![]()
االفريق شرطة. د. الطيب عبدالجليل حسين محمود يكتب…ا لبصمة الوراثية بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية قراءة نقدية في الطعن رقم 20 لسنة 2026م أحوال شخصية المحكمة الاتحادية العليا – الامارات العربية المتحدة من منظور نظرية الإثبات المعاصر (2)
———————————-
كتاب أنهيت تحريره بعنوان (علم الإثبات المعاصر: من البينة التقليدية إلى منظومة القرائن العلمية متعددة التخصصات)، وهو الآن قيد الطباعة والنشر لدى المؤسسة العربية المتحدة للنشر والتوزيع بالقاهرة. ويتناول الكتاب نظرية الإثبات المعاصر وعلم الإثبات المعاصر، إلا أن ما استوقفني فيه الاهتمام بصورة أكبر هو الجانب العلمي البحت للإثبات بمفهومية التقليدي والمعاصر، وربما يعود ذلك إلى طبيعة المساق الأكاديمي العلمي الذي أميل إليه (علمي أحياء) أكثر من الجانب الأدبي النظري (المساق الأدبي) في الشهادة السودانية، ولا سيما في ظل اتساع دائرة النزاعات الدولية المسلحة وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان الناشئة عن الحروب.
ومن أهم الموضوعات التي يناقشها الكتاب أثر الدليل العلمي في بناء الحقيقة القضائية، وهو ما دفعني إلى الاهتمام بالسوابق القضائية الحديثة المتداولة في ساحات القانون والمجتمع، ومنها التجربة الإماراتية المرتبطة بواقعة زنا بين إماراتي ومقيمة مغربية في دولة الإمارات، وما ترتب عليها من ولادة طفل أصبح فاقداً للنسب الأبوي، إلى جانب النموذج المصري في قضية فتاة الدقهلية، التي ارتبطت بواقعة اغتصاب والدة الفتاة، وما أثارته القضية من توظيف للبصمة الوراثية (DNA) في إثبات النسب البيولوجي والقانوني للأشخاص.
وتتصل هذه النماذج بحالات مماثلة في الواقع السوداني، من بينها واقعة ضحية الحارة سبعين بأم درمان – الثورات، وما ترتب عليها من ولادة طفل مجهول النسب البيولوجي من جهة الأب، وهي قضية أتولى فيها الترافع الجنائي عن الضحية، والسعي لاحقاً إلى إثبات النسب من جهة الأب.
وللربط بين هذه المقالة والجزء الأول منها، فإن المقصود بعلم الإثبات المعاصر في مفهومه الأوسع هو المعرفة متعددة التخصصات التي تبحث في طبيعة الدليل ومصادره ووسائل جمعه وفحصه وتحليله، ومدى موثوقيته، وكيفية تفسير نتائجه، وصولاً إلى تقدير قدرته على إثبات الواقعة محل النزاع. وهو بذلك يستفيد من علوم متعددة التخصصات، مثل علم الوراثة، والطب الشرعي، والعلوم الجنائية، والإحصاء، والعلوم الرقمية، ولا يقتصر على القواعد القانونية المجردة.
أما نظرية الإثبات المعاصر فهي الإطار القانوني والمنهجي الذي يستوعب هذه المعارف العلمية ويضعها داخل العملية القضائية. فهي تبحث في شروط قبول الدليل، وسلامة مصدره، وسلسلة حيازته، وصحة منهج إنتاجه، وقوة دلالته، وعلاقته ببقية الأدلة، ثم كيفية انتقال المحكمة من الدليل إلى الاستنتاج القضائي. ومن هنا تتضح العلاقة التكاملية بين العلم والقانون: فعلم الإثبات يجيب عن سؤال كيف نعرف أن الدليل موثوق وماذا تعني نتيجته علمياً؟، بينما تحدد نظرية الإثبات كيف يدخل هذا الدليل إلى الدعوى، وما قيمته القانونية، وكيف يُبنى عليه الاقتناع القضائي؟
(أولاً) إعادة بناء السابقة القضائية من منظور نظرية الإثبات:
———————————
لا تقول السابقة الأماراتية محل الطعن ببساطة إن (DNA لا يثبت النسب)، وإنما تبني منظومة أكثر تعقيداً يمكن اختزالها في أن البصمة الوراثية تثبت أو تكشف الأبوة البيولوجية بدرجة عالية جداً من القوة العلمية، لكنها لا تنشئ بذاتها النسب الشرعي أو القانوني إذا لم يوجد السبب الذي يعترف به القانون لإنشاء هذا النسب. وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن المحكمة العليا الأماراتية قررت أن النسب (حقيقة شرعية وقانونية مركبة)، لا تقوم على الحقيقة البيولوجية المجردة، وإنما على السبب الشرعي أو الطريق القانوني المقرر، ولذلك قدمت معيار الشرع والقانون عند التعارض مع الحقيقة الجينية المجردة.
