الانتخابات النصفية 2026.. كيف تؤثر الحرب والرسوم الجمركية في خيارات الناخب الأميركي؟

الانتخابات النصفية 2026.. كيف تؤثر الحرب والرسوم الجمركية في خيارات الناخب الأميركي؟

Loading

الحرب بعيدة، لكن فاتورتها قريبة.


كيف تدخل السياسة الخارجية إلى حسابات الناخب الأميركي عبر الوقود والأسعار؟

في كثير من الاستحقاقات الانتخابية الأميركية، تتوارى السياسة الخارجية خلف ستائر القضايا اليومية؛ فالناخب تحركه جيبه أولًا، وتشغله أسعار الوقود والسلع قبل ملفات عابرة للحدود. وقد لخّص مستشار الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، جيمس كارفيل، هذه الأولوية في حملة عام 1992 بعبارة أشهر من أن تُنسى: “إنه الاقتصاد يا غبي“.

غير أن انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 تعيد إبراز الصلة بين الجانبين. فالاقتصاد ليس ملفًا داخليًا منفصلًا عن السياسة الخارجية؛ إذ تدخل الحرب في الشرق الأوسط والرسوم الجمركية وتقلبات أسعار الطاقة في حسابات الأسر الأميركية عند محطة الوقود وفي المتاجر.

ومن هذه الزاوية، يرى معهد تشاثام هاوس أن السياسة الخارجية تكتسب وزنًا في هذا الاستحقاق من خلال أثرها في كلفة المعيشة.



صدى الحروب في صناديق الاقتراع


ليست هذه المرة الأولى التي تتداخل فيها الأزمات الدولية مع الحياة السياسية والاقتصاد المحلي الأميركي. فقد أثّرت حرب فيتنام في الإنفاق الحكومي وثقة الجمهور بالحكومة، وكانت من الملفات الرئيسية التي أحاطت بالانتخابات الرئاسية عام 1968. كما أن أزمة النفط في السبعينيات، التي اندلعت في أعقاب حرب أكتوبر 1973، حولت الصراع في الشرق الأوسط إلى أزمة اقتصادية عالمية أثّرت في جيوب الأميركيين.

وبعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، دخلت الحرب على الإرهاب في صميم الحياة السياسية الأميركية. ثم أصبحت حرب العراق ملفًا ضاغطًا على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي عام 2006.

وتختلف هذه المحطات في ظروفها، لكنها تُظهر أن القضايا الخارجية يمكن أن تصل إلى صناديق الاقتراع عبر الأمن والثقة بالقيادة، إلى جانب الاقتصاد.

ويتقدم التضخم وكلفة المعيشة أولويات المشاركين بحسب ما أظهر استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية. فعند سؤالهم عن القضية الأهم في تقرير كيفية التصويت، اختارها 37%.

وأُجري الاستطلاع بين 10 و21 يوليو/ تموز 2026 على عينة وطنية من 2156 بالغًا؛ وهي نتيجة توضح مركزية الاقتصاد، مع بقاء المجال مفتوحًا لتأثير السياسة الخارجية من خلاله.


  تحديد القضية الأهم لدى الناخب يختلف عن قياس أثرها في اختياره مرشحًا أو حزبًا

الحرب وكلفة المعيشة


تؤثر اضطرابات الحرب في إمدادات النفط وأسعاره، وهو ما ينعكس على الوقود وتكاليف النقل والإنتاج. وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن كلفة النفط الخام هي أكبر مكوّن في سعر البنزين عند المضخة. وقد تضيف المخاطر التي تتعرض لها الملاحة أعباء على الشحن والتأمين، فيما يختلف انتقال هذه الكلفة إلى السلع بحسب القطاع والمخزون والمنافسة.

وفي استطلاع منفصل أجراه مجلس شيكاغو مع إبسوس بين 1 و3 مايو/ أيار 2026، شمل 1018 بالغًا، رأى 86% أن الحرب الأميركية مع إيران أضرّت بكلفة المعيشة في الولايات المتحدة. وتعكس هذه الإجابة تقييم المشاركين للأثر الاقتصادي للحرب، ولا تقيس نسبة من سيغيّرون تصويتهم بسببها.

وتتيح سلاسل التوريد انتقال أثر الاضطرابات من ممر بحري أو ميناء رئيسي إلى الشركات والمتاجر الأميركية. غير أن سرعة هذا الانتقال وحجمه يتوقفان على مدة التعطل والبدائل المتاحة؛ فلا تتحول كل زيادة في كلفة النقل فورًا وبالمقدار نفسه إلى زيادة في سعر السلعة.

