إيران تتحدث عن “نظام إقليمي جديد”.. هل تتغير تحالفات الشرق الأوسط؟

إيران تتحدث عن "نظام إقليمي جديد".. هل تتغير تحالفات الشرق الأوسط؟

Loading

بعد سنوات من اعتماد دول المنطقة على شراكات أمنية تقودها الولايات المتحدة، تطرح الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى أسئلة جديدة حول مستقبل التحالفات في الشرق الأوسط.

وفي ظل تصاعد التوترات الأمنية والاقتصادية، تتحدث طهران عن اتصالات مع دول الجوار لبحث ترتيبات أمنية وتعاون اقتصادي جديد، في وقت بدأت فيه بعض دول المنطقة توسيع خياراتها الدفاعية والشراكات الدولية.

لكن ما طبيعة هذه الترتيبات؟ وهل تتجه دول الشرق الأوسط نحو بناء مسارات أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة؟ أم أن ما يجري لا يتجاوز محاولة لتنويع الشراكات إلى جانب التحالفات القائمة؟

حديث إيراني عن ترتيبات إقليمية جديدة

المعطى الأبرز جاء على لسان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قال إن طهران تلقت رسائل متعددة من دول الجوار بشأن صياغة ترتيبات أمنية جديدة وتعزيز التعاون الاقتصادي في المنطقة.

ولم يكشف قاليباف أسماء الدول التي وجهت هذه الرسائل أو طبيعة المقترحات التي يجري بحثها، لكنه ربط هذه التحركات بالسياسات الأميركية، معتبرًا أن واشنطن عرضت أمن حلفائها للخطر. ويرى المسؤول الإيراني أن الظروف الحالية قد تفتح الطريق أمام ما وصفه بـ”نظام إقليمي محلي ومستقل”.

لكن هذه التصريحات، حتى الآن، لا تكفي للحديث عن ولادة تحالف إقليمي جديد، في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن الدول المشاركة أو طبيعة الترتيبات المقترحة.

لكن أهميتها تكمن في اللحظة التي تأتي فيها، فالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لم تغير ميزان القوة بين واشنطن وطهران فقط، بل يبدو أنها هزت أيضا الثقة بالترتيبات التي حكمت أمن المنطقة لعقود.

اتفاق سعودي تركي باكستاني يوسع خيارات الردع

في المقابل، ظهرت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على توجه بعض دول المنطقة نحو توسيع خياراتها الأمنية والدفاعية.

ومن أبرز هذه المؤشرات توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك في السابع من أغسطس/ آب الجاري، في خطوة جمعت بين الثقل الاقتصادي والمالي السعودي، والصناعات الدفاعية التركية، والقدرات العسكرية الباكستانية المدعومة بترسانة نووية.

ولم يعلن الاتفاق أنه يستهدف قوة أو دولة بعينها، لكنه يعكس، وفق تقديرات، توجهًا نحو بناء شراكات دفاعية إضافية وتوسيع خيارات الردع، بدل الاعتماد على مظلة أمنية واحدة.

مضيق هرمز يكشف هشاشة المعادلة الأمنية

كان مضيق هرمز أحد أصعب الاختبارات التي كشفت حجم التشابك بين الأمن والاقتصاد في المنطقة.

فأي قيود على حركة الملاحة أو صادرات الطاقة عبر المضيق لا تؤثر في الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد آثارها مباشرة إلى اقتصادات دول الخليج والأسواق العالمية.

وهذا الوضع يضع دول المنطقة أمام معادلة معقدة؛ فهي تحتاج إلى الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع القوى الكبرى، وفي الوقت نفسه تبحث عن وسائل تقلل من تعرض اقتصاداتها وأمنها لتداعيات أي صراع إقليمي واسع.

وتظهر هذه المفارقة بوضوح في العلاقة بين إيران والإمارات، فالإمارات كانت لسنوات من أبرز الشركاء التجاريين الإقليميين لطهران، كما لعبت دبي دورًا مهمًا في إعادة التصدير إلى إيران، وشكلت منفذًا اقتصاديًا مهمًا للاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات الدولية.

لكن التطورات الأخيرة دفعت أبوظبي إلى تشديد موقفها تجاه التعاملات مع طهران، وصولًا إلى إعلان حظر واسع على المعاملات مع إيران.