ومن ثم تفصل السابقة القضائية بين سؤالين مختلفين في الطبيعة والوظيفة:سؤال من هو الأب البيولوجي؟ وسؤال من هو الأب القانوني أو الشرعي؟ فالـ DNA يجيب، من حيث المبدأ العلمي، عن السؤال الأول؛ أما المحكمة فهي التي تقرر أن الإجابة عن السؤال الثاني تخضع لنظام النسب الذي يحدده القانون. وهنا تكمن أهم قيمة نظرية للحكم، إذ لا يجعل الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية شيئاً واحداً، ولا يفترض أن ثبوت الأولى يؤدي آلياً إلى نشوء الثانية.
(ثانياً) تفكيك سلسلة الإثبات التي بنت عليها المحكمة العليا حكمها:
——————————–
انطلاقاً من هذا التمييز (النسب البيولوجي من جهة الأب والنسب القانوني)، يمكن إعادة بناء منهج المحكمة العليا في صورة هرم إثباتي يبدأ، قبل الأدلة ذاتها، من سبب إنشاء النسب. فالمحكمة تعتبر أن الأصل هو الزواج أو الوطء الشرعي أو الشبهة التي يقوم مقامها، وتقرر أن النسب لا ينشأ في الحقيقة إلا من السبب الشرعي المعتبر، وأن وسائل الإثبات لا تنشئ النسب وإنما تكشف عن السبب الشرعي المفترض.
وهنا أقامت المحكمة العليا تمييزاً بالغ الأهمية بين مصدر المركز القانوني (Source of Legal Status) وبين وسيلة إثبات ذلك المركز(Means of Proof) . فمصدر المركز القانوني هو الذي ينشئ العلاقة القانونية، بينما الدليل هو الأداة التي تكشف عن تحقق الواقعة أو السبب المنشئ لها. ومن منظور نظرية الإثبات، يمثل هذا التمييز أحد أقوى أجزاء السابقة؛ لأنه يمنع الخلط بين الدليل الذي يثبت الواقعة وبين الواقعة القانونية التي يرتب عليها المشرع أثر النسب.
وبناءً على ذلك انتقلت المحكمة العليا إلى الوسائل التقليدية لإثبات النسب، فذكرت الفراش والبينة والإقرار والقيافة والقرعة، ورتبتها بحسب قربها من السبب المنشئ وقوتها في الكشف عنه، مع التمييز بين الوسائل الكبرى والوسائل الثانوية المختلف فيها. ومن ثم، فهي (المحكمة العليا) لا تنظر إلى الأدلة باعتبارها متساوية في القيمة أو الوظيفة، وإنما تبني ترتيباً هرمياً للحجية. وهذا يتفق مع إحدى الأفكار الأساسية في نظرية الإثبات المعاصر، وهي أن الأدلة ليست متساوية في الوظيفة، ولا في القوة، ولا في المجال الذي يجوز أن تعمل فيه.
وفي السياق، القيافة، وكما سبق ذكره في المقالة الأولى، هي وسيلة تقوم على الاستدلال بالشبه أو تتبع الأثر لإثبات النسب أو التعرف على صاحب الأثر. وقد اعتبرها الفقهاء المسلمون وسيلة معتبرة عند التنازع في النسب إذا لم توجد بينة أقوى، مستندين إلى حديث مجزز المدلجي، الذي استدل بالشبه بين زيد بن حارثة وابنه أسامة، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم. فهي، إذن، وسيلة إثبات نسبية، وإن ظل النقاش قائماً حول مدى إلزاميتها في القضاء الحديث.
