![]()
تراجعت مخزونات الجيش الأميركي من أنظمة الصواريخ، وفي مقدمتها صواريخ “باتريوت” للدفاع الجوي المنتشرة في أوروبا، إلى مستويات باتت دون الحد المطلوب، في ظل الاستنزاف الذي خلفته الحرب التي اندلعت عقب الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
ونقلت وكالة أسوشييتد برس عن مسؤول دفاع أميركي ومسؤول في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، أن القوات الأميركية في أوروبا تواجه نقصًا حادًا في أنظمة اعتراض الصواريخ المتطورة، مشيرين إلى أن النقص يعود بدرجة كبيرة إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
نقص مقلق في صواريخ باتريوت
وبحسب المسؤولين، فإن النقص الأكثر إثارة للقلق يتعلق بصواريخ “باتريوت”، إذ لا تمتلك القوات الأميركية في أوروبا، مخزونًا كافيًا للتصدي لهجوم باليستي روسي طويل الأمد.
وفي أبريل/ نيسان الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية التوصل إلى اتفاقات إطار مع شركتي “بوينغ” و”لوكهيد مارتن” لزيادة القدرة الإنتاجية لمكونات الصواريخ الحيوية ثلاثة أضعاف.
وفي وقت سابق، نفت إدارة الرئيس دونالد ترمب تقارير عن تراجع مخزونات الذخيرة الأميركية إلى مستويات مقلقة، فيما أرجع ترمب جانبًا من النقص إلى المساعدات العسكرية التي قدمتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لأوكرانيا.
وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط 2026 حربًا على إيران، أعقبها إغلاق مضيق هرمز، وردت طهران بهجمات على أهداف أميركية وإسرائيلية وفي دول خليجية، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أبريل/ نيسان 2026.
وبين 8 و24 يوليو/ تموز 2026، عاودت الولايات المتحدة هجماتها على إيران، وردت طهران باستهداف “منشآت ومعدات عسكرية أميركية” في دول عربية وكذلك بنية تحتية ومدنية عربية، قبل استئناف محادثات بشأن ممرات آمنة للسفن في مضيق هرمز.
وسبق ذلك توقيع واشنطن وطهران في 18 يونيو/ حزيران 2026 مذكرة تفاهم بشأن حرية الملاحة، لكنها تعثرت بسبب خلافات حول أمن المضيق الذي سبب أزمات عالمية في حركة سلاسل الإمدادات
لماذا تعاني الولايات المتحدة من نقص باتريوت؟
وفي هذا الإطار، قال ريتشارد ويتز، كبير الباحثين في مؤسسة “ويكي ستراد” للأمن، إن النقص الحاد في صواريخ الباتريوت الأميركية يخلّف تداعيات قصيرة وطويلة الأمد، لا على هذه المنظومة فحسب، بل على أنظمة وأسلحة متقدمة أخرى ذات طابع دفاعي وهجومي.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من واشنطن أن المشكلة تعود إلى ما بعد الحرب الباردة، حين قررت الولايات المتحدة وحلف الناتو تقليص الاستثمار في هذه التقنيات المعقدة، فحافظوا على موازنات دفاعية محدودة، وتراجع الإنتاج، وتقاعد عدد كبير من الخبراء الذين كانوا يصنعون الباتريوت.
وأضاف أن مرحلة “الحرب على الإرهاب” عززت هذا التوجه، إذ لم تكن هناك حاجة فعلية إلى أنظمة باتريوت، فتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة لم يمتلكا صواريخ باليستية أو تقنيات متقدمة، ما دفع واشنطن وحلفاءها إلى التركيز على القنابل قصيرة المدى والأسلحة الأرضية المحدودة.
لكن السنوات الأخيرة شهدت انتشارًا واسعًا للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المتطورة، ما أعاد الحاجة الملحّة إلى أنظمة دفاعية طويلة المدى. وأشار ويتز إلى أن الولايات المتحدة استهلكت جزءًا كبيرًا من مخزونها السابق، وأن إعادة الإنتاج تتطلب وقتًا طويلًا.
وبيّن أن هناك فجوة واضحة بين حجم الاستخدام الحالي وما تنتجه الصناعات الدفاعية الأميركية، وهو ما دفع واشنطن إلى تقليص صادراتها من هذه الأنظمة إلى شركاء الناتو.
وأشار إلى أن واشنطن ما زالت تمتلك كميات كبيرة من القنابل قصيرة المدى التي تُستخدم عبر الطائرات، كما حدث في العراق وأفغانستان، لكن المشكلة تكمن في الأنظمة طويلة المدى مثل صواريخ “توماهوك”، وفي منظومات الاعتراض مثل الباتريوت.
وختم بالقول إن التقديرات تشير إلى أن الولايات المتحدة كانت تمتلك نحو 2,500 صاروخ باتريوت عند بداية الحرب، لكن العدد انخفض اليوم إلى قرابة 800 فقط، فيما يتطلب بناء أنظمة جديدة فترة تمتد بين أربع إلى خمس سنوات.
أميركا تريد أن تدافع أوروبا عن نفسها
من جهته، قال إلبريدج كولبي مدير السياسات في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لأعضاء حلف شمال الأطلسي، الخميس إنه يتعين على الحلف مواكبة التغيرات، مؤكدًا على رغبته في الاستماع إلى آراء الحلفاء في إطار مراجعة للقوات الأميركية في أوروبا، والتي أشار إلى أنها تهدف إلى زيادة تمكين القارة في الدفاع عن نفسها.
وكانت واشنطن أعلنت في يونيو/ حزيران عن مراجعة مدتها ستة أشهر لانتشار القوات الأميركية في أوروبا، وأرسلت خلال الأسابيع القليلة الماضية استبيانًا إلى أعضاء الحلف يغطي قضايا تتراوح بين الإنفاق الدفاعي وحتى الإستراتيجية والمشتريات ودعم أولويات السياسة الخارجية الأميركية.
وأظهرت وثيقة اطلعت عليها رويترز أن المراجعة ستتمخض عن أربع مجموعات على الأقل من الخيارات أمام وزير الدفاع بيت هيغسيث بحلول السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني، أي قبل الموعد النهائي المحدد في ديسمبر/ كانون الأول لإتمامها.
وأثارت هذه العملية تساؤلات مسؤولين أوروبيين عما إذا كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى استخدام المراجعة باعتبارها عملية تشاور حقيقية أم مجرد بادرة رمزية وأسلوب تفاوضي.
مراجعة الوجود الأميركي في أوروبا
وقال كولبي لسفراء دول حلف شمال الأطلسي خلال اجتماع عقد في مقر الحلف ببروكسل، وفقًا لتصريحات معدة مسبقًا نشرها البنتاغون “نعتقد أنه يتعين على الحلف التغير لا ليستمر فحسب، بل ليزدهر أيضًا”.
وأضاف “هذه ليست مراجعة ضيقة النطاق تقتصر على المواقع والقواعد فقط، مع أن هذه المواقع مهمة بلا شك، بل هي نظرة شاملة على وضعنا الإستراتيجي هنا”، مشيرًا إلى أن “هذه المراجعة ستشجع انتقالًا إلى دفاع تقليدي أوروبي أكثر استدامة وقوة في القارة وتمكنه وتدفع باتجاهه”.
وأشاد كولبي أيضًا بالتقدم المحرز داخل أروقة الحلف، مشيرًا إلى أن أوروبا لا تزال منطقة حيوية بالنسبة للولايات المتحدة.
وقال كولبي: “المشاورات والتواصل جزء لا يتجزأ من هذه المراجعة. نريد أن نسمع آراءكم”.
