التدريب.. من التكوين إلى الترقية (نحو منظومة مُوحّدة لتأهيل القضاء والنيابة والمستشارين)

التدريب.. من التكوين إلى الترقية (نحو منظومة مُوحّدة لتأهيل القضاء والنيابة والمستشارين)

Loading

كتب – دكتور عوض الحسن النور

وعدت القُـرّاء في المقال السابق، أن أفرد لموضوع التدريب العدلي مقالاً مستقلاً، وقد صدر التقرير النهائي للجنة العدلية المنبثقة عن لجنة إعمار ما بعد الحرب في أكتوبر 2025 بأوراقه البحثية السبع وتوصياته الثمانين، أرى أن المسألة أعمق من مجرد “تدريب”: إنّها مسألة “تكوين” بالمعنى الذي تستخدمه المدارس القضائية الكبرى، تكوين يبدأ قبل التعيين أو عند مُباشرته، ويُبنى عليه تدريبٌ تخصصيٌّ، وتُبنى عليهما معاً الترقية، وتحكمهما جميعاً متابعة مستمرة. وهذا هو المحور الذي أخصص له هذا المقال: كيف تُكوَّن كوادر القضاء والنيابة والمستشارين في الأنظمة العالمية المتطورة، وماذا تقترح اللجنة العدلية وأوراقها البحثية بشأن التكوين والتخصص والترقية والمتابعة، وأين يقف السودان بعد الحرب.

 

مدخل: “الفهم الفهم” – ما هو التدريب القانوني في جوهره؟

قبل الحديث عن المؤسسات والنماذج، تجدر العودة إلى أقدم وأوجز تعريف عرفه تراثنا القانوني لما ينبغي أن يتحلّى به من يتصدّى للقضاء: رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قاضيه على البصرة عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري، والتي وصفها فقهاء القانون بأنها “دستور قويم في نظام القضاء والتقاضي”. يقول عمر لقاضيه: “فإنّ القضاء فريضة مُحكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له”، ثم يأتي جوهر الرسالة في عبارتها الأشهر التي تناقلها الفقهاء: “الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة” – أي أن يُثبِّت القاضي فهمه في المسألة التي يتردّد فيها قبل أن يصدر حكمه، لا أن يتعجّل الكلام بحق لا يُحسن تنفيذه.

هذا التعريف المبكر لـ”الفهم” هو – في جوهره – أقرب تعريف عرفناه لما نسميه اليوم “التدريب القانوني”: فالتدريب ليس حفظ نصوص ولا اجتياز امتحان فحسب، بل هو تمكين القانوني من خمس ملكات حدّدتها الرسالة بدقة لافتة:

• حسن الاستماع (Hearing): فجوهر “الفهم” الذي طالب به عمر قاضيه لا يتحقّق دون إصغاء متأنٍ لكل خصم حتى يفرغ من دعواه دون مقاطعة أو استعجال، وهو بعينه ما تسميه المدارس القضائية الحديثة “مهارة الإصغاء الفعّال” التي يُدرَّب عليها القضاة الجدد اليوم في برامج كالمركز القضائي الفيدرالي الأمريكي.

• حُسن السؤال والاستجواب: إذ لا يكتمل الفهم دون طرح الأسئلة الصحيحة على الأطراف والشهود لاستجلاء الحقيقة، وهو بالضبط ما تُدرِّبه اليوم “المحاكم الصورية” (Moot Courts) وبرامج المرافعة والتحقيق في كل النماذج التي استعرضناها.

• المساواة بين الخصوم وحقوق الأطراف: “آسِ بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك” – وهذا هو بذاته المبدأ الذي تقوم عليه اليوم مفاهيم “المحاكمة العادلة” (Fair Trial) وتكافؤ الفرص بين الخصوم في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والذي تُخصَّص له وحدات كاملة في كل مناهج التكوين القضائي المقارنة.

• توزيع عبء الإثبات وضبط الإجراءات: “البيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر” – وهو أساس نظرية الإثبات في كل النظم القانونية المعاصرة تقريباً، وما يزال يُدرَّس كأول درس في قواعد الإثبات لأي متدرب قانوني، أياً كان النظام الذي ينتمي إليه.