واشنطن توسع الضغط على علاقات إيران الإقليمية

وفي السياق نفسه، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبينما يواجه انتقادات أميركية من سياسته في الشرق الأوسط، 
الدول والمؤسسات والشركات التي تقدم ما تصفه واشنطن بالدعم الحيوي لإيران بعواقب اقتصادية كبيرة.

وطالب بوقف ما وصفه تهريب النفط وخطوط المقايضة وتحويلات الأموال ومكاتب الصرافة والشركات الواجهة.

لكن إيران ترفض هذا النهج، إذ اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن العقوبات الثانوية الأميركية تتجاوز مفهوم الحرب الاقتصادية، وتندرج ضمن محاولة لفرض سلطة تتجاوز الحدود على دول مستقلة أعضاء في الأمم المتحدة.

أما قاليباف، فيستخدم الضغط الأميركي نفسه لتقديم حجته بشأن الحاجة إلى نظام إقليمي أكثر استقلالاً.

حتى الآن، لا توجد كتلة إقليمية جديدة مكتملة المعالم، ولا ترتيبات أمنية واقتصادية واضحة بالصيغة التي تحدث عنها قاليباف.

لكن مجموعة من المؤشرات بدأت تتقاطع في توقيت حساس، من بينها الاتفاق الدفاعي السعودي التركي الباكستاني، والحديث الإيراني عن ترتيبات أمنية واقتصادية مع دول الجوار، وتصاعد الضغط الأميركي على علاقات طهران الإقليمية، إلى جانب الكلفة الأمنية والاقتصادية التي فرضتها الحرب على دول المنطقة.

وبينما تبقى طبيعة التحالفات المستقبلية غير واضحة، يبدو أن الحرب أعادت طرح سؤال قديم بصورة أكثر إلحاحًا: هل تحتاج دول المنطقة إلى مظلات أمنية متعددة بدل الاعتماد على طرف واحد؟

هل تتجه المنطقة إلى تحالفات متعددة؟

وفي هذا السياق، أوضح حسن رويوران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران خلقت فجوات عميقة في المنطقة، مشددًا على ضرورة تجاوز هذه الفجوات بعد انتهاء الأزمة عبر صياغة إطار لعدم الاعتداء بين الأطراف الإقليمية، بما يضمن التكامل الأمني والاقتصادي في آن واحد.

وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من طهران أن هذه الفكرة ليست حكرًا على شخصية بعينها، فإلى جانب ما يُطرح داخليًا، سبق لوزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن تناولها في مقال له في مجلة الإيكونوميست، مؤكدًا أن مستقبل المنطقة يتطلب ترتيبات أمنية وتعاونًا سياسيًا واقتصاديًا يجعل احتمالات الصدام بين دولها غير ممكنة.

وتابع رويوران: “برأيي، ما يُطرح اليوم يندرج ضمن ضرورات المستقبل، حتى وإن لم تكن الظروف الراهنة مواتية، إلا أن هذه الحاجة ستظل قائمة ولا مفر منها عاجلًا أم آجلًا”.

من جهته، قال سالم اليامي، المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية، إن المملكة لا تُعنى بمثل هذه الطروحات، معتبرًا أنها شأن إيراني داخلي كما أعلنه قاليباف.

وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من الرياض: “حتى في تقديري، لا أعتقد أن السعودية معنية بهذا الأمر، وربما بعض الدول العربية والخليجية قد تكون ضمنه، لكن في النهاية يبقى شأنًا إيرانيًا”.

وعن سبب عدم اهتمام دول الخليج، أوضح اليامي أن هناك فجوة وحالة من انعدام الثقة تجاه إيران، خاصة في ظل تركيبتها الحالية التي يقودها الحرس الثوري.

وأشار إلى أن ما تسعى إليه طهران هو حلم قديم يتجدد اليوم، معتبرًا أن قاليباف يحاول استثمار تشديد العقوبات الأميركية ليبعث برسالة مفادها أن هناك دولًا تتواصل مع إيران لخلق ثغرة في سياسة واشنطن.

وتابع اليامي: “لكن من هم هؤلاء؟ من هي هذه الدول؟ قد يكون هناك اتصالات بين إيران وبعض الدول التي تشترك معها بحدود أو بعلاقات تجارية متبادلة، وهذا احتمال قائم من وجهة نظر المراقبين”.