أما القرعة، فهي وسيلة أخرى اعتمدها الفقه الإسلامي في بعض مسائل الإثبات، خاصة عند تعارض الأدلة أو تساوي الحقوق بين أطراف متعددة. ويقوم مفهومها على إعمال قاعدة العدالة في توزيع الحق عند تعذر الترجيح بوسائل أخرى، فتُستخدم أداةً لإزالة التنازع ومنح كل طرف فرصة متساوية. فهي ليست مجرد حظ أو صدفة، وإنما آلية شرعية للفصل بين المتنازعين حين تتساوى الأدلة أو تتعذر المفاضلة، ويُعتبر ما تؤول إليه القرعة حكماً ملزماً في مواضعها المقررة. وفي معناها الإجرائي، القرعة ليست لعبة احتمالات، وإنما هي آلية للفصل بين المتنازعين حين تتساوى الأدلة أو تتعذر المفاضلة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الأطراف. وقد استعملها الفقهاء في مسائل متعددة، مثل تعيين المستحقين في الميراث عند التساوي، أو تحديد من يبدأ في أداء واجب مشترك، أو الفصل في بعض دعاوى النسب عند تعارض البينات.
وبهذا المعنى، تختلف القرعة عن الفراسة والقيافة من حيث طبيعتها وأثرها؛ فالفراسة مجرد قرينة استرشادية، والقيافة وسيلة لإثبات النسب بالشبه والأثر، أما القرعة فهي أداة ترجيح شرعية تُستخدم عند انسداد طرق الإثبات الأخرى، لإعادة التوازن وتحقيق العدالة بين الأطراف.
وبهذا يتضح أن الفقه الإسلامي قدّم منظومة متكاملة من الوسائل التقليدية التي تساعد القاضي على تكوين عقيدته القضائية. ومع اختلاف في درجة الحجية والوظيفة، فإن هذه الوسائل جميعاً تهدف إلى تحقيق العدالة واستقرار الأحكام، وتكشف عن مرونة النظام الفقهي في استيعاب أدوات متنوعة للإثبات، سواء كانت استرشادية أو إثباتية أو ترجيحية.
(ثالثاً) أين وضعت المحكمة العليا البصمة الوراثية؟
———————————
بعد أن أرست المحكمة العليا البناء الإثباتي للأدلة لإثبات النسب، واجهت السؤال الأكثر حداثة: أين يقع الـ DNA داخل منظومة إثبات النسب؟ وهنا لم تضع المحكمة العليا البصمة الوراثية في مرتبة الفراش أو الإقرار، وإنما اعتبرتها من جنس القرائن، ثم قارنتها بالقيافة. فالقيافة تقوم على ملاحظة الشبه في الصفات الظاهرة، كملامح الوجه والهيئة وبعض السمات الجسدية، ثم الاستدلال منها على صلة النسب أو هوية صاحب الأثر. أما فحص الـ DNA فينتقل بالاستدلال من مستوى الشبه الظاهري إلى الخصائص الوراثية الكامنة، من خلال تحليل المادة الوراثية ومقارنة الأنماط الجينية بين الأشخاص. ومن ثم، فالفارق بينهما لا يقتصر على كون أحدهما يستدل بالظاهر والآخر بالباطن، وإنما يمتد إلى طبيعة الأساس الذي يقوم عليه الاستدلال، ودرجة الدقة والقوة العلمية التي يمكن أن يبلغها كل منهما.
وبذلك أقامت المحكمة العليا نوعاً من البناء الأصولي يمكن اختزاله في أن القيافة هي الأصل، والـ DNA هو الفرع؛ فالقيافة وسيلة مقررة للاستدلال على النسب من خلال المشابهة، بينما تمثل البصمة الوراثية وسيلة حديثة تقوم على الكشف عن الخصائص الجينية ذات الصلة بالنسب. وكانت العلة المشتركة بينهما هي كون كل منهما قرينة كاشفة عن المشابهة والاتصال النسبي. ومن هنا جرى إلحاق البصمة الوراثية بالقيافة عن طريق قياس العلة، أي إلحاق الفرع بالأصل لاشتراكهما في العلة المؤثرة، مع تنقيح المناط، أي استخلاص الوصف المؤثر في حجية القيافة واستبعاد الأوصاف التي لا تتصل بجوهر الاستدلال، وهو الكشف عن الصلة النسبية بوسيلة معتبرة.
