![]()
تحتاج الغارة إلى ثوانٍ كي تهدم مبنى، ويكفي هاتف محمول كي تصل صور الضحايا إلى العالم بعد دقائق. أمّا تحويل ما حدث إلى قضية جنائية، وتحديد المسؤولين عنه، وإحضارهم أمام محكمة قادرة على إصدار حكم قابل للصمود، فقد يستغرق سنوات طويلة.
هكذا تنشأ الفجوة التي تجعل العدالة الدولية تبدو دائمًا متأخرة عن الجريمة.
لا يعني ذلك أن كل تأخير مبرر، أو أن المحاكم تعمل بعيدًا عن السياسة وموازين القوة. لكنه يكشف اختلافًا جوهريًا بين رؤية الجريمة وإثباتها. فقد يُظهر مقطع مصور انفجارًا ومقتل مدنيين، لكنه لا يكشف وحده من أصدر الأمر، وما الهدف المقصود، وما المعلومات التي كانت متاحة للمهاجم، وهل اتُخذت الاحتياطات الممكنة، ومن كان يملك السيطرة الفعلية على القوة المنفذة.
لذلك لا يبدأ الطريق إلى المحكمة بمشهد صادم فقط، وإنما بعملية طويلة تجمع بين حفظ الأدلة والتحقق من الوقائع وتحديد الوصف القانوني وإثبات الصلة بين الجريمة والمتهم، ثم تجاوز عقبات الاختصاص والقبض والمحاكمة. وفي كل مرحلة يمكن أن يتباطأ المسار أو يتوقف تمامًا.
الصورة ليست ملفًا قضائيًا
قد يكون مقطع الفيديو دليلًا مهمًا، لكنه لا يصبح صالحًا للاستخدام أمام المحكمة لمجرد انتشاره على المنصات. يحتاج المحققون إلى معرفة مصدره وتاريخ تسجيله ومكانه، والتحقق من عدم تعديله أو اقتطاعه من سياقه. كما يجب حفظ النسخة الأصلية وتوثيق الطريقة التي انتقل بها الملف إلى المحققين، حتى يستطيع الادعاء إثبات سلامته أمام الدفاع والقضاة.
في هذا السياق، وضع بروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر، الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومركز حقوق الإنسان في جامعة كاليفورنيا، إرشادات لجمع المواد المنشورة على الإنترنت وتحليلها وحفظها. فوفرة الصور لا تعني تلقائيًا وفرة الأدلة؛ إذ يمكن أن تكون عشرات المقاطع نسخًا من مصدر واحد، أو أن تفتقر إلى البيانات اللازمة لتحديد زمانها ومكانها.
تزداد الصعوبة عندما تستمر الحرب. قد يتعذر الوصول إلى موقع الهجوم، وتُزال الأنقاض، وتضيع بقايا الذخائر، وتتغير معالم المكان. وقد يُقتل الشهود أو ينزحون أو يخشون التحدث، فيما تبقى الوثائق العسكرية وسجلات الاتصالات والأوامر العملياتية في حوزة الجهة المشتبه في مسؤوليتها.
لهذا يستطيع صحافي أو فريق توثيق الوصول إلى ترجيح قوي بشأن ما وقع، بينما يحتاج الادعاء الجنائي إلى مستوى مختلف من الإثبات. فالمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي، لا تدين شخصًا إلا إذا اقتنع القضاة بذنبه “بما لا يدع مجالًا لشك معقول“.
من الواقعة إلى المسؤول
في الجرائم العادية، يكون السؤال غالبًا: “من نفذ الفعل؟“. أمّا في الجرائم الدولية، فقد يكون المنفذ المباشر معروفًا، فيما تتركز القضية على مسؤولين أعلى رتبة:
“من وضع الخطة؟ من أصدر الأمر؟ من كان يعلم؟ ومن امتلك القدرة على منع الجريمة أو معاقبة مرتكبيها ولم يفعل؟”
لا يكفي إثبات مقتل مدنيين وحده، على فداحته، لإدانة قائد عسكري أو مسؤول سياسي.
يجب ربط الواقعة بسلسلة القيادة وبقرارات محددة، وتحديد طبيعة الهدف والمعلومات التي سبقت الهجوم والقواعد التي حكمت استخدام القوة. وفي قضايا الإبادة الجماعية، يصبح إثبات النية الخاصة بتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا عنصرًا حاسمًا يزيد المهمة تعقيدًا.
يعرف القانون أيضًا مسؤولية القيادة، لكنها ليست افتراضًا آليًا بأن القائد مسؤول عن كل ما يفعله مرؤوسوه. تتطلب المادة 28 من نظام روما إثبات شروط تتعلق بالسيطرة الفعلية والمعرفة أو وجوب المعرفة، والفشل في اتخاذ التدابير اللازمة والمعقولة لمنع الجرائم أو قمعها أو إحالة المسألة إلى السلطات المختصة.
وكما شرحت حلقة سابقة من سلسلة “القانون في زمن الحرب“، فإن وقوع انتهاك لا يكفي وحده لإدانة شخص بجريمة حرب؛ إذ يجب إثبات عناصر الجريمة المادية والذهنية، إلى جانب مسؤولية المتهم عنها.
