![]()
مع بدء تسجيل القوائم للانتخابات التشريعية الفلسطينية، المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، يواجه الفلسطينيون اليوم أخطر مخطط لتهجيرهم وسلب أرضهم، وسط تساؤلات بشأن مدى الحاجة إلى إجراء الانتخابات في هذه المرحلة، أو التوجه بدلاً من ذلك إلى حوار وطني شامل للخروج من المأزق الذي يعيشونه.
وتطرح الانتخابات المرتقبة تساؤلات أخرى حول إمكانية إجرائها في موعدها، في ظل احتمال تدخل الاحتلال لعرقلتها، أو تأجيلها بقرار فلسطيني، كما حدث في المرة السابقة. كما تبرز تساؤلات بشأن خريطة التحالفات التي ستخوض الانتخابات في حال إجرائها.
الانتخابات التشريعية الفلسطينية
وفي 9 يوليو/تموز الماضي، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا حدد بموجبه 28 نوفمبر موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية في مدينة القدس والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، لتكون الأولى من نوعها منذ عام 2006.
وتعطل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2007، عقب الانقسام الفلسطيني، فيما أصدر عباس قرارًا بحله عام 2018.
وكانت انتخابات تشريعية ورئاسية مقررة عام 2021 قد أُلغيت بعد قرار الرئيس عباس تأجيلها، مبررًا ذلك بعدم وجود موافقة إسرائيلية تضمن مشاركة الفلسطينيين في القدس المحتلة.
وتُعد الانتخابات المرتقبة الثالثة للمجلس التشريعي الفلسطيني، بعد انتخابي عامي 1996 و2006، فيما يبلغ عدد مقاعد المجلس المقبل 132 مقعدًا.
لماذا الانتخابات الآن؟
وفي هذا الإطار، يرى علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أن الأهداف الأساسية للانتخابات واضحة ومعلنة، وأبرزها إعادة الشرعية والمصداقية للنظام السياسي الفلسطيني بعد عشرين عامًا من آخر انتخابات وما تبعها من انقسام طويل الأمد.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من رام الله أن الهدف الثاني يتمثل في تثبيت ولاية الكيان الفلسطيني على كامل الأرض المحتلة عام 1967، مشيرًا إلى خطورة المشاريع التي تسعى لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ما يجعل من الضروري أن يكون للمجلس التشريعي ولاية تشمل الجزأين معًا.
وأضاف أن من بين الأهداف أيضًا تعزيز مبدأ المحاسبة والمساءلة، بعد فترة طويلة غابت فيها الرقابة على من يتولون السلطة في الضفة وغزة، فضلًا عن إعادة الحياة إلى نظام سياسي أصابه الجمود.
وأكد أن الانتخابات استحقاق لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يُحرم منه، مشددًا على أن استمرار الشكوك بشأن إمكانية إجرائها بعد شهر يعكس أزمة كبيرة.
وأشار الجرباوي إلى أن الحوار الوطني لا يتعارض مع الانتخابات، لكنه تساءل: مع من يُعقد هذا التوافق؟ هل يشمل جميع الفصائل داخل منظمة التحرير وخارجها؟ وهل يمثل كامل الطيف السياسي الفلسطيني؟ وانتقد فكرة تغييب الشعب عن القرار بحجة الإجماع الوطني، معتبرًا أن من حق المواطن أن يختار ويغيّر التركيبة السياسية عبر صناديق الاقتراع.
وختم بالقول إن أي حوار وطني يبقى شأنًا بين الفصائل لترتيب تحالفاتها الداخلية، لكن لا يلغي حق الشعب في ممارسة خياره الديمقراطي عبر الانتخابات.
فتح: الانتخابات والحوار يمكن أن يسيرا معًا
من جهته، تحدث قدورة فارس، القيادي في حركة فتح، عن خصوصية هذه الانتخابات، معتبرًا أنه من المؤسف أن يُطرح سؤال حول ما إذا كانت ستُجرى أم لا، في حين أنها استحقاق ديمقراطي أساسي.
