أمريكا راغبة في إنهاء وجودها—————–المحكمة الجنائية الدولية.. من يحاكم من؟

أمريكا راغبة في إنهاء وجودها—————–المحكمة الجنائية الدولية.. من يحاكم من؟

Loading

لم تولد المحكمة الجنائية الدولية بقرار أمريكي، ولم تنشأ بمرسوم من دولة كبرى، ولم تكن مؤسسة تابعة للأمم المتحدة حتى تستطيع دولة أن تأمر بحلها. إنها ثمرة اتفاق دولي شاركت فيه دول العالم، بعد عقود من الحروب والمجازر التي كشفت عجز العدالة الوطنية عن ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم، خصوصاً عندما يكون المتهمون من أصحاب السلطة والنفوذ.
لكن المفارقة التي تستوقف العالم اليوم أن الولايات المتحدة، التي شاركت في المداولات الدولية المتعلقة بإنشاء المحكمة، تتخذ إجراءات تستهدف تقويض عملها، وتلوّح إدارة الرئيس دونالد ترامب بإنهائها، وسط خلافات تتصل باختصاصها وملاحقاتها القضائية، ولا سيما القضايا المرتبطة بإسرائيل والتحقيقات المتعلقة بالقوات الأمريكية.
من أنشأ المحكمة؟  هذا سؤال مهم للغاية  والإجابة الحاسمة تقودنا إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث اعتمد المؤتمر الدبلوماسي للأمم المتحدة، في 17 يوليو 1998، نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة الدولية المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية. وبعد استكمال التصديقات المطلوبة، دخل النظام حيز النفاذ في الأول من يوليو 2002، لتبدأ المحكمة عملها باعتبارها أول محكمة جنائية دولية دائمة تختص بمحاكمة الأفراد عن جرائم محددة بالغة الخطورة.
لم تنشئها دولة منفردة، بل أسستها الدول التي اعتمدت نظام روما وصادقت عليه. ووفق سجل الأمم المتحدة، بلغ عدد الدول الأطراف في النظام الأساسي 125 دولة حتى أكتوبر 2026. وتتخذ المحكمة من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها.
جاء هذا الإنجاز بعد تجارب المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، ومنها محكمتا يوغوسلافيا السابقة ورواندا، اللتان أظهرتا الحاجة إلى آلية قضائية دائمة لا ترتبط بإنشاء محكمة جديدة عقب كل حرب أو مجزرة.
وتتمثل المهمة الأساسية للمحكمة في محاسبة الأفراد عن أربع فئات من الجرائم  مثل جرائم  الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان، وفق الشروط والضوابط التي يحددها نظام روما الأساسي.
لماذا تعارضها واشنطن؟ وهذا سؤال آخر يثير الكثير من الجدل
الولايات المتحدة ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، ولذلك لا تخضع، بمجرد وجودها أو مواطنيها على أراضيها، لاختصاص المحكمة على النحو الذي تخضع له الدول الأطراف. وقد وقّعت إدارة الرئيس بيل كلينتون النظام الأساسي عام 2000، لكن الولايات المتحدة لم تصادق عليه، ثم أعلنت إدارة جورج دبليو بوش عام 2002 أنها لا تعتزم أن تصبح طرفاً فيه.
تتمثل إحدى الحجج الأمريكية الرئيسية في رفض إخضاع المواطنين والجنود والمسؤولين الأمريكيين لسلطة قضائية دولية لا تقبل واشنطن اختصاصها، خشية المساس بالسيادة الوطنية وفتح الباب أمام ملاحقات تراها مسيّسة.
غير أن المسألة القانونية أكثر تعقيداً من هذا الاعتراض؛ فعدم عضوية الدولة في المحكمة لا يمنعها في جميع الظروف من ممارسة اختصاصها. إذ يمكن للمحكمة النظر في جرائم يُشتبه في ارتكابها داخل إقليم دولة طرف، حتى إذا كان المتهم من مواطني دولة غير طرف، كما يمكن إحالة حالات إليها من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وفق أحكام الميثاق ونظام روما.
