![]()
لم تعد الأزمة الإنسانية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، حيث تكشف صور الأقمار الصناعية عن أضرار لحقت بمحطات الوقود والكهرباء، ومرافق صحية، ومنشآت مدنية أخرى، بالتزامن مع اتساع مواقع إيواء النازحين وظهور طوابير طويلة أمام المحطات التي لا تزال تعمل.
وترسم هذه المشاهد صورة مدينة تتآكل فيها تدريجيًا مقومات البقاء الأساسية، وسط الضربات العسكرية، وانقطاع الكهرباء، وشح الوقود والمياه.
وتحضر هذه الأزمة في سياق الحرب التي دفعت السودان إلى ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم. ويحتاج نحو 34 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، فيما يواجه ملايين السودانيين مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
تدهو واسع في نواحي الحياة
كما أجبرت الحرب نحو 13 مليون شخص على مغادرة منازلهم، بين نازحين داخل البلاد ولاجئين عبر الحدود، وسط تدهور واسع في الخدمات الصحية والإنسانية.
وفي يوليو/ تموز، حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن كارثة إنسانية جديدة تتكشف في الأُبيّض، مشيرًا إلى أن سكان المدينة عاشوا طوال الأشهر الثمانية عشر الماضية في ظروف تشبه الحصار، وتعرضوا لضربات متواصلة بالطائرات المسيّرة، بالتزامن مع احتدام القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في محيط المدينة.
ووثّق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان 15 هجومًا بالطائرات المسيّرة على الأُبيّض ومحيطها، خلال الفترة بين 6 و28 يونيو/ حزيران، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنيًا وإصابة 41 آخرين. كما أصابت ضربات تنسبها مصادر أممية ومحلية إلى قوات الدعم السريع مرافق خدمية حيوية، ما فاقم أزمات الوقود والمياه والكهرباء، وأضعف قدرة المستشفيات والمرافق العامة على مواصلة العمل.
واعتمد فريق “مسبار” في هذا التقرير على تحليل صور أقمار صناعية، ومقاطع مصورة، وتقارير أممية، ومواد مفتوحة المصدر، لتتبع الأضرار التي لحقت بمحطات الوقود، ومحطة الكهرباء الرئيسية، ومرافق طبية، وأسواق، ومقار حكومية وإعلامية. كما يفحص العلاقة بين تضرر هذه المنشآت وتراجع قدرة المدنيين على البقاء داخل المدينة، بالتزامن مع توسع مواقع النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
تقليص خيارات المدنيين
ولا تثبت صور الأقمار الصناعية وحدها أن دفع السكان إلى النزوح كان هدفًا مباشرًا للضربات، لكنها تكشف نمطًا من الأضرار يقلص خيارات المدنيين، ويجعل مواصلة الحياة داخل الأُبيّض أكثر صعوبة وخطورة.
وتقع مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، عند تقاطع طرق رئيسية تربط وسط السودان بغربه وجنوبه. وتمثل المدينة عقدة مواصلات رئيسية تصل كوستي بإقليم دارفور، وترتبط كذلك بالخرطوم عبر عدة محاور. ومنحها هذا الموقع أهمية عسكرية ولوجستية، جعلتها إحدى أبرز مناطق التنافس بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وأعلن الجيش السوداني في 23 فبراير/ شباط العام الماضي فك الحصار عن الأُبيّض، بعد وصول قوات “متحرك الصياد” إلى المدينة والتحامها بقوات الفرقة الخامسة مشاة، منهيًا حصارًا فرضته قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، ومعيدًا فتح أحد أهم طرق الإمداد إليها.
لكن فك الحصار لم ينهِ المخاطر التي تواجه المدينة. فخلال الأشهر الأولى من عام 2026، كثفت قوات الدعم السريع هجماتها بالطائرات المسيّرة على الأُبيّض ومحيطها، بالتزامن مع استمرار الضغوط على طرق الإمداد والخدمات الأساسية.
وتقدّر الأمم المتحدة عدد المدنيين المعرضين للخطر داخل الأُبيّض بنحو 500 ألف شخص، في وقت تسببت فيه الضربات والقصف في إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية وتعطيل طرق الإمداد وتهديد وصول المساعدات الإنسانية.
ضغوط متواصلة على الجيش السوداني
ووفق تقرير مختبر الشؤون الإنسانية في جامعة ييل، تشير تقارير مفتوحة المصدر إلى تمركز قوات الدعم السريع غرب الأُبيّض وشمالها وجنوبها. إلا أن المختبر أكد أنه لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من مواقع هذه القوات أو حجمها، كما لم يرصد مؤشرات كافية للجزم بقرب سقوط المدينة. وفي المقابل، لا تزال القوات المسلحة السودانية تحتفظ ببعض طرق الإمداد الشرقية باتجاه كوستي، رغم تعرضها لضغوط متواصلة.
