البرهان يعود إلى نيويورك وسط ضغط غربي ورهان على تفاهمات لإنهاء الحرب

البرهان يعود إلى نيويورك وسط ضغط غربي ورهان على تفاهمات لإنهاء الحرب

Loading

جلسة مجلس الأمن الاثنين و«عقوبات محتملة».. 

البرهان يعود إلى نيويورك وسط ضغط غربي ورهان على تفاهمات لإنهاء الحرب

كتب: عمار عوض- يعقد مجلس الأمن الدولي، الاثنين، جلسة مفتوحة ومتخصصة حول السودان، برئاسة وزير الخارجية الدنماركي، الذي تتولى بلاده رئاسة المجلس خلال أغسطس الجاري، لبحث تطورات الأوضاع في السودان والمساعي المبذولة لاحتواء الأزمة بأبعادها السياسية والإنسانية المختلفة. ويشارك في الجلسة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس ممثلاً للولايات المتحدة.

وتأتي الجلسة بعد يومين من إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، خلال مخاطبته مواطنين في المناقل بولاية الجزيرة الجمعة، أنه لا يستبعد فرض عقوبات على السودان «في الأيام المقبلة»، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار الحرب حتى هزيمة الدعم السريع.

ولم يحدد البرهان الجهة التي يمكن أن تفرض العقوبات، لكن حديثه يأتي في ظل مسار متصاعد من الضغوط الأميركية والأوروبية، بالتوازي مع جهود الآلية الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، للدفع نحو هدنة لمدة ثلاثة أشهر تعقبها ترتيبات أوسع لوقف الحرب.

جلسة للضغط لا للعقوبات

ولا تبدو جلسة الاثنين، بحسب طبيعتها، مخصصة لإصدار عقوبات أممية على البرهان أو الجيش، إذ إن فرض عقوبات جديدة عبر مجلس الأمن يحتاج إلى قرار وتوافقات سياسية بين أعضائه.

لكن أهمية الجلسة قد تكمن في تحديد سقف الضغط الغربي وبناء أرضية سياسية يمكن أن تستند إليها إجراءات لاحقة، خصوصاً إذا ركزت المداخلات على استمرار الحرب، وحماية المدنيين، والوصول الإنساني، ومصادر تمويل وتسليح الأطراف.

ويملك المسار الأميركي أدوات جاهزة بالفعل؛ فقد فرضت واشنطن عقوبات على البرهان شخصياً في يناير 2025، كما استهدفت شركات وشبكات مرتبطة بالطرفين.

وفي يونيو الماضي، وسعت واشنطن إجراءاتها ضد شبكات وأفراد وكيانات مرتبطة بالحرب، في اتجاه يعكس تركيزاً متزايداً على البنى التي تساعد على استمرار القتال.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد انتقل في يوليو إلى مرحلة أكثر وضوحاً في استهداف اقتصاد الحرب، إذ حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب القادم من السودان، كما حظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، مع قيود على الخدمات المالية والفنية المرتبطة بهذه الأنشطة.

ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر تأثيراً في حال تصعيد العقوبات قد لا يكون إضافة اسم البرهان إلى قائمة جديدة فحسب، وإنما الانتقال إلى استهداف البنية الاقتصادية والمالية التي تتيح استمرار الحرب، من شركات وشبكات تمويل وذهب ومشتريات وخدمات مالية.

الهدنة.. جوهر الخلاف

وتنعقد الجلسة بينما يستمر الضغط الأميركي والسعودي والمصري والإماراتي من أجل هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يعقبها وقف دائم للقتال ومسار سياسي.

لكن الخلاف الأساسي مع الجيش لا يتعلق بمبدأ وقف الحرب، وإنما بشروط الهدنة وما ستؤسس له سياسياً وأمنياً.

