إسماعيل شريف يكتب : شكراً بنكك… لا تُجمِّدوا شرايين النجاة

إسماعيل شريف يكتب : شكراً بنكك… لا تُجمِّدوا شرايين النجاة

Loading

إسماعيل شريف يكتب : شكراً بنكك… لا تُجمِّدوا شرايين النجاة

إسماعيل شريف

متابعات _ النورس نيوز
في آخر كل شهر، يجلس سوداني بعيد عن وطنه أمام هاتفه، لا ليحسب ما ادّخره لنفسه، بل ما يستطيع أن يرسله إلى أمه، وإلى شقيقه، وإلى أسرة نزحت، وإلى طفل توقفت دراسته، وإلى مريض ينتظر ثمن الدواء.
الراتب الذي يدخل حسابه لا يبقى راتباً له طويلاً. يتوزع في صمت بين بيوت متباعدة، وقد لا يعرف أصحابها جميعاً. هكذا تحولت التحويلات المالية خلال سنوات الحرب من خدمة مصرفية إلى شبكة أمان اجتماعي، ومن أرقام تتحرك على شاشة إلى طوق نجاة لآلاف الأسر.
ومن هنا تأتي أهمية توجيه بنك السودان المركزي الأخير.
المستند الصادر في 30 يوليو 2026 بشأن ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يطلب من المصارف تحديث بيانات العملاء، وتجميد حساب من لم يحدث بياناته خلال فترة أقصاها شهران، إلى جانب تشغيل أنظمة تقنية متخصصة لمراقبة حركة الحسابات والمعاملات واكتشاف الأنماط غير المعتادة.
الهدف في ذاته مشروع، بل ضروري.
فالنظام المصرفي لا يستطيع أن يكون آمناً إذا تحول إلى ممر لغسل الأموال أو تمويل الجريمة أو المضاربة غير المشروعة. وفي اقتصاد حرب، تتضاعف الحاجة إلى الرقابة، لأن حركة الأموال تصبح أكثر تعقيداً، وتتداخل فيها القنوات الرسمية مع السوق الموازي، وتتسع مخاطر الاستغلال المالي.
لكن المشكلة ليست في الرقابة؛ وإنما في حدودها وطريقة تطبيقها.
فالاقتصاد السوداني اليوم ليس اقتصاداً طبيعياً، والمواطن السوداني ليس عميلاً مصرفياً بالمعنى التقليدي وحده. الحرب أعادت تعريف وظيفة الحساب المصرفي.
الموظف الذي يدخل راتبه ثم يرسل خلال ساعات مبالغ إلى خمسة أو ستة أشخاص قد يبدو، في نظر نظام آلي، صاحب حركة مالية غير معتادة. لكنه في الواقع قد يكون أباً يعيل أسرة في مدينة، وشقيقاً يساعد أسرة أخرى، وابناً يحمل مسؤولية والدته في مدينة ثالثة.
ما يبدو للنظام المصرفي سلوكاً غير معتاد قد يكون، في زمن الحرب، هو السلوك الطبيعي للحياة السودانية.
وهنا يجب أن تكون المعادلة دقيقة
المعاملة غير المعتادة ليست بالضرورة معاملة مشبوهة.
فالتحويل الكبير المفاجئ قد يكون مضاربة، لكنه قد يكون أيضاً ثمن عملية جراحية. والتحويلات المتكررة إلى مدن مختلفة قد تكون محاولة لإخفاء الأموال، لكنها قد تكون كذلك شبكة أسرة نزحت بفعل الحرب.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام البنك المركزي ليس أن يراقب أكثر، وإنما أن يراقب بذكاء أكبر.
الرقابة القائمة على المخاطر ينبغي أن تميز بين من يستخدم الحساب لتدوير أموال مجهولة المصدر، وبين من يستخدمه لتوزيع راتبه على أسرته وأقاربه. وبين الحساب الذي تتدفق فيه أموال بلا تفسير، والحساب الذي يرتبط دخله بمصدر معروف وسلوك اجتماعي مفهوم.
