![]()
ذو النون سليمان، الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
مقدمة
في الأول من أكتوبر 2026، دخلت العلاقات الإثيوبية–الإريترية أخطر مراحلها منذ مصالحة 2018، بعد إغلاق أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطرد دبلوماسيين إريتريين، ورد أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية. ويأتي التصعيد متزامناً مع حرب داخلية متجددة في شمال إثيوبيا، وضربات بطائرات مسيّرة في العاصمة، وتبادل اتهامات بدعم المعارضة والسعي إلى منفذ سيادي على البحر الأحمر.
تتداخل في الأزمة ثلاث مسارات: الحرب الإثيوبية الداخلية، والمواجهة الثنائية، والتنافس الإقليمي على أمن البحر الأحمر. وتسعى هذه الورقة إلى تقدير مخاطر تحول الأزمة إلى صراع إقليمي أوسع، وتحليل السيناريوهات المحتملة وأدوار القوى المعنية في احتوائها.
المعطيات والوقائع
بررت الخارجية الإثيوبية قرار اغلاق سفارتها في اسمرة بما وصفته “أعمال عداء وتصعيد مباشرة وغير مباشرة” من جانب إريتريا، واتهمت الدبلوماسيين بالانخراط في أنشطة تهدد الأمن القومي الإثيوبي، مستندة إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية. وردت أسمرة بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل مع إثيوبيا.
جاء هذا التصعيد متزامناً مع تجدد الحرب في شمال إثيوبيا واتساع المواجهات بين القوات الفيدرالية وتحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، فضلاً عن انفجارات وهجمات بطائرات مسيّرة في أديس أبابا خلال ليل 30 سبتمبر/أيلول والأول من أكتوبر. وقال مصدر مرتبط بتحالف المعارضة إن الأخير نفذ ضربات استهدفت منشآت عسكرية، في مقدمتها مقر قيادة الجيش، دون أن تقدم السلطات الإثيوبية رواية تفصيلية مستقلة حول الأهداف وحجم الأضرار.
على الصعيد الثنائي، تتبادل أديس أبابا وأسمرة الاتهامات: فالحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعم التحالف المسلح المعارض الذي تقوده جبهة تيغراي، بينما تنفي أسمرة تقديم دعم عسكري للمعارضة الإثيوبية. وفي المقابل، تتهم إريتريا الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى فرض وصول سيادي إلى البحر الأحمر، وباستضافة وتدريب وتسليح جماعات معارضة إريترية بهدف إحداث تغيير سياسي داخل إريتريا.
ويضيف قرار الطرد بعداً مؤسسياً حساساً للأزمة، إذ شمل القائم بالأعمال الإريتري ودبلوماسيين معتمدين لدى الاتحاد الأفريقي، وفق البيان الإريتري، وذلك بالنظر إلى وجود مقر الاتحاد في أديس أبابا.
الأبعاد الإقليمية
لا تقتصر الأزمة على العلاقات الثنائية. ففي اليوم نفسه، أعلنت أديس أبابا الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، دون أن يكشف البيان الإثيوبي عن أسباب تفصيلية. ويأتي هذا القرار في وقت تتهم فيه أديس أبابا مصر والسودان وإريتريا بدعم تحالف المعارضة، وإن كانت السلطات الإثيوبية لم تعلن تفاصيل حول الاتهامات الموجهة إلى الدبلوماسي المصري تحديداً، ما لا يسمح بالجزم بوجود ارتباط مباشر بين قرار طرده والملف العسكري الجاري.
التحليل:
يمثل قطع العلاقات تحولاً نوعياً في مسار العلاقات الإثيوبية الإريترية. فقد كانت إعادة فتح السفارة الإثيوبية في أسمرة عام 2018 أحد أبرز رموز إنهاء حالة العداء التي أعقبت حرب الحدود بين عامي 1998 و2000، وشكّل التقارب حينها أحد أهم عناصر المسار الذي ارتبط بحصول رئيس الوزراء آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام. غير أن التحالف الذي جمع أديس أبابا وأسمرة خلال حرب تيغراي بين 2020 و2022 تحول تدريجياً إلى تنافس وعداء متصاعد، وأصبح ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر عاملاً إضافياً في التوتر، إلى جانب الخلاف حول مستقبل تيغراي والترتيبات الأمنية على الحدود.