وترى الحكومة والجيش أن هدنة طويلة من دون ترتيبات واضحة لخروج الدعم السريع من المدن والمناطق التي يسيطر عليها يمكن أن تتحول من وقف مؤقت للقتال إلى تثبيت للأمر الواقع، ومن ثم إلى مدخل لإضفاء شرعية سياسية على السلطة الموازية التي يقودها الدعم السريع وتتمركز في نيالا.

ويتمسك الجيش بأن أي مسار سياسي لإنهاء الحرب يجب أن يسبقه تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مسار جدة، وفي مقدمته انسحاب الدعم السريع من المدن والمناطق التي سيطر عليها خلال الحرب، وألا تكون الهدنة وسيلة لإعادة الدعم السريع إلى المشهد السياسي والعسكري من دون حسم وضعه على الأرض.

وهنا تكمن عقدة المسار الحالي: الوسطاء يريدون هدنة تفتح الطريق إلى التسوية، بينما يرى الجيش أن الهدنة بصيغتها المطروحة قد تمنح الدعم السريع وقتاً لتثبيت سلطته الموازية وتكريس واقع تقسيم البلاد.

البرهان يعود إلى نيويورك

وفي سياق متصل، يأتي البرهان إلى نيويورك لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر المقبل، ضمن أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة.

وتبدأ الدورة رسمياً في 8 سبتمبر، فيما تبدأ المناقشة العامة رفيعة المستوى في 22 سبتمبر. وتأتي عودة البرهان بعد غيابه عن اجتماعات الجمعية العامة العام الماضي، عندما شارك رئيس الوزراء كامل إدريس ممثلاً للسودان، وقدم خطة الحكومة وخارطة طريق لإنهاء الحرب، من دون أن يحدث بعدها تطور حاسم يغيّر مسار القتال.

لكن البرهان يعود هذه المرة في ظروف مختلفة، بعد توقيع السودان إطاراً للتنسيق مع السعودية، واتصالات وزيارات متكررة مع تركيا، ومشاركة السودان في الترتيبات الأمنية الجديدة الخاصة بالبحر الأحمر، إلى جانب دعم عربي خليجي، في مقدمته قطر، وعلاقات استراتيجية قديمة مع مصر والصين وروسيا.

كما يعود مع شبكة علاقات داخل المؤسسات الدولية؛ فقد أعاد الاتحاد الأفريقي فتح مكتبه في الخرطوم بعد زيارة وفد من مجلس السلم والأمن الأفريقي، في خطوة تعكس رغبة الاتحاد في استعادة حضوره في إدارة الأزمة السودانية وعدم ترك الملف بالكامل للقوى الخارجية.

وتكتسب مواقف مصر وباكستان والدول الأفريقية داخل مجلس الأمن أهمية إضافية بالنسبة للخرطوم، خصوصاً في ظل تمسك هذه الدائرة الأوسع بمبدأ سيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض تكريس واقع سياسي موازٍ.

وبذلك يعود البرهان إلى نيويورك بشبكة علاقات إقليمية ودولية أوسع، لكن في مواجهة ضغط أميركي وأوروبي وبريطاني متزايد، ومسار عقوبات يتطور من استهداف أفراد إلى محاولة تضييق اقتصاد الحرب.

الصحة.. ملف إنساني قابل للضغط

ويبرز الملف الصحي كأحد الملفات الإنسانية الحساسة في هذا المسار، من دون أن يبدو في حد ذاته مرشحاً للتحول إلى عقوبة تستهدف النظام الصحي أو منظمة الصحة العالمية.

وتقول الحكومة السودانية إنها تتحفظ على بعض ترتيبات حماية المنشآت الصحية، استناداً إلى اتهامات باستخدام الدعم السريع منشآت طبية في الخرطوم ودارفور لأغراض عسكرية.

وفي المقابل، يضع المجتمع الدولي حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ومنها المرافق الصحية، ضمن أولوياته الإنسانية.

ومن هنا يمكن أن تتحول القضية إلى حيثية ضغط على المسؤولين، لا إلى استهداف للقطاع الصحي نفسه، مع بقاء المساعدات والمواد ذات الطابع الإنساني والصحي محمية بالاستثناءات الإنسانية في نظام العقوبات الأوروبي.

أفريقيا والأصدقاء في مواجهة الضغط الغربي

ولا يواجه البرهان المسار الغربي وحده.

ففي المقابل، يتحرك الاتحاد الأفريقي لاستعادة حضوره في السودان، وأعاد فتح مكتبه في الخرطوم، فيما تؤكد مواقف أفريقية حديثة رفض إنشاء حكومات موازية والتدخلات التي تهدد وحدة السودان.

وتأتي مصر والسعودية وتركيا وقطر وباكستان ضمن شبكة العلاقات التي يمكن أن تشكل سنداً سياسياً للخرطوم، إلى جانب الصين وروسيا وعلاقات السودان التاريخية مع هذه القوى.

وتصبح هذه الشبكة أكثر أهمية مع اقتراب عودة البرهان إلى نيويورك؛ إذ إن حجم الدعم السياسي والإقليمي والأفريقي الذي يستطيع السودان حشده سيكون جزءاً من معركة التفاوض على مستقبل الحرب.

نيويورك.. الاختبار الحقيقي

ولهذا، لا تبدو مشاركة البرهان المرتقبة مجرد عودة بروتوكولية إلى منصة الأمم المتحدة.

فوجوده شخصياً في نيويورك، بعد جلسة مجلس الأمن ومسارات الوساطة والعقوبات، قد يفتح مساحة لإحراز تفاهمات مباشرة حول مستقبل الحرب وشروط إنهائها وترتيبات ما بعد وقف القتال.

وقد تكون المسألة الأساسية في هذه الاتصالات هي كيفية التوفيق بين مطلب الوسطاء بوقف إنساني سريع للقتال، وبين مطلب الجيش بألا تتحول الهدنة إلى اعتراف بالأمر الواقع الذي فرضه الدعم السريع، أو إلى بوابة لعودته إلى السلطة السياسية من دون ترتيبات أمنية واضحة.

ومن هذه الزاوية، فإن ما ستخرج به جلسة مجلس الأمن الاثنين سيكون مؤشراً إلى سقف الضغوط الغربية: هل تكتفي الولايات المتحدة وبريطانيا والدنمارك والاتحاد الأوروبي بالضغط السياسي والإنساني، أم تبدأ في تثبيت حيثيات يمكن استخدامها لاحقاً لفرض عقوبات جديدة؟

وفي المقابل، سيصل البرهان إلى نيويورك في سبتمبر أمام اختبار آخر: حجم الدعم الذي يستطيع السودان حشده من أصدقاء قدامى وجدد، من مصر والسعودية وتركيا وقطر وباكستان والدول الأفريقية، إلى الصين وروسيا، في مواجهة المسار الغربي.

وبذلك تتشكل بين أغسطس وسبتمبر معادلة جديدة:

24 أغسطس لاختبار سقف الضغط، و24 سبتمبر لاختبار وزن البرهان وشبكة السودان الدولية.

فإذا نجحت الاتصالات في إنتاج تفاهمات حول هدنة مرتبطة بترتيبات واضحة لخروج الدعم السريع من المدن، ورفض تكريس السلطة الموازية، فقد تنتقل الضغوط الدولية من إدارة الحرب إلى التفاوض الجدي على إنهائها.

أما إذا فشلت، فقد يكون البديل انتقال الضغط إلى مرحلة أشد، لا تستهدف البرهان وحده، وإنما البنية التي تجعل استمرار الحرب ممكناً: التمويل، والذهب، والشركات، والمشتريات، والشبكات الاقتصادية والعسكرية.

وهنا ستكون جلسة مجلس الأمن وعودة البرهان إلى نيويورك حلقتين في اختبار واحد: هل يتحول الضغط الدولي إلى تفاهم ينهي الحرب، أم إلى عقوبات ترفع كلفة استمرارها؟.

* نقلا عن الأكيدة