وأوضح أن الجدل القائم بين “الحوار الوطني أم الانتخابات” غير مبرر، فكلٌّ منهما حق للشعب الفلسطيني، إذ يتيح الحوار مراجعة التجربة الممتدة لعشرين عامًا ومحاسبة المسؤولين عن الأخطاء، فيما تمنح الانتخابات الشعب حق الاختيار والمساءلة. وأكد أن الخطوتين يمكن أن تسيرا معًا دون تعارض.
وأشار فارس إلى أن انتخابات عام 2021 أُعلنت بمرسوم في إطار توافق وطني، لكنها أُلغيت بقرار أحادي، بينما هذه المرة صدر المرسوم عن الرئيس الفلسطيني، ومع ذلك بدأ الحديث عن حوار قد يقود إلى الإلغاء أو التأجيل.
وأضاف أن واقع الفلسطينيين اليوم معقد ومرير، وأن غياب الثقة بين المواطن والطبقة السياسية يجعل الانتخابات محل شك، إذ يرى المواطن أن هناك من يسعى إلى مصادرة حقه في اختيار ممثليه. وشدد على أن وجود مجلس تشريعي منتخب سيُسهّل مهمة الحوار الوطني ويجعل نتائجه أكثر قابلية للتطبيق.
وبشأن تحالفات حركة فتح، أوضح أن التحالفات مرغوبة، لكن الدعوات إلى الحوار في هذا الوقت الضيق قد تكون محاولة لدفع الشعب إلى الاختيار بين الوحدة الوطنية والانتخابات، في حين أن المطلوب هو الجمع بينهما.
وأضاف أن بعض الأطراف قد تسعى لتأجيل الانتخابات إلى منتصف العام المقبل لتشكيل قائمة موحدة تضم جميع الفصائل، معتبرًا أن خصوصية الوضع الداخلي لا تستدعي الدخول في منافسات حادة، بل تستدعي احترام إرادة الشعب والقانون الأساسي الذي ينص على إجراء الانتخابات في موعدها.
الجبهة الديمقراطية: حوار وطني شامل قبل الاستحقاق
من ناحيته، أوضح حلمي الأعرج، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أن موضوع الانتخابات نوقش داخل اللجنة التنفيذية واللجنة التحضيرية، لكن لم يكن هناك توافق مسبق على موعدها. وأشار إلى أن بعض الأطراف اقترحت أن يسبق الانتخابات حوار وطني شامل يضمن التوافق على القضايا الملحة، سواء المتعلقة بالانتخابات أو بالملفات الوطنية الكبرى، مع الأخذ في الاعتبار مواعيد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية.
وأضاف أن الأهم هو الحوار الوطني الشامل الذي جرى التأكيد عليه دون التزام فعلي، لافتًا إلى أن تحديد يوم 28 نوفمبر لإجراء الانتخابات ترافق مع تمديد فترة تسجيل القوائم، على أمل أن يُعقد حوار وطني في القاهرة يعيد النظر في القرار.
وشدد الأعرج على أن الانتخابات تمثل ضرورة وطنية وديمقراطية واستحقاقًا دستوريًا، ويجب أن تحظى بإجماع وطني يلتف حوله الشعب وقواه السياسية ومؤسساته، لتحويلها إلى معركة وطنية ديمقراطية في مواجهة الاحتلال الذي يسعى لتكريس الفصل بين الضفة وغزة.
وأكد أنه حتى في حال تأجيل الانتخابات، وهو أمر تعارضه الجبهة، يجب أن يكون التأجيل مؤقتًا، بحيث تُجرى التشريعية والرئاسية معًا في إطار توافق وطني.
وأضاف أن الوحدة الوطنية هي رافعة أساسية للنضال ومواجهة الاحتلال، وهي شرط لإنجاح الانتخابات على كامل الأرض الفلسطينية.
وختم بالقول إن إسرائيل لا تريد هذه الانتخابات وتسعى لتعطيلها لإبقاء الحالة الفلسطينية ممزقة، ولمنع توحيد النظام السياسي ومنح الشرعية لسلطة تتعرض للتآكل، معتبرًا أن مواجهة هذه السياسات تتطلب وحدة وطنية صلبة وحوارًا شاملًا يواكب الاستحقاق الانتخابي.