• الانفتاح على المراجعة وعدم الجمود: “لا يمنعنّك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه رأيك وهُديت لرشدك أن تراجع الحق؛ فإنّ الحق قديمٌ لا يُبطله شيءٌ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل” – وهذا هو جوهر “التعلم القانوني المستمر” (Continuing Legal Education) الذي تقوم عليه كل برامج التدريب المستمر في التجارب العالمية.

فإذا كان هذا هو معيار “الفهم” الذي طالب به عمر قاضيه منذ أربعة عشر قرناً، فإن أي منظومة تدريب قانوني حديثة – مهما بلغت من تطور تقني ومؤسسي – لا تعدو أن تكون تفصيلاً مؤسسياً لهذا المعنى الجامع: أن نُخرّج قانونياً يُحسن الاستماع، ويُحسن السؤال، ويعرف حقوق الأطراف كاملةً، ويطبق مبادئ المحاكمة العادلة بداهةً لا تكلُّفاً. وهذا هو بالضبط المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به كل النماذج والتوصيات التالية.

أولاً: كيف تُكوَّن هذه الكوادر في الأنظمة العالمية المتطورة؟

تختلف الدول في نقطة انطلاق واحدة جوهرية: هل “يُصنع” القاضي ووكيل النيابة والمستشار عبر مؤسسة تكوين موحدة قبل التعيين، أم يُختار من بين المحامين المتمرسين بعد سنوات ممارسة؟ يتفرّع عن هذا أربعة نماذج كبرى تفيد السودان في بناء نموذجه الخاص.

1.النموذج الأمريكي: الاختيار بعد الممارسة، والتكوين المكثف بعد التعيين

لا تعرف الولايات المتحدة “مدرسة قضاة” يلتحق بها خريج القانون قبل التعيين؛ فالقاضي الفيدرالي يرشحه الرئيس ويوافق عليه مجلس الشيوخ من بين محامين مارسوا المهنة سنوات طويلة، وكذلك يقع اختيار أغلب قضاة الولايات بالانتخاب أو التعيين من نفس الحقل، غير أنّ “التكوين” هناك لا يتوقف عند التعيين، بل يبدأ منه: يخضع القاضي الفيدرالي الجديد لبرنامجين مكثفين من خمسة أيام يقدمهما المركز القضائي الفيدرالي (Federal Judicial Center) في واشنطن، يغطيان إدارة القضايا وأخلاقيات القضاء وقواعد الإثبات وإصدار الأحكام وكتابتها وإدارة المحاكمات أمام هيئة المحلفين، ثم يُلحق بقاضٍ أقدم يتولى توجيهه (Mentor) لعدة أشهر، ويُلزَم لاحقاً بساعات تدريب مستمر دورياً كشرط لبقائه في المنصب. وللمدعين العامين تكوين مستقل بالكامل: مكتب التعليم القانوني بوزارة العدل يدير المركز الوطني للدعوى (National Advocacy Center) في كارولاينا الجنوبية، منشأة متكاملة يتدرّب فيها آلاف وكلاء النيابة الفيدراليين والمحليين سنوياً على برامج مثل “أساسيات الدعوى الجنائية” الممتد ستة أسابيع، بمرافقة ومتابعة مباشرة من نواب أقدم.

2.النموذج الفرنسي: تكوين موحد للقضاة والنيابة قبل التعيين

على النقيض، تأخذ فرنسا (ومعها أغلب الدول الفرانكفونية والعربية) بمبدأ “القاضي المُكوَّن”: لا يصير أحد قاضياً أو وكيل نيابة – وفي فرنسا يجمعهما مصطلح واحد هو “القاضي” (Magistrat) يتنقّل الفرد بين موقعيه خلال حياته المهنية – إلّا بعد اجتياز مسابقة وطنية صارمة (لا يُقبل فيها اليوم إلا واحد تقريباً من كل ثمانية عشر متقدماً)، يليها واحد وثلاثون شهراً كاملاً من التكوين في المدرسة الوطنية للقضاء ببوردو، تتوزّع بين دراسة نظرية (نحو ثلاثين بالمئة من المدة) وتدريب ميداني موسع (سبعين بالمئة) في المحاكم ومكاتب المحاماة وجهات التحقيق والسجون، براتب كامل طوال الفترة. وبعد التخرج وأداء اليمين يبدأ “تكوين ما قبل المنصب الأول” المُخصّص للوظيفة التي اختارها الخريج تحديداً، بينما يتولى فرع المدرسة في باريس، التكوين المستمر لمن هُـم في الخدمة عبر أكثر من ستمائة نشاط تدريبي سنويًا.

