![]()
تسير العلاقات بين طهران وواشنطن على حافة الهاوية، وسط تصاعد التهديدات المتبادلة واتساع نطاق التوتر ليشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز وكابلات الإنترنت البحرية في قاعه. وفي ظل غياب مؤشرات واضحة إلى انفراج قريب، تتزايد المخاوف من انتقال المواجهة من التهديدات إلى التصعيد العسكري.
وفي طهران، يلوّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بما يتجاوز سياسة الرد المنضبط، متحدثًا عن سآمة النظام من حالة “لا سلم ولا حرب” التي تطبع علاقته بالولايات المتحدة.
ترمب يلوّح بضرب إيران
وفي المقابل، تتأرجح تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين التلويح بعمل عسكري قد يكون وشيكًا، أو تأجيله إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، التي بات موعدها قريبًا. ولا يستبعد مبعوثه توم براك، بدوره، أن تشن الولايات المتحدة ضربة على إيران في نهاية الأسبوع الحالي.
وفي تل أبيب، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الملف الإيراني ورقة سياسية بارزة، رافعًا سقف تهديداته إلى حد الحديث عن إسقاط النظام الإيراني، على خلفية برنامجه النووي ونفوذه الإقليمي وما تصفه إسرائيل بأذرعه في المنطقة.
وفي خضم هذه التطورات، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن تصعيد في الإجراءات الأمنية داخل البعثات الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، على وقع تحذيرات استخباراتية أميركية من تصاعد التهديدات الإيرانية.
“واشنطن توازن خياراتها”
وبشأن حالة عدم اليقين التي تكتنف المواقف الأميركية، قالت ميندي ووكر، المستشارة السياسية السابقة في البيت الأبيض، إن الرئيس دونالد ترمب يوازن خياراته تجاه إيران، في ظل ترددها عن الدخول في صفقة حقيقية لتصفية اليورانيوم.
وأضافت في حديث للتلفزيون العربي من واشنطن أن خفض إيران لمستويات التخصيب سيُرضي واشنطن، لكن التصعيد المستمر والهجمات التي استهدفت السعودية، إلى جانب التلويح بعمل عسكري من الطرفين، يضاعف المخاطر.
وأشارت إلى أن إيران ما تزال تملك فرصة للسلام، غير أن سقف مطالبها ارتفع بشكل كبير مع سعيها للاقتراب من امتلاك السلاح النووي.
وعن سؤال حول ما إذا كان ترمب ينتظر تغييرًا في الموقف الإيراني، أوضحت ووكر أن طهران أظهرت ثباتًا في رفض أي حلول عقلانية، بينما بدا ترمب حاسمًا في رغبته باستئناف العمل العسكري. وختمت بالتأكيد أن واشنطن تريد من إيران التزامًا طويل الأمد يوقف طموحاتها النووية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
“طهران تنفي السعي إلى السلاح النووي”
في المقابل، نفى مهدي عزيزي، مدير مركز الرؤيا الجديدة للدراسات والإعلام في إيران، وجود أي مسعى إيراني لامتلاك السلاح النووي، مؤكدًا أن طهران أعلنت مرارًا أنها لا تحتاج إلى هذه الأسلحة.
وفي حديث للتلفزيون العربي من طهران، أشار إلى أن المشكلة تكمن في “عدم التزام واشنطن ببنود المحادثات”، موضحًا أن الجولة السادسة من المفاوضات تزامنت مع اعتداءات أميركية وإسرائيلية، جاءت، بحسب قوله، ضمن خطة عسكرية مدروسة من جانب ترمب، تحت ضغط إسرائيلي، راهنت على إسقاط النظام الإيراني خلال أيام معدودة.
وأضاف أن هذه المحاولات فشلت، ما دفع واشنطن إلى استخدام الورقة الاقتصادية لتعويض إخفاقها الميداني، في محاولة لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات تحت الضغط. ورأى أن سياسة “العصا والجزرة” الأميركية اصطدمت بصمود غير متوقع من إيران، رغم أزماتها الداخلية، ما أجبر الإدارة الأميركية على إعادة حساباتها.
وأكد عزيزي أن إيران مستعدة لخوض حرب استنزاف طويلة مع واشنطن، معتبرًا أن الوقت ليس في صالح ترمب ولا الجمهوريين، ولا في صالح نتنياهو الذي وصفه بـ”الخاسر الأكبر”.