يتعامل المحققون كذلك مع آلاف الحوادث والضحايا والوثائق. لكن المحكمة لا تستطيع محاكمة حرب كاملة دفعة واحدة، لذلك يختار الادعاء عددًا محددًا من الوقائع والمتهمين القادرين على تمثيل نمط أوسع من الجرائم. وقد يؤدي توسيع القضية أكثر مما يحتمل الدليل إلى محاكمة متعثرة، فيما يترك تضييقها ضحايا كثيرين خارج الملف.
المحاسبة الدولية ليست محكمة واحدة
لا تبدأ المحاسبة بالضرورة من لاهاي. فالمحاكم الوطنية تظل الطريق الأصلي للتحقيق والملاحقة، سواء استنادًا إلى وقوع الجريمة على أراضي الدولة أو جنسية المتهم أو الضحية، أو إلى الولاية القضائية العالمية التي تتيحها بعض التشريعات الوطنية لجرائم دولية خطيرة وفق شروط محددة.
وقد تنشأ محاكم خاصة بقرار دولي، مثل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، أو محاكم مختلطة تجمع قضاة وطنيين ودوليين، أو آليات تحقيق تجمع الأدلة وتحفظها تمهيدًا لاستخدامها أمام محاكم وطنية أو دولية. أما المحكمة الجنائية الدولية فليست بديلًا تلقائيًا من هذه المسارات.
تعمل المحكمة وفق مبدأ التكامل المنصوص عليه في المادة 17 من نظام روما، أي إنها تتدخل عندما تكون القضية داخلة في اختصاصها، ولا تجري الدولة المختصة تحقيقًا أو محاكمة حقيقيين، أو تكون غير راغبة أو غير قادرة فعلًا على القيام بذلك. وقد تستغرق المنازعات حول وجود إجراءات وطنية جدية ومدى تطابقها مع القضية الدولية وقتًا إضافيًا قبل الوصول إلى أصل الاتهامات.
كما أوضحت حلقة سابقة من هذه السلسلة عن سبب عدم ضمان اتفاقيات جنيف للمحاسبة وحدها، فإن وجود القاعدة القانونية لا ينشئ تلقائيًا جهازًا قادرًا على التحقيق والقبض والمحاكمة.
قبل المحاكمة.. هل تملك المحكمة الاختصاص؟
حتى الأدلة القوية لا تفتح أبواب كل المحاكم. فالمحكمة الجنائية الدولية لا تملك اختصاصًا عالميًا مطلقًا، ولا تحاكم الدول أو الجيوش بوصفها مؤسسات، وإنما تنظر في المسؤولية الجنائية للأفراد عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان ضمن الشروط التي يحددها نظام روما.
يمكن أن يصل الوضع إلى المحكمة بإحالة من دولة طرف، أو بتحرك من المدعي العام بعد الحصول على الإذن القضائي اللازم، أو بإحالة من مجلس الأمن. ويرتبط الاختصاص، في الأصل، بوقوع الجريمة على أرض دولة قبلت اختصاص المحكمة أو بكون المتهم من رعاياها، ما لم يُحل الوضع من مجلس الأمن أو تقبل دولة غير طرف اختصاص المحكمة في حالة معينة.
هناك كذلك حدود زمنية؛ فالمحكمة لا تنظر في الجرائم السابقة لدخول نظام روما حيز التنفيذ عام 2002، ولا في الجرائم التي سبقت نفاذه بالنسبة إلى الدولة المعنية، وفق الشروط التي يحددها النظام. ولذلك تبقى بعض الجرائم من اختصاص المحاكم الوطنية، أو المحاكم الخاصة والمختلطة، أو الآليات التي تنشئها الأمم المتحدة.
مذكرة التوقيف ليست اعتقالًا
بعد جمع الأدلة وتحديد المشتبه فيهم، يستطيع المدعي العام أن يطلب من القضاة إصدار مذكرة توقيف أو أمر بالحضور. لكن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك جهاز شرطة يتولى مطاردة المطلوبين. وهي توضح في شرحها الرسمي لكيفية عمل المحكمة أنها تعتمد على الدول في تنفيذ أوامر القبض ونقل المتهمين إلى لاهاي.
هنا يظهر أحد أكبر أسباب التأخير. فقد تصدر مذكرة التوقيف، ثم يبقى المتهم حرًا سنوات إذا كان داخل دولة تحميه أو ترفض التعاون، أو إذا احتفظ بالسلطة والنفوذ. ويمكن للمحكمة أن تطلب التعاون وأن تحيل عدم امتثال دولة إلى جمعية الدول الأطراف أو مجلس الأمن، لكنها لا تستطيع إرسال قوة لتنفيذ المذكرة.
ولا تسقط مذكرة التوقيف تلقائيًا مع مرور الوقت. قد تبقى معلقة حتى تتغير الحكومة أو يفقد المطلوب الحماية أو يسافر إلى دولة مستعدة لاعتقاله. وبذلك يمكن أن تفصل سنوات طويلة بين قرار القضاة وظهور المتهم أمامهم.