وبذلك تستحق هذه النقطة من المحكمة العليا وقفة خاصة؛ لأن المحكمة، بدلاً من تجاهل العلم الحديث باعتباره وافداً على منظومة الإثبات التقليدية، حاولت استيعابه داخل بنية قائمة من خلال البحث عن العلة المشتركة التي تسمح بإدخاله في إطار القيافة. وهذا يكشف عن محاولة واضحة للتوفيق بين التطور العلمي والبنية الفقهية والإثباتية التي تحكم النسب.
(رابعاً) قوة التكييف الأصولي وحدوده العلمية:
——————————–
تتمثل قوة هذا التكييف في أن المحكمة العليا لم تتجاهل القيمة العلمية للـ DNA، بل أقرت بأن البصمة الوراثية أكثر قوة ويقيناً من القيافة التقليدية، ثم بحثت عن موقعها داخل النظام الإثباتي القائم. وبذلك قدم الحكم نموذجاً يمكن وصفه بأنه استيعاب للدليل العلمي داخل بنية إثبات تقليدية.
فبدلاً من القول إن الـ DNA وسيلة جديدة لا حكم لها في الفقه والشريعة، قالت المحكمة، في جوهر منهجها، إن هناك أصلاً إثباتياً يتمثل في القيافة، وإن هناك علة عامة تتمثل في (القرينة المجربة الكاشفة عن المشابهة)، ويمكن إدخال البصمة الوراثية في هذا الإطار. وهذه من أقوى الجوانب المنهجية في السابقة القضائية.
إلا أن نجاح المحكمة العليا في بناء هذا التكييف أصولياً لا يعني أنها استنفدت المسألة من الناحية العلمية والإثباتية. فالسؤال المعاصر لا يقتصر على تحديد ما إذا كان الـ DNA قرينة، وإنما يمتد إلى طبيعة هذه القرينة، وطريقة إنتاجها، ودرجة موثوقيتها، وحدود ما تستطيع إثباته، والقوة الإحصائية للنتيجة التي انتهى إليها الفحص.
ومن هنا تظهر مفارقة مهمة في الحكم: المحكمة العليا رفعت القوة العلمية للدليل، لكنها لم ترفع بالضرورة مرتبته الإثباتية أو أثره القانوني. وليس في ذلك، بالضرورة، خطأ قانوني، لكنه يحتاج إلى تسبيب أكثر دقة حتى لا تختلط ثلاثة مستويات مختلفة: (الأولى) القوة العلمية للدليل، (الثانية) حجيته القانونية، (الثلاثة) الأثر المنشئ الذي يرتبه القانون عليه.
(خامساً) الفرق بين قوة الدليل ونطاق أثره:
——————————
لعل أهم ما يمكن استخراجه من السابقة القضائية، من منظور نظرية الإثبات المعاصر، هو ضرورة التمييز بين قوة الدليل ونطاق الدليل. فقوة الدليل تتعلق بمدى موثوقيته في إثبات الواقعة التي يكشف عنها، أما نطاقه فيتعلق بالواقعة التي يسمح القانون لهذا الدليل بإثباتها، والأثر الذي يمكن أن يرتبه عليها.
وبهذا المعنى قد يكون الـ DNA قوياً جداً في إثبات الأبوة البيولوجية، بينما يقول القانون إن الأبوة البيولوجية وحدها لا تكفي لإحداث المركز القانوني للنسب. وبالتالي فالمشكلة، في جوهرها، ليست في قوة الـ DNA، وإنما في نطاق الأثر القانوني الذي تمنحه المحكمة لهذه القوة.