كما تتوافق خريطة متابعة ميدانية منشورة عبر Vista Maps مع صورة عامة لتموضع القوات في محيط الأُبيّض، إذ تُظهر مواقع لقوات الدعم السريع شمال المدينة وغربها، مقابل استمرار سيطرة الجيش السوداني على المدينة ومحاورها الشرقية.
وتكشف لقطات Google Earth المؤرخة في 6 أبريل 2026 عن شبكة واسعة من التحصينات الدفاعية حول الأُبيّض، تتكون من خنادق وسواتر ترابية تمتد حول معظم محيط المدينة. كما تظهر آليات هندسية ثقيلة بالقرب من بعض أجزاء الخندق، ما قد يشير إلى أن أعمال الحفر أو التعميق والتدعيم كانت مستمرة وقت التقاط الصور.
حصار متعدد الاتجاهات
وبحسب القياسات التي أجراها فريق التقرير باستخدام أدوات Google Earth، يمتد نظام الخنادق والسواتر لأكثر من 50 كيلومترًا. ويتقاطع هذا القياس مع تقدير مختبر جامعة ييل، الذي حدد طول شبكة التحصينات بنحو 51 كيلومترًا، ورأى أن طبيعتها وتوزيعها يتسقان مع وضع دفاعي أعده الجيش لمواجهة حصار متعدد الاتجاهات أو محاولة لاقتحام المدينة.
ورغم أن هذا المشهد يثير مخاوف من تكرار بعض أنماط الحصار التي شهدتها الفاشر، خصوصًا تطويق المدينة وضرب طرق الإمداد والبنية التحتية، لا تكفي الأدلة المتاحة للجزم بأن الظروف في الأُبيّض تطابق ما جرى في الفاشر. وقد شدد مختبر جامعة ييل نفسه على عدم توافر مؤشرات، حتى تاريخ تقريره، إلى وجود الظروف نفسها التي رافقت عمليات القتل واسعة النطاق في الفاشر.
وتكشف صور الأقمار الصناعية المتاحة عبر Google Earth جانبًا من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية في مدينة الأُبيّض، بالتزامن مع تصاعد الضربات بالطائرات المسيّرة وتفاقم أزمات الكهرباء والوقود والمياه والخدمات الصحية.
وتبيّن صور مؤرخة في 6 أبريل 2026 أضرارًا واضحة في مبنى المجلس التشريعي بمدينة الأُبيّض، بينها موضعان كبيران في سقف المبنى. كما تكشف مقارنة صور برنامج Copernicus، الملتقطة بين 14 و24 يناير/ كانون الثاني 2026، عن أضرار جديدة ظهرت خلال تلك الفترة في المبنى الواقع عند الإحداثيات [13.1783، 30.21983].
أضرار تتسق مع قصف جوي
ويكشف تقرير مختبر الشؤون الإنسانية في جامعة ييل عن نمط متكرر من الضربات التي أصابت محطات الوقود في أنحاء مختلفة من الأُبيّض. وخلص المختبر إلى أن ثماني محطات تعرضت لأضرار تتسق مع القصف الجوي خلال شهر واحد، بين 25 مايو و25 يونيو 2026.
وبتوسيع الإطار الزمني، رصد المختبر أضرارًا في 11 محطة وقود على الأقل بين 19 فبراير و25 يونيو 2026. وخلُص إلى أن تضرر هذه المحطات أسهم في تفاقم أزمة الوقود والكهرباء، وأضعف قدرة السكان على استخدام المركبات لمغادرة المدينة، كما أثر في تشغيل المستشفيات ومضخات المياه ونقل السلع والمساعدات الإنسانية.
وتُبيّن الخريطة التي أعدها فريق مسبار أن المحطات المتضررة موزعة على عدة مناطق داخل المدينة، بما يشير إلى أن الأضرار لم تتركز في حي واحد أو على محور جغرافي محدود.
ومن بين المحطات التي رصدها فريق مسبار محطة “قادرة للبترول”، الواقعة وسط المدينة عند الإحداثيات [13.17444، 30.21329]. وتُظهر المقارنة بين صور 25 مايو و25 يونيو 2026 أضرارًا جديدة لحقت بالمحطة وبعض مرافقها الممتدة على جانبي الطريق.
كما تُظهر أحدث صور Google Earth أضرارًا كبيرة في محطة “الوطنية للبترول”. وبحسب تحليل مختبر الشؤون الإنسانية في جامعة ييل، ظهرت هذه الأضرار خلال الفترة بين 4 و17 مارس 2026.
تحذير دولي من التدهور الإنساني
وخلال الفترة نفسها، تعرضت محطة “المقرن”، الواقعة غرب المدينة على طريق B26، لأضرار واسعة. وتُظهر الصور تدمير معظم منشآت المحطة، فيما يرجح تقرير مختبر جامعة ييل أن الضرر وقع بين 4 و17 مارس/ آذار 2026.
وتزامن تضرر عدد كبير من محطات الوقود مع ظهور طوابير طويلة من المركبات أمام المحطات التي واصلت العمل. وتوفر صور الأقمار الصناعية مؤشرًا بصريًا على حجم الضغط الواقع على إمدادات الوقود، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد أسباب كل طابور أو قياس حجم النقص الفعلي في السوق.