ملاديتش.. 16 عامًا قبل الاعتقال
وبحسب الآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين، استمرت جلسات المحاكمة 530 يومًا، وقبلت المحكمة 9914 مستندًا ومعروضًا، واستمعت أو تلقت أدلة من 592 شاهدًا. هذه الأرقام تفسر جانبًا من طول المحاكمة بعد القبض، لكنها لا تفسر السنوات الست عشرة التي سبقته؛ فتلك ارتبطت أساسًا بعدم تنفيذ أمر الاعتقال.
لماذا تستمر المحاكمة نفسها سنوات؟
عندما يمثل المتهم أمام المحكمة، تبدأ مجموعة جديدة من الضمانات والإجراءات. تُعرض التهم على قضاة المرحلة التمهيدية للتأكد من وجود أدلة كافية للانتقال إلى المحاكمة، ثم يتبادل الادعاء والدفاع المواد، ويُكشف ما يمكن أن يفيد المتهم، وتُترجم آلاف الصفحات، وتُنظم مشاركة الضحايا، وتُتخذ تدابير لحماية الشهود.
تبدو هذه الإجراءات بطيئة أمام هول الجريمة، لكنها جزء من عدالة المحاكمة. فالمحاسبة لا تتحقق بحكم سريع قابل للانهيار، ولا بمحاكمة تتبنى رواية الاتهام من دون اختبارها. ويملك المتهم حق الاطلاع على الأدلة ومناقشة الشهود وتقديم دفاعه والطعن في الحكم.
أين تدخل السياسة؟
لا تعمل العدالة الدولية في فراغ. يستطيع مجلس الأمن إحالة أوضاع إلى المحكمة حتى عندما تكون الدولة المعنية غير طرف في نظام روما، لكن استخدام حق النقض قد يمنع إحالات أخرى. كما تسمح المادة 16 من النظام للمجلس، بقرار يصدر بموجب الفصل السابع، بطلب وقف التحقيق أو المقاضاة لمدة 12 شهرًا قابلة للتجديد.
وتملك الدول نفوذًا حاسمًا من خلال تنفيذ المذكرات، وتبادل المعلومات، وحماية الشهود، والسماح للمحققين بدخول أراضيها. ولهذا قد يتحرك ملف بسرعة عندما يتوافر التعاون، بينما يبقى ملف آخر معلقًا رغم تشابه خطورة الجرائم.
لا يجعل ذلك كل قضية دولية قرارًا سياسيًا مقنعًا، لكنه يفسر انتقائية الوصول إلى المحكمة. فالقانون يحدد عناصر الجريمة ومعايير الإثبات، بينما تحدد موازين القوة، في أحيان كثيرة، ما إذا كان المحقق سيصل إلى الموقع، وما إذا كان الشاهد سيحظى بالحماية، وما إذا كان المتهم سيمثل أمام القضاة أصلًا.
وقد ظهر أثر الضغط السياسي على المحكمة في مراحل مختلفة، من رفض التعاون إلى فرض العقوبات والتهديد بها. وتعرض مادة سابقة من أرشيف “التلفزيون العربي” تفاوت علاقة أميركا بالمحكمة الجنائية الدولية بحسب القضية والإدارة الحاكمة.
اقرأ أيضًا من سلسلة “القانون في زمن الحرب“
متى يكون البطء ضمانة ومتى يصبح إفلاتًا؟
ثمة بطء يصعب تجنبه: فحص الأدلة، وحماية الشهود، ومنح الدفاع حقوقه، وترجمة الوثائق، وإثبات مسؤولية القيادات بما يتجاوز الشك المعقول.
اختصار هذه المراحل قد ينتج أحكامًا هشة أو محاكمات لا تختلف عن الانتقام السياسي.
لكن ثمة بطء آخر تصنعه الحكومات حين تحجب المعلومات، وتحمي المطلوبين، وتمنع الوصول إلى مواقع الجرائم، أو تستخدم المؤسسات الدولية بصورة انتقائية.
هذا النوع لا يحمي عدالة المحاكمة، وإنما يوسع المسافة بين الجريمة والعقاب.
تترك السنوات الطويلة أثرًا قاسيًا: يموت الشهود، وتتلاشى الذاكرة، وتضيع الأدلة، ويشعر الضحايا بأن الاعتراف بمعاناتهم مؤجل بلا نهاية. كما تضعف القيمة الردعية للقانون عندما يرى المرتكبون أن صدور مذكرة لا يعني بالضرورة تنفيذها.
ففي منتصفه تقف دائمًا الدول: تملك الأدلة والمعابر وأجهزة الشرطة، وتستطيع أن تجعل مذكرة التوقيف بداية المحاكمة أو ورقة تنتظر سنوات في أرشيف المحكمة.
المصادر والمراجع
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
- كيف تعمل المحكمة الجنائية الدولية؟
- مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية
- قواعد الإجراءات والإثبات في المحكمة
- بروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر
- قضية راتكو ملاديتش – الآلية الدولية التابعة للأمم المتحدة
- قضية توماس لوبانغا – المحكمة الجنائية الدولية
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر: الملاحقة الجنائية للانتهاكات الخطيرة