وهذا يفسر لماذا أصابت المحكمة العليا عندما رفضت المعادلة المبسطة التي تقول:DNA positive = legal father (أي رفضها معادلة: أن إيجابية الجين الوراثي للأب يعادل الأب القانوني)؛ لأن ثبوت الأبوة البيولوجية لا يعني بالضرورة، في النظام القانوني الذي طبقته المحكمة العليا، ثبوت الأبوة القانونية. ولكن ينبغي في المقابل الحذر من المعادلة العكسية التي قد توحي بأن تقييد الأثر القانوني للـ DNA يجعله مجرد دليل ظرفي عادي؛ فهذا لا يلزم، لأن القوة العلمية للدليل شيء، والأثر القانوني المترتب عليه شيء آخر.
(سادساً) نتيجة المختبر ومسألة (عدم الاستبعاد):
——————————-
تزداد أهمية هذا التفريق (النسب البيولوجي والنسب القانوني) عند قراءة النتيجة التي انتهى إليها تقرير المختبر المعملي الجنائي في الدعوى الجنائية، نتيجة الحكم الجزائي جنائياً للأطراف(المدعية المغربية، والمدعى عليه الأماراتي)، المساند لحكم المحكمة العليا (أحوال شخصية). فالحكم للمحكمة العليا يبين أن التقرير خلص إلى (عدم إمكانية استبعادهما من كونهما الأبوين البيولوجيين). وهذه العبارة ليست، من الناحية العلمية، مساوية لعبارة (ثبت أن الرجل هو الأب).
فهناك فرق بين الاستبعاد (Exclusion)، أي أن التحليل يكشف عدم توافق جيني يستبعد الشخص من احتمال الأبوة، وبين عدم الاستبعاد (Non-exclusion)، أي أن النتيجة لا تستبعده دون أن تثبت وحدها أنه الأب، وبين الوصول إلى تحديد إيجابي للأبوة مدعوم بقوة إحصائية، أي أن درجة توافق الأنماط الجينية تكون عالية إلى حد يجعل فرضية الأبوة أكثر ترجيحاً بدرجة كبيرة من الفرضيات البديلة. وتُعبَّر هذه القوة عادةً بمؤشرات إحصائية، مثل احتمال الأبوة أو نسبة الترجيح (Likelihood Ratio)، التي تبيّن مقدار القوة التي تضيفها النتيجة الجينية إلى البناء الإثباتي. ومن ثم، لا يجوز وضع الاستبعاد، وعدم الاستبعاد، والنتيجة الإيجابية المدعومة إحصائياً في مرتبة إثباتية واحدة.
ومن هذه الزاوية تبدو السابقة القضائية للمحكمة العليا قوية في مجال علم الإثبات؛ إذ تلفت، ولو بصورة غير مباشرة، إلى أن قراءة التقرير العلمي يجب ألا تنفصل عن طبيعة النتيجة التي يقدمها. وكان يمكن للحكم أن يكون أكثر دقة لو فصل بصورة صريحة بين نوع النتيجة الجينية من ناحية، وبين الأثر القانوني الذي يمكن أن يرتبه عليها من ناحية أخرى.
(سابعاً) اختزال الـ DNA في مفهوم (المشابهة):
——————————
مع ذلك (عدم الاستبعاد)، تبقى إحدى أهم نقاط النقد العلمي في السابقة القضائية هي اختزال البصمة الوراثية في مفهوم (المشابهة) الذي أقيم عليه القياس على القيافة. فالقيافة تقوم على استدلال بشري وصفي على التشابه الظاهري بين الأشخاص، بينما الـ DNA يقوم على تحليل مخبري معملي لمؤشرات وراثية وفق منهج علمي وإحصائي.
وعليه، فالفارق بين القيافة والبصمة ليس مجرد فارق في درجة اليقين، وإنما هو فارق في طبيعة المعرفة الإثباتية ذاتها. فالـDNA ليس ببساطة (قيافة أكثر دقة)، بل يمثل نمطاً مختلفاً من الدليل العلمي، له مصادر بياناته الخاصة، ومنهج إنتاجه وتحليله وتفسيره.
ولا يعني ذلك أن المحكمة العليا أخطأت في النتيجة القانونية التي انتهت إليها، وإنما يعني أن التسبيب العلمي للقياس كان يمكن أن يكون أعمق، بحيث يظل التكييف الأصولي قائماً دون أن يؤدي إلى اختزال الطبيعة العلمية المستقلة للدليل الجيني.