 أسعار الوقود في محطة بحي كنسينغتون في بروكلين، نيويورك، 17 مارس 2026 – غيتي

الرسوم الجمركية


لا يقتصر الأثر على الحرب وحدها؛ فالرسوم الجمركية التي تبنتها إدارة الرئيس دونالد ترمب تضيف كلفة إلى الواردات، وقد يتحمل المستهلك جزءًا منها. وفي تقدير نشره مختبر الميزانية في جامعة ييل في 24 أغسطس/ آب 2026، يبلغ الأثر النهائي المتوقع للسياسة الجمركية المشمولة بالحساب نحو 0.7% على مستوى أسعار المستهلك، مع كلفة سنوية تقديرية تقارب 1100 دولار للأسرة في المتوسط.

وهذه تقديرات لنظام الرسوم وفق السياسة القائمة يوم إعداد الحساب، وليست قياسًا لما دفعته كل أسرة بالفعل. كما أن الزيادة في مستوى الأسعار لا تعني ارتفاع التضخم بالمقدار نفسه كل عام. ويختلف العبء بحسب مشتريات الأسرة وقدرة الشركات على امتصاص الكلفة أو تغيير مورديها، ما يجعل السياسة التجارية ملموسة في المتاجر وقرارات الشراء.

وفي استطلاع مجلس شيكاغو الذي أُجري في يوليو، رأى 81% أن الرسوم الجمركية أضرّت بكلفة المعيشة. وشمل هذا التقييم 62% من الجمهوريين، مع أن 64% منهم رأوا أن الرسوم أفادت خلق الوظائف. ويمكن إذًا أن يعترف الناخب بارتفاع الكلفة، ويؤيد السياسة نفسها لما يتوقعه منها في مجال آخر.


تصل تداعيات الحرب والرسوم الجمركية إلى الأسر عبر أسعار الطاقة وكلفة السلع والإنتاج 

صورة القائد

بالنسبة إلى الناخب الأميركي، تكشف السياسة الخارجية أيضًا عن كفاءة الرئيس بوصفه قائدًا للبلاد. ويقدم الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021 مثالًا على ذلك؛ إذ واجهت إدارة جو بايدن انتقادات واسعة لطريقة تنفيذه، حتى مع تأييد غالبية الأميركيين قرار الانسحاب، وفق مركز بيو للأبحاث.

أما اليوم، فيواجه ترمب اختبارًا يتعلق بقدرته على إدارة الأزمات الخارجية والوفاء بوعده بتجنيب الولايات المتحدة الحروب المكلفة. وفي استطلاع سي أن أن الذي نفذته مؤسسة SSRS بين 15 و18 أكتوبر، على عينة وطنية من 1701 بالغ، وافق 30% على إدارته الشؤون الخارجية، مقابل 42% في استطلاع مارس/ آذار 2025.

وفي استطلاع سابق للمؤسستين أُجري يومي 16 و17 سبتمبر 2026، رأى ربع المشاركين أن لدى ترمب خطة واضحة للتعامل مع الوضع في إيران. وتوضح هذه النتائج حجم الشكوك في إدارته الملف، فيما يبقى تحويل هذا التقييم إلى موقف من مرشح للكونغرس مرتبطًا بعوامل أخرى، بينها الانتماء الحزبي وأولويات الناخب المحلية.

تمثل انتخابات التجديد النصفي استفتاء على أداء الرئيس دونالد ترمب – غيتي

فرصة للديمقراطيين


في المقابل، يجد الحزب الديمقراطي في هذا التداخل فرصة للضغط على الإدارة. فإلى جانب انتقاد الحرب أو الرسوم الجمركية كملفات خارجية، يمكنه ربطهما مباشرة بكلفة المعيشة التي تشغل الناخب. لكن تقديم بديل مقنع لخفض الأعباء، وتحويل الاعتراض إلى مشاركة انتخابية، يظلان جزءًا أساسيًا من التحدي.

وأظهر استطلاع “سي أن أن” المنشور في 21 أكتوبر تقدم المرشح الديمقراطي على الجمهوري بـ49% مقابل 39% بين الناخبين المسجلين في السؤال الوطني عن اختيار مرشح مجلس النواب. ويكشف هذا المؤشر اتجاهًا عامًا في المنافسة، لكنه لا يعزل أثر الحرب والرسوم عن بقية القضايا، ولا يترجم تلقائيًا إلى عدد محدد من المقاعد.