وأشار إلى أن الانتخابات النصفية الأميركية والأزمات الأوروبية الناتجة عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز تزيد من تعقيد المشهد، مضيفًا أن ترمب يبحث عن “انتصار سريع ولو كان وهميًا”، عبر هجمات محدودة قد تمنحه مكسبًا سياسيًا مؤقتًا، لكنه لن ينجح، برأيه، في إقناع الناخب الأميركي أو تعزيز موقف نتنياهو سياسيًا.
“التفوق العسكري الأميركي لا يضمن حسم الحرب”
من جانبه، اعتبر اللواء محمد الصمادي، محلل الشؤون العسكرية والإستراتيجية في التلفزيون العربي، أن المشهد الإقليمي يقف على حافة الهاوية، في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران.
وأوضح في حديث من استوديوهات لوسيل أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري وامتلاكها زمام المبادرة، لا تملك ضمانة لإنهاء الحرب بشروطها إذا ما بدأت بها، مشيرًا إلى أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج سياسية مستدامة.
وأضاف أن إيران، وإن كانت عاجزة عن منع الضربة الأميركية أو الإسرائيلية، إلا أنها قادرة على جعلها أكثر كلفة عبر تدخلات ميدانية محسوبة. ولفت إلى أن طهران وضعت منظومة أهداف مركزية، قسمت البلاد إلى 31 منطقة، مع منح القادة الميدانيين حرية التنفيذ في حال وقوع هجوم، ما يعكس استعدادًا مختلفًا عمّا كان عليه الوضع في السابق.
وأشار الصمادي إلى أن فترة توقف الضربات الأخيرة، التي تجاوزت 92 يومًا، أفسحت المجال لكلا الطرفين لإعادة التموضع والاستعداد لجولة جديدة من العمليات العسكرية.
واعتبر أن حالة الغموض الراهنة جزء من إدارة ممنهجة للحرب من قبل واشنطن، تهدف إلى خلق ضبابية قبل توجيه ضربات “كثيفة وشاملة”، هدفها الأساسي اختبار قدرة إيران على الرد.
“الحشود الأميركية تضغط على طهران”
بدوره، رأى مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة لا يمكن اعتبارها مجرد جزء من حملة انتخابية، بل تعكس حالة صراع مفتوح مع إيران، هدفه دفعها إلى القبول بالشروط الأميركية.
وأوضح في حديث للتلفزيون العربي، أن الولايات المتحدة الأميركية، والرئيس دونالد ترمب تحديدًا، يسعون من خلال هذه الحشود إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران، إلى جانب الحصار والعقوبات واستخدام مختلف أدوات الدبلوماسية، لدفع الإيرانيين إلى قناعة مفادها أنه لا بد من تقديم تنازلات معينة لتجنب الحرب، وإلا فإن المواجهة العسكرية ستكون حتمية.”
وأضاف أن الحسابات الإيرانية تبدو مرتبطة بنتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، لكنه شكك في دقتها، معتبرًا أن رهانات طهران خلال السنوات الثلاث الماضية لم تصب في اتجاه صحيح. وأكد أن خسارة ترمب لمجلسي الكونغرس ستعني معارضة أكبر من الديمقراطيين، لكنها لن تحد من سلطته في السياسة الخارجية حيث يبقى صاحب القرار.
وأشار قبلان إلى أن الولايات المتحدة ليست المتضرر الأكبر من هذا الصراع، بل على العكس تستفيد منه كونها أكبر منتج للنفط والغاز، فيما تتحمل إيران ودول الخليج العبء الأكبر نتيجة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ورأى أن تداخل العوامل الداخلية مع الحرب يجعل المرحلة أكثر خطورة، إذ قد تدفع خسارة الانتخابات كلًا من ترمب ونتنياهو إلى خيارات أكثر تطرفًا. واعتبر أن الحرب قد تشكّل بالنسبة لنتنياهو مخرجًا سياسيًا، سواء عبر الدفع نحو حكومة وحدة وطنية أو إعادة الانتخابات، بينما قد يلجأ ترمب إلى التصعيد لتعويض أي خسارة انتخابية.
وختم بالتأكيد أن تغيير الحكومة في إسرائيل، حتى لو لم تكن بقيادة نتنياهو، لن يعني بالضرورة مكاسب لإيران، لأن الخلافات الإسرائيلية تتركز على القضايا الداخلية، فيما يبقى الإجماع قائمًا حول السياسة الخارجية والأمنية تجاه المنطقة.