وتكتسب الإجراءات الدبلوماسية الأخيرة أهميتها من تزامنها مع حرب داخلية إثيوبية تتسع جغرافياً. فكلما اقترب القتال من الحدود الإريترية وازدادت اتهامات أديس أبابا لأسمرة بدعم خصومها، ارتفعت مخاطر الانتقال من المواجهة غير المباشرة إلى احتكاك عسكري مباشر.
مع ذلك، لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية بحد ذاته أن الحرب بين البلدين أصبحت حتمية. فلا يزال من الممكن أن يستخدم الطرفان التصعيد السياسي وسيلة ضغط وردع متبادل، خصوصاً بالنظر إلى الكلفة العسكرية والاقتصادية العالية لأي حرب جديدة. لكن غياب القنوات الدبلوماسية المباشرة يقلل في المقابل من آليات احتواء الحوادث الحدودية وسوء التقدير، ما يجعل احتمالات الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع أكبر من السابق.
أدوار القوى الخارجية:
أصبح منع اتساع الحرب اختباراً مباشراً للاتحاد الأفريقي. ففي 23 سبتمبر/أيلول، دعا رئيس مفوضية الاتحاد جميع الأطراف إلى أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى إطار اتفاق بريتوريا لعام 2022، الذي أنهى الجولة السابقة من حرب تيغراي. كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة دعمه لتحرك الاتحاد الأفريقي، بما في ذلك مشاركة الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو في جهود خفض التوتر وإعادة الأطراف إلى التفاوض. غير أن قدرة الاتحاد الأفريقي على الوساطة تواجه تحدياً إضافياً بسبب وجود مقره في أديس أبابا، وبسبب الأزمة المرتبطة بطرد دبلوماسيين إريترين معتمدين لديه، وهو ما قد يزيد من حساسية أسمرة تجاه دور الاتحاد.
تبقى الولايات المتحدة ودول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، من الجهات التي تمتلك قنوات اتصال ومصالح مع الطرفين يمكن استخدامها في جهود الاحتواء. وقد أنهت واشنطن في سبتمبر/أيلول 2026 برنامج العقوبات المرتبط بأزمة إثيوبيا ورفعت عقوبات كانت تستهدف جهات إريترية، في سياق إعادة بناء علاقاتها مع أسمرة وتعاظم أهمية أمن البحر الأحمر. وهذا يمنحها هامشاً سياسياً للتحرك، وإن كان مدى استعدادها للانخراط في وساطة مباشرة لم يتضح بعد.
التقدير والسيناريوهات
السيناريو الأرجح (استمرار المواجهة غير المباشرة): يستمر التصعيد السياسي والاتهامات المتبادلة مع بقاء الحرب داخل الحدود الإثيوبية، دون انزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين أديس أبابا وأسمرة، مدفوعاً بالكلفة العسكرية والاقتصادية العالية لأي حرب جديدة، وبمصالح القوى الإقليمية والدولية في منع اندلاع حرب قرب البحر الأحمر.
السيناريو الأخطر (المواجهة الإقليمية): تحول الحرب الداخلية الإثيوبية إلى مواجهة إقليمية عبر الحدود، سواء نتيجة تدخل مباشر أو حادث عسكري أو سوء تقدير، في ظل غياب القنوات الدبلوماسية المباشرة التي كانت تضبط الحوادث الحدودية.
السيناريو الإيجابي (احتواء الأزمة): نجاح الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والقوى الخليجية في إعادة فتح قنوات الاتصال بين أديس أبابا وأسمرة واحتواء الحرب في شمال إثيوبيا قبل أن تتحول من أزمة داخلية إلى صراع إقليمي أوسع.
خلاصة
تكشف القطيعة الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا عن انتقال الأزمة من مرحلة التوتر والاتهامات المتبادلة إلى مواجهة سياسية مفتوحة تتزامن مع تصعيد عسكري داخل إثيوبيا. والخطر الرئيسي لا يكمن في قرار إغلاق السفارات وحده، بل في تداخل ثلاث مسارات: اتساع الحرب في تيغراي وعفر، والاتهامات الإثيوبية لإريتريا بدعم المعارضة، والتنافس المتزايد على الأمن والنفوذ والوصول إلى البحر الأحمر.
يبقى العامل الحاسم في تجنب الأسوأ هو قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة فتح قنوات الاتصال قبل أن تتحول الأزمة الداخلية إلى صراع إقليمي أوسع
ظهرت المقالة إثيوبيا وإريتريا: من القطيعة الدبلوماسية إلى مخاطر المواجهة الإقليمية أولاً على السودانية نيوز.