ولا يقتصر الضغط على الأسر الأميركية وحدها؛ فالرسوم الجمركية ترفع كلفة المواد الخام والمكونات المستوردة لدى شركات، وهو ما يضغط على هوامش الربح في قطاعات مثل التصنيع والسيارات والإلكترونيات. وتؤثر تقلبات أسعار الطاقة في تكاليف النقل والإنتاج، ما قد يدفع الشركات إلى رفع الأسعار أو تقليص الاستثمار والتوظيف، بينما تستفيد شركات أخرى من تراجع المنافسة الأجنبية.

وتنعكس هذه الضغوط أيضًا على الأسواق المالية؛ إذ تدخل تطورات الحرب والرسوم في تقديرات المستثمرين لمخاطر النمو والتضخم. وهكذا تصبح السياسة الخارجية حلقة وصل بين البيت الأبيض وجيب الناخب، مرورًا بأرضية المصنع وسوق الأسهم.



أثر محتمل في السباقات المتقاربة


قد لا تتصدر السياسة الخارجية كل حملة انتخابية محلية، لكنها تستطيع التأثير في هوامش ضيقة تُحسم بها النتائج. ويرصد تحليل تشاثام هاوس دعوة المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ في ميشيغان، مايك روجرز، إلى إنهاء الحرب سريعًا لتخفيف العبء عن الأسر، وموقفًا لمرشحة الحزب في آيوا، آشلي هينسون، يرفض تحميل السكان كلفتها عند مضخة الوقود وصندوق الدفع.

وتعكس هذه المواقف حساسية سياسية تجاه الأسعار، من دون أن تحدد مقدار الأصوات التي قد تتبدل بسببها. ففي انتخابات الكونغرس تُحسم مقاعد مجلس النواب دائرةً بدائرة، وتُحسم مقاعد مجلس الشيوخ على مستوى الولايات المعنية. لذلك لا تكفي نتائج استطلاع وطني لتقدير الأثر في ميشيغان أو آيوا، كما لا تتطابق خريطة المنافسة النصفية بالضرورة مع خريطة الولايات المتأرجحة في الانتخابات الرئاسية.

ويزيد انخفاض الرضا عن أداء ترمب الضغوط على مرشحي حزبه؛ إذ بلغ 32% بين البالغين في استطلاع “سي أن أن” لشهر أكتوبر. ومع ذلك، يحتفظ الناخبون بتقييمات مختلفة للرئيس والسياسات والمرشحين، ما يجعل الحملة المحلية ونسب الإقبال جزءًا من تفسير النتيجة المنتظرة.


تربط استطلاعات أميركية بين الحرب والرسوم الجمركية وارتفاع كلفة المعيشة – غيتي

هل تؤثر الانتخابات على السياسة الخارجية؟


قد تكون الانتخابات وسيلة لاختبار غضب الناخبين، لكنها لا تضمن تلقائيًا تغيّر السياسة. فبعد خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس في انتخابات 2006، لم يغيّر الرئيس جورج بوش الابن مساره في العراق، بل اختار تصعيده رغم عدم شعبيته، فأعلن في يناير/ كانون الثاني 2007 إرسال أكثر من 20 ألف جندي إضافي إلى العراق. 

وإذا جاءت نتائج نوفمبر عقابًا للحزب الحاكم على كلفة الحرب والرسوم، فقد تزيد الضغط على الإدارة وتؤثر في قدرتها على تمرير أجندتها. غير أن اتجاه الاستجابة سيعتمد على قراءة الرئيس للنتائج، وتركيبة الكونغرس الجديد، وتطور الأزمات نفسها. ويطرح تشاثام هاوس احتمال مزيد من التصعيد بعد الانتخابات بوصفه أحد السيناريوهات، من دون أن تكون النتيجة وحدها كافية لترجيحه.

لا يحتاج الناخب الأميركي إلى متابعة تفاصيل الحرب أو النزاعات التجارية ليشعر ببعض تبعاتها؛ يكفيه أن يلمس أثرها في أسعار الوقود والمشتريات. وعندما تصل هذه الكلفة إلى الفواتير، تدخل السياسة الخارجية إلى قلب النقاش المحلي. أما وزنها في صندوق الاقتراع، فيتحدد مع ما يحمله الناخب من أولويات، وما يراه في المرشحين من قدرة على الاستجابة لها.