، يعود مدنياً.
والحركة المسلحة تتحول إلى حزب مدني أو تنتهي.
ولا أحد يحصل بالبندقية على ما لم يمنحه له المواطن بصوته.
هذا هو السلام الذي يشفي السودان.
أما السلام الذي يعيد تقسيم الدولة بين حملة السلاح والنفوذ، فلن يكون سوى هدنة بين حربين.
لقد تحدث البرهان عن شعب تحمل الألم وكسر الخوف دفاعاً عن فكرة الوطن.
وهذا صحيح.
لكن هذا الشعب لم يتحمل كل ذلك كي نعيده إلى نقطة البداية.
لقد آن أوان أن يكافأ السودانيون لا بالمزيد من الخطابات، بل بدولة.
دولة تجعل العودة إلى الخرطوم عودة إلى الحياة.
وتجعل الحوار فعلاً سياسياً طبيعياً لا مغامرة.
وتجعل الاختلاف آمناً.
وتجعل السلطة مؤقتة.
وتجعل الجيش حارساً للجمهورية لا طرفاً في تنافسها السياسي.
البرهان يملك اليوم فرصة نادرة:
أن يثبت أن حديثه عن جيش السودان وإرادة الشعب والحريات والحوار لم يكن تحولاً في الخطاب فقط، بل بداية تحول في الدولة.
وأن ينتقل من رجل قاد السودان خلال الحرب إلى رجل قاده خارجها.
فالشجاعة التي يطلبها التاريخ اليوم ليست شجاعة البقاء في السلطة، بل شجاعة بناء دولة تستطيع أن تبقى من دون صاحبها.