وهنا يكمن جوهر الخلاف…. هل تستطيع المحكمة ممارسة اختصاصها في حالات معينة على مواطني دول لم تنضم إلى نظامها الأساسي؟ تجيب أحكام النظام الأساسي وشروط الاختصاص عن ذلك، بينما تعترض واشنطن على تطبيقات ترى أنها تتجاوز الحدود المقبولة قانونياً وسياسياً…من العقوبات إلى التهديد بتفكيك المحكمة
تفاقم الصدام الأمريكي مع المحكمة بعد إصدارها، في نوفمبر 2024، مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة. والمذكرات القضائية لا تعني إدانة نهائية، بل تتصل بإجراءات المحاكمة والمساءلة وفق القانون.
كما تعارض واشنطن التحقيقات المتعلقة بأفعال يُشتبه في ارتكابها من أفراد القوات الأمريكية في أفغانستان.
وفي تطور بالغ الأهمية، أعلنت الولايات المتحدة، في 9 أكتوبر 2026، فرض عقوبات على المحكمة بوصفها مؤسسة، بعد إجراءات سابقة استهدفت قضاة ومدعين تابعين لها. وأعلنت الإدارة الأمريكية عزمها تقييد المعاملات المالية معها، ملوّحة بمواصلة حملة تستهدف تفكيكها إذا لم تستجب لمطالبها. وتضمنت المطالب الأمريكية إلغاء مذكرتي الاعتقال الإسرائيليتين، وإنهاء التحقيقات المتعلقة بأفعال أمريكية في أفغانستان، وإجراء تغيير في قواعد الاختصاص.
هل تستطيع أمريكا إلغاء المحكمة؟…هنا ينبغي التمييز بين القوة السياسية والاقتصادية، والسلطة القانونية…تستطيع واشنطن فرض عقوبات تؤثر في معاملات المحكمة وخدماتها المالية والتقنية، وقد تتسبب هذه الإجراءات في مصاعب تشغيلية حقيقية. لكنها لا تملك، بمجرد قرار أمريكي منفرد، إلغاء معاهدة دولية أنشأتها دول متعددة، ولا حل مؤسسة تستمد وجودها القانوني من نظام دولي تعاقدي.
وتغيير نظام روما الأساسي أو إنهاء المحكمة يتطلب مسارات قانونية دولية وإجراءات لا تملك دولة واحدة تجاوزها بقرار أحادي. لذلك فإن التهديد الأمريكي قد يضع المحكمة أمام اختبار مالي وسياسي شديد، لكنه لا يساوي إلغاءها قانونياً.
العدالة الدولية واختبار القوة
ليست المحكمة فوق النقد، ولا يعني استقلالها أن كل قراراتها بمنأى عن المراجعة القانونية. ومن حق الدول الاعتراض على تفسير اختصاصاتها، ومناقشة ضمانات العدالة والمحاكمة المنصفة، والطعن في الإجراءات وفق الأطر القانونية المتاحة.
لكن جوهر القضية يتجاوز الخلاف على مذكرة اعتقال أو تحقيق بعينه؛ إنه يتعلق بمبدأ خضوع الأفراد للقانون، بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو العسكرية.
فإذا كانت العدالة الدولية تُقبل عندما تطال الخصوم، وتُرفض عندما تقترب من الحلفاء أو المواطنين، فإن مبدأ المساواة أمام القانون يصبح رهينة لموازين القوة.
لقد أنشأت الدول المحكمة الجنائية الدولية لتكون ملاذاً أخيراً للضحايا عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية أو تمتنع عن أداء واجبها، ضمن حدود اختصاصها القانوني. ويبقى السؤال الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم: هل يستطيع النظام الدولي حماية مؤسساته القضائية من الضغوط السياسية، أم ستظل العدالة قوية أمام الضعفاء، وحذرة أمام الأقوياء؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للمحكمة، وللدول التي أنشأتها، وللنظام الدولي الذي تعهد بأن تكون القاعدة فيه هي القانون، لا مجرد إرادة الأقوى.