3.النموذج الألماني: تكوين قانوني واحد للقضاء والنيابة والمحاماة معًا

تذهب ألمانيا أبعد من فرنسا في توحيد المسار: لا يوجد فيها “تكوين قضائي” منفصل عن “تكوين قانوني” عام؛ فكل خريج قانون – أياً كانت وجهته المستقبلية: قاضٍ أو وكيل نيابة أو محامٍ أو مستشار قانوني حكومي – يمر بذات المسار الإلزامي: أربع سنوات دراسة جامعية، فامتحان دولة أول، ثم فترة تدريب عملي إلزامية مدتها عامان (Referendariat) يتنقّل فيها المتدرب إلزاميًا بين محكمة مدنية ومحكمة جنائية ومكتب نيابة عامة ومكتب محاماة وجهة إدارية تحت إشراف قضاة وممارسين، ثم امتحان دولة ثانٍ نهائي توحّد إجازته لكل هذه المهن. ولا يُحسم من سيصبح قاضياً إلا وفق ترتيب الأداء في الامتحانين ومدى توفر الشواغر، بحيث يأتي “الفرز” بين المسارات المهنية بعد التكوين الموحد لا قبله.

4.النموذج الياباني: تكوين واحد بإشراف مباشر من المحكمة العليا

تقدم اليابان نموذجاً آخر لتوحيد التكوين: كل من يجتاز الامتحان الوطني للقانون – سواء كانت وجهته القضاء أو النيابة أو المحاماة – يلتحق إلزامياً بمعهد البحث والتدريب القانوني (Legal Training and Research Institute)، وهو معهدٌ تابع مباشرة للمحكمة العليا اليابانية لا لوزارة العدل، يقدم منهجاً موحداً لمدة تتراوح ما بين “اثني عشر إلى ستة عشر شهراً” يجمع تدريباً ميدانياً في مكاتب قضاة ونيابة ومحاماة حقيقية مع تدريب جماعي على تحرير الأحكام والمرافعات، وينتهي بامتحان وطني نهائي يحدد مَن يصبح قاضياً مساعداً أو وكيل نيابة أو محامياً. أهمية هذا النموذج أنه يضع تكوين العدالة كلها تحت مظلة السلطة القضائية العليا لا التنفيذية، وهي بالضبط النقطة التي تلتقي فيها التجربة اليابانية مع ما تقترحه إحدى أوراق اللجنة العدلية للسودان، كما سيرد أدناه.

ثانياً: القاسم المشترك بين هذه التجارب، وما تقترحه أوراق اللجنة العدلية

رغم اختلاف نقطة الانطلاق، تتفق هذه التجارب على أربع مراحل متعاقبة لا يستقيم إصلاح سوداني بتجاوز واحدة منها، وقد جاءت أوراق اللجنة العدلية – خاصةً “الورقة النقاشية لمسودة مجلس القضاء العالي” (د. عوض الحسن النور) و”ورقة التدريب القانوني” (المستشار طارق مبارك مجذوب) – لتضع لَبِنات كل مرحلة منها بالنسبة للسودان:

1.التكوين الأساسي (Formation)

هو المرحلة السابقة على المباشرة الفعلية أو المصاحبة لها مباشرة: تأهيل نظري وميداني موحد قبل أن يتحمّل القاضي أو وكيل النيابة أو المستشار مسؤولية الفصل في منازعات الناس. توصي اللجنة بتأسيس “أكاديمية قضائية وقانونية” موحدة تتولى هذا التكوين لكل الكادر القانوني للدولة بمعايير واحدة، بدل أن يُترك كل جهاز عدلي يُكوّن كوادره بمعزل عن الآخر كما هو حادث الآن. والأهم أنّ ورقة مجلس القضاء العالي تُحَـدِّد بوضوح أين ينبغي أن تكون تبعية هذا التكوين: لا لرئاسة الجمهورية كما هو حال المعهد القائم اليوم – وهو ما تصفه الورقة بأنه “أمرٌ غريبٌ في منح السلطة السيادية سلطات تنفيذية على أمور خارج إدارتها” – بل لمجلس القضاء العالي المزمع إنشاؤه، أُسوةً بالنموذج الياباني الذي يضع معهد التكوين تحت مظلة السلطة القضائية العليا مباشرةً.