والأخطر من التجميد نفسه هو أن يدفع التشدد غير المحسوب المواطنين إلى الاتجاه المعاكس.
فإذا تعذر التحويل الرسمي، فلن تختفي الحاجة إلى المال. سيبحث الناس عن طريق آخر النقد، الوسطاء، شبكات التحويل غير الرسمية، أو السوق الموازي.
وعندها قد نصل إلى مفارقة مؤلمة
إجراء يستهدف مكافحة الاقتصاد غير الرسمي قد يؤدي، إذا أسيء تطبيقه، إلى توسيع الاقتصاد غير الرسمي.
وهذا ليس خطراً مصرفياً فحسب، بل خطر اقتصادي واجتماعي.
فالتحويلات التي تصل إلى الأسر من داخل السودان وخارجه ليست أموالاً هامشية في زمن الحرب. إنها تمول الغذاء والدواء والإيجار والتعليم، وتساعد الأسر على البقاء خارج دائرة الفقر المدقع. وكلما ضاقت القنوات الرسمية أمام هذه الأموال، زادت احتمالات انتقالها إلى قنوات أقل شفافية وأعلى تكلفة ومخاطرة.
ومن هنا، فإن تحديث بيانات العملاء ضرورة، لكن التجميد الآلي لا ينبغي أن يكون هو القاعدة.
الأصل أن يسبق التجميدَ إخطارٌ واضح، ومهلة كافية، وقنوات سهلة لتحديث البيانات، مع حلول بديلة لمن فقدوا وثائقهم أو نزحوا أو يعيشون في مناطق لا تتوافر فيها الخدمات المصرفية بصورة منتظمة.
كما ينبغي التفكير في مسار سريع للحالات الإنسانية الدواء، الغذاء، الإيجار، التعليم، العلاج، ومساعدات الأسر النازحة.
فالمال الذي يتحرك بين أفراد الأسرة ليس مجرد «معاملة مصرفية». أحياناً يكون الفرق بين أن تنام أسرة آمنة أو أن تقضي ليلتها في انتظار حوالة.
لقد علمتنا الحرب أن السودانيين صنعوا لأنفسهم شبكة تضامن واسعة، وأن المغترب الذي يقتطع من راتبه ليعيل أهله، والموظف الذي يقسم دخله بين عدة أسر، والقريب الذي يرسل ما يستطيع، جميعهم أصبحوا جزءاً من اقتصاد الصمود.
وهؤلاء هم أبطال الظل.
لم تظهر أسماؤهم في نشرات الأخبار، ولم تلتقط الكاميرات صورهم، لكن تحويلاتهم الصغيرة أبقت بيوتاً مفتوحة، ومرضى على قيد العلاج، وأطفالاً داخل المدارس، وأمهات مطمئنات إلى أن أبناءهن، رغم البعد، لم يتخلوا عنهن.
ولذلك نقول
شكراً بنكك.
شكراً لأنك لم تكن خلال الحرب مجرد تطبيق مصرفي، بل أصبحت واحداً من شرايين التكافل السوداني.
لكن الشكر يرافقه رجاء
لا تجعلوا مكافحة غسل الأموال تغلق أبواب النجاة أمام الأموال النظيفة.
نحتاج إلى بنك مركزي قوّي، وإلى رقابة صارمة، وإلى نظام مصرفي أكثر أمناً.
لكننا نحتاج بالقدر نفسه إلى نظام يفهم المجتمع الذي يراقبه.
فالرقابة الناجحة ليست التي تجمد أكبر عدد من الحسابات، وإنما التي تصل إلى الأموال المشبوهة بأقل ضرر ممكن على الأموال المشروعة.
وفي السودان، حيث أصبح الراتب أحياناً ملكاً لعائلة كاملة، يجب أن نتذكر دائماً أن وراء كل تحويل مصرفي قصة، ووراء كل رقم إنساناً، ووراء بعض الأموال التي تبدو صغيرة على شاشة الهاتف حياة كاملة تنتظر أن تستمر.
راقبوا الأموال المشبوهة… لكن لا تجمدوا أموال النجاة.