وحلل فريق مسبار صورًا ملتقطة أمام محطة وقود الأصفياء، الواقعة عند الإحداثيات [13.180067، 30.18192]، وأظهرت طابورًا من المركبات يمتد على الطريق لمسافة تقارب 550 مترًا.
كما تُظهر صور أخرى تجمعات لمركبات وأفراد في طوابير تمتد مئات الأمتار بالقرب من محطة طلعت، الواقعة عند الإحداثيات [13.15341، 30.2118198].
وتتسق هذه المشاهد مع ما أورده تقرير مختبر الشؤون الإنسانية في جامعة ييل، الذي رصد في صور 25 يونيو طوابير طويلة أمام محطات بدت عاملة، ولم تكن ظاهرة في صور التقطت في 25 مايو. كما أشار التقرير، نقلًا عن مصادر محلية، إلى أن أزمة الوقود أدت إلى توقف بعض مرافق المياه وإغلاق أقسام للطوارئ ومركز لغسل الكلى بسبب نقص الطاقة والإمدادات.
ولا يقتصر أثر هذه الأضرار على حركة المركبات، إذ تعتمد أجزاء من شبكة المياه والمرافق الصحية على الكهرباء أو الوقود لتشغيل المضخات والمولدات. ونتيجة لذلك، تزامن تضرر محطات الطاقة والوقود مع انقطاع الكهرباء وشح المياه، وتراجعت قدرة عدد من المنشآت الصحية والخدمية على مواصلة تقديم خدماتها.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة من التدهور المتسارع للوضع الإنساني في إقليم كردفان. ووفق بياناتها، ارتفع عدد النازحين الجدد منذ بدء التصعيد في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بنسبة 65%، من أكثر من 132 ألف شخص في فبراير 2026 إلى أكثر من 219 ألفًا بحلول أواخر يونيو.
كما سجلت المنظمة أكثر من 100 حادثة تسببت في النزوح خلال أقل من تسعة أشهر، بمعدل حادثة كبيرة كل يومين أو ثلاثة أيام تقريبًا.
وتتسق هذه البيانات مع نتائج تحليل صور الأقمار الصناعية. فقد رصد فريق مسبار زيادة في عدد الهياكل المؤقتة داخل أحد مواقع النزوح في مدينة الأُبيّض، من خلال مقارنة صور التقطت في 6 أبريل و4 أغسطس/ آب 2026.
وفي تحليل لاحق، وثق مختبر الشؤون الإنسانية في جامعة ييل زيادة بأكثر من 700 هيكل مؤقت داخل مواقع النازحين في الأُبيّض خلال شهر واحد. وتركزت الزيادة الأكبر في الموقع الرئيسي وسط المدينة، حيث أضيف ما لا يقل عن 694 هيكلًا مؤقتًا بين 25 مايو و25 يونيو 2026، إلى جانب توسع موقع آخر شرقي المدينة.
ومع نهاية يونيو وبداية يوليو، بدأت حسابات مرتبطة بقوات الدعم السريع نشر رسائل تحث سكان الأُبيّض على مغادرة المدينة، بدعوى الحفاظ على أرواحهم، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من هجوم بري محتمل. وفي 29 يونيو، دعت ما تُعرف بـ”حكومة السلام” الموازية، المنبثقة عن تحالف “تأسيس” المتحالف مع قوات الدعم السريع، إلى فتح ممرات آمنة تتيح للمدنيين الراغبين في مغادرة الأُبيّض الوصول إلى مناطق أكثر أمانًا، كما أعلنت استعدادها للتنسيق مع شركاء دوليين وإقليميين لتسهيل خروج المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية.
وتزامنت هذه الدعوات مع تصاعد الهجمات التي طاولت طرق الإمداد المؤدية إلى الأُبيّض. ففي فبراير، أدانت الأمم المتحدة هجومًا بطائرة مسيّرة استهدف شاحنات متعاقدة مع برنامج الأغذية العالمي كانت في طريقها من كوستي إلى العائلات النازحة قرب الأُبيّض، ما أدى إلى مقتل شخص واحتراق شاحنات وتدمير مساعدات غذائية.
واتهمت مجموعة “محامو الطوارئ” قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجوم، بينما لم تسمِّ الأمم المتحدة الجهة المسؤولة في بيانها.
وفي 27 يونيو، اتهمت مفوضية العون الإنساني السودانية قوات الدعم السريع باستهداف شاحنة تحمل نحو 50 طنًا من الدقيق قرب مدينة الرهد، أثناء توجهها إلى الأُبيّض، ما أسفر عن مقتل السائق وإصابة مرافقيه وتلف معظم الحمولة.
ولا تثبت الأدلة المتاحة وجود سياسة معلنة لتهجير السكان، لكنها تُظهر كيف تتقلص خيارات المدنيين بين البقاء في مدينة تتراجع فيها الخدمات، أو المغادرة عبر طرق تتعرض بدورها للضربات.
.jpg)