(ثامناً) لماذا يهم (عدم الاستبعاد والمشابهة) في نظرية الإثبات المعاصر؟
——————————
تنبع أهمية هذه الملاحظة (عدم الإستبعاد والمشابهة) من أن الإثبات المعاصر لا يقيس الدليل بحسب شكله أو تسميته، وإنما بحسب مصدره، وطريقة إنتاجه، وقابليته للتحقق، ونسبة الخطأ المحتملة، وسلامة أخذ العينة وسلسلة حيازتها، وصلاحية المختبر والمنهج التحليلي، والقوة الإحصائية للنتيجة، وإمكان إعادة الاختبار، ومدى اتساقها مع باقي الأدلة.
وهذه العناصر لا تظهر في السابقة القضائية بصورة تفصيلية؛ إذ إن المحكمة العليا، رغم استنادها إلى النتيجة الجينية في سياق الحكم الجنائي (حكم جنائي سابق للدعوى) وما ترتب عليه من مسؤولية جنائية للطرفين، ركزت أساساً على المسألة التشريعية والفقهية المتعلقة بحجية الـDNA في إثبات النسب، ولم تفرد بحثاً مستقلاً للجانب العلمي المتعلق بكيفية إنتاج النتيجة الجينية، ودرجة قوتها الإثباتية، وحدود دلالتها، ومدى كفايتها للإسناد الجنائي.
وهنا تظهر إحدى أهم ثغرات السابقة القضائية إذا أريد قراءتها من منظور علم الإثبات المعاصر؛ فهي تحدد الوظيفة القانونية للـ DNA، لكنها لا تضع بالقدر الكافي الجسر المنهجي بين النتيجة الجينية وبين الاستنتاج الجنائي. فمجرد عدم الاستبعاد أو وجود المشابهة الجينية لا يساوي بذاته ثبوت الجريمة، ما لم تُبحث قوة النتيجة إحصائياً، وسلامة العينة وسلسلة حيازتها، ومنهج الفحص، واحتمالات الخطأ أو التلوث، ومدى توافقها مع سائر أدلة الدعوى الجنائية ومن ثم دعوى النسب. ومن ثم، فإن قوة الدليل الجيني العلمية تظل مسألة سابقة على ترتيب أثره الجنائي، ولا ينبغي أن يُستخلص من حجية الـ DNA في إثبات النسب، بذاتها، ثبوت المسؤولية الجنائية.
(تاسعاً) الحاجز القانوني بين الحقيقة البيولوجية والنسب:
——————————
يمكن تصوير فلسفة حكم السابقة القضائية في صورة سلسلة معرفية تبدأ بالحقيقة البيولوجية، ثم تمر بالدليل العلمي، ثم تصل إلى الأبوة البيولوجية، لكنها لا تنتقل آلياً إلى الأبوة القانونية. فهناك بين الأمرين حاجز يتمثل في السبب الشرعي أو القانوني المنشئ للنسب.
وبعبارة أخرى: الحقيقة البيولوجية ← DNA ← الأب البيولوجي، لكن: الأب البيولوجي ≠ بالضرورة الأب القانوني، لأن الوصول إلى: النسب القانوني يقتضي تحقق السبب الشرعي أو القانوني الذي يعترف به النظام القانوني.
وهذا هو قلب السابقة القضائية. فالمحكمة لا تنكر قدرة البصمة على الكشف عن الحقيقة البيولوجية، وإنما تمنع تحويل هذه الحقيقة، بمجرد ثبوتها، إلى مركز قانوني إذا كان السبب المنشئ لذلك المركز غير متحقق. ونواصل للحديث بقية.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي استشاري القانون والموثق
07 سبتمبر 2026م
The post االفريق شرطة. د. الطيب عبدالجليل حسين محمود يكتب…ا لبصمة الوراثية بين الحقيقة البيولوجية والحقيقة القانونية قراءة نقدية في الطعن رقم 20 لسنة 2026م أحوال شخصية المحكمة الاتحادية العليا – الامارات العربية المتحدة من منظور نظرية الإثبات المعاصر (2) first appeared on مسار ميديا.