2.التدريب التخصصي (Specialization)

بعد التكوين الأساسي الموحد، تتفرّع المسارات: قاضٍ متخصص في الأحوال الشخصية أو التجارة أو الجرائم الإلكترونية، وكيل نيابة متخصص في الجرائم المالية أو جرائم الحرب، مستشار قانوني متخصص في التحكيم الدولي أو صياغة التشريعات. هنا يقدم النموذج الأمريكي (أكثر من مئة برنامج متخصص سنويًا في المعهد القضائي الوطني، وبرامج “العيادات” المتخصصة في المركز الوطني للدعوى) الأنموذج الأنسب من حيث التنويع، بينما توصي اللجنة بأن “يتولى المعهد، التدريب الأساسي والمتخصص، بينما تتولى الأجهزة العدلية تدريباً مصلحياً محدوداً” فقط – أي أن يبقى التخصص العميق مركزياً لضمان معياريته، وألّا تتحوّل “الدورات المصلحية” الداخلية بكل جهاز إلى بديل غير منضبط عن التكوين المركزي كما يحدث حالياً في السودان.

3.الترقية (Promotion)

توصية اللجنة هنا صريحة وحاسمة: “إلزامية أن يأخذ العاملون موضوع التدريب بجدية ويتم ربطه بترقياتهم”، أي أن التدريب لا يعود نشاطاً اختيارياً أو شرفياً، بل شرطاً موضوعياً للترقي في السلم القضائي والنيابي، تماماً كما يشترط النظام الأمريكي ساعات تدريب مستمر دورية للاستمرار في القضاء أصلاً، وكما يحسم النظامان الألماني والياباني المسارات المهنية أصلاً، بناءً على ترتيب الأداء في امتحانات التكوين. كما تدعو ورقة السلطة القضائية إلى “معيار واضح وأسس محددة للتعيينات والترقيات” بدل الاجتهاد الفردي أو الولاءات، وهو ما يجعل من التكوين والتدريب معياراً موضوعياً للترقي يَحُدّ من التدخلات السياسية التي حذّرت منها الأوراق مراراً.

4.المتابعة (Monitoring)

لا قيمة لأي منظومة تكوين وترقية دون متابعة وتقييم مستمرين. توصي اللجنة بـ”إجراء تقييمات دورية لفعالية البرامج التدريبية وأثرها على أداء الأجهزة العدلية”، بينما تقترح ورقة مجلس القضاء العالي تحديداً “فصل إدارة التفتيش وإنشاء إدارة مستقلة تحت إدارة مجلس القضاء العالي بما يحقق استقلالية التفتيش وتلقي الشكاوى وتفرغ المفتش دون تأثير” – أي أن تكون المتابعة والتفتيش هما أيضاً تحت مظلة المجلس نفسه الذي يشرف على التكوين والتدريب والترقية، بدل تشتتها بين جهات متعددة كما هو حادثٌ الآن، بما يضمن تسلسلاً واحداً مسؤولاً من أول يوم تكوين إلى آخر ترقية.

ثالثاً: القيم التي ينبغي أن يتحلّى بها القاضي ووكيل النيابة والمستشار

لا تكتمل منظومة التكوين والتدريب المؤسسي، مهما بلغت من إحكام، دون أساس أخلاقي يحكمها؛ ذلك أن “الفهم” الذي طالب به عمر قاضيه في صدر هذا المقال لا ينفصل عن القيم التي يحملها من يُفهِّم. وقد استقرت مبادئ بانغالور لسلوك القضاء – وهي وثيقة اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2002 وأصبحت مرجعاً عالمياً لمواثيق السلوك القضائي – على ست قيم جوهرية ينبغي أن تُغرَس في كل مراحل التكوين والتخصص والترقية والمتابعة سواء بسواء، لا تقل أهميةً عن أي مهارة فنية:

• الاستقلال (Independence): ألا يخضع القاضي أو وكيل النيابة أو المستشار في قراره لأي تأثير خارجي – سياسي أو شخصي أو مؤسسي – وهو ما يتقاطع تماماً مع ما خلصنا إليه أعلاه بشأن ضرورة توحيد المظلة المؤسسية بمنأى عن التدخل التنفيذي.

• الحياد (Impartiality): أن يفصل في المنازعة دون ميلٍ مُسبقٍ لأي طرف، وهو تجسيدٌ مباشرٌ لما ورد في رسالة عمر: “آسِ بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك”.

• النزاهة (Integrity): سلوك شخصي ومهني فوق الشبهات، