البازارات السودانية.. نبيع الوهم ونترك المنتج يموت

البازارات السودانية.. نبيع الوهم ونترك المنتج يموت

Loading

ماذا لو كان بعض ما نسميه «دعمًا للأسر المنتجة» مجرد وهم جميل نكرره من بازار إلى آخر؟
نقيم الفعاليات، نملأ القاعات بالأجنحة، نلتقط الصور، نتبادل عبارات الإشادة بالمنتج السوداني، ثم ينتهي اليوم ويعود المنتج إلى منزله محمّلًا بما تبقى من بضاعته. وبعد أيام نبدأ التحضير لبازار جديد، بالفكرة نفسها، وربما بالنتيجة نفسها.
الفكرة في أصلها نبيلة. فالبازارات يمكن أن تكون مساحة مهمة للتعريف بالمنتجات السودانية، وربط الأسر المنتجة بالمستهلكين، وفتح أسواق جديدة أمامها، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحرب والنزوح.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البازار من وسيلة لدعم المنتج إلى غاية في حد ذاته.
فإذا كانت الأسرة المنتجة تتحمل تكلفة المواد الخام والتصنيع والتغليف والنقل ورسوم المشاركة، ثم تنتهي الفعالية دون مبيعات كافية أو عملاء جدد أو فرصة حقيقية للاستمرار، فعلينا أن نسأل بصراحة: من الذي استفاد فعلًا؟
وليس من العدل أن نطلب من المنتج أن يشارك، ويعرض، ويجتهد، ثم نعتبر مجرد وجوده في الفعالية نجاحًا.
لسنا بحاجة إلى مزيد من البازارات
المشكلة ليست في فكرة البازار نفسها، وإنما في استنساخها دون تطوير نموذج اقتصادي مستدام.
لسنا بحاجة إلى عشرات البازارات التي تنتهي بانتهاء اليوم؛ نحن بحاجة إلى مشاريع تستمر بعد انتهاء البازار.
نحتاج إلى الانتقال من عقلية «تعال اعرض منتجك» إلى عقلية «تعال نبني معًا سوقًا لمنتجك».
فالأسرة المنتجة لا تحتاج إلى طاولة فقط؛ تحتاج إلى تطوير المنتج، وتحسين الجودة، والتغليف، والتسعير، والتسويق، والتوزيع، والوصول المستمر إلى المستهلك.
لماذا لا نصنع «المنتج السوداني»؟
لدينا منتجات يمكن أن تتحول إلى علامات تجارية سودانية حقيقية إذا خرجت من نطاق الإنتاج الفردي المحدود إلى العمل المؤسسي.
خذوا العطور السودانية مثالًا.
لماذا لا يجتمع عدد من صانعي العطور في مشروع تعاوني أو شركة صغيرة، تمتلك معملًا بمواصفات جيدة، وتعمل على تطوير الخلطات، وتوحيد الجودة، وتحسين العبوات، وبناء هوية تجارية، ثم تتولى التسويق والتوزيع داخل المملكة وخارجها؟
والفكرة نفسها يمكن أن تنطبق على الحلو مر، والمخبوزات، والمنتجات الغذائية المجففة، والبهارات، والتحف والأناتيك، والملبوسات الشعبية وغيرها من المنتجات المرتبطة بالهوية السودانية.
المطلوب ليس فقط أن نفتخر بأن لدينا تراثًا غنيًا؛ بل أن نسأل السؤال الأصعب:
كيف نحول هذا التراث إلى منتج قادر على المنافسة؟
من «بازار» إلى منظومة اقتصادية
يمكن أن يكون البازار نقطة البداية، وليس نقطة النهاية.
يتم اختيار المنتجات القابلة للتطوير، ودراسة احتياجات السوق، وتحسين جودتها، وتوحيد مواصفاتها، ثم إنشاء قنوات للبيع الإلكتروني والتوزيع المباشر، والاستفادة من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
عندها يصبح البازار نافذة للتعريف بالمنتج، بينما تستمر عملية البيع طوال العام.
وهنا يأتي دور رجال الأعمال والمؤسسات المجتمعية والإعلاميين وأبناء الجالية.
فالإعلام لا ينبغي أن يكتفي بتغطية افتتاح البازار والتقاط الصور، بل يمكنه أن يصنع قصة للمنتج، ويعرّف بصاحبه، ويمنحه حضورًا مستمرًا أمام المستهلك.
أما دعم الأسرة المنتجة فلا يعني شراء سلعة لا نحتاجها لمجرد المجاملة؛ بل يعني مساعدتها على إنتاج سلعة نحتاجها ونرغب في شرائها مرة أخرى.
كفى احتفالات.. ولنبدأ صناعة
كلما أقيم بازار جديد، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم جناحًا شارك؟ وكم شخصًا حضر؟ وكم صورة التقطنا؟
السؤال الحقيقي هو:
كم أسرة باعت منتجاتها؟
كم مشروعًا حصل على عملاء جدد؟
كم منتجًا دخل سوقًا جديدة؟
وكم مشروعًا استمر بعد انتهاء الفعالية؟
هذه هي المؤشرات التي تستحق القياس.
أما أن نكرر الفكرة نفسها، ونغير المكان والتاريخ والشعار، ثم نعلن نجاح الفعالية لمجرد الحضور، فهذا لا يصنع اقتصادًا ولا يخلق سوقًا مستدامة.
الخاتمة
السودانيون في المهجر يمتلكون طاقات وخبرات ورأس مال اجتماعيًا كبيرًا، ويمتلكون في الوقت نفسه تراثًا غنيًا يمكن أن يتحول إلى صناعة حقيقية إذا وجد التخطيط والإدارة والتسويق.
لذلك ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال:
متى سيكون البازار القادم؟
ونسأل بدلًا منه:
متى سيكون لدينا منتج سوداني يحمل علامة تجارية محترمة، ويُصنع وفق معايير واضحة، ويصل إلى الأسواق السعودية والإقليمية؟
فالمطلوب ليس أن نعرض السودان ليوم واحد.
المطلوب أن نصنع منتجًا سودانيًا يعيش في السوق طوال العام.
لأن البازار الذي ينتهي بانتهاء يومه ليس مشروعًا اقتصاديًا.
أما المشروع الحقيقي، فهو الذي يجعل المنتج السوداني يستمر بعد أن يغادر آخر زائر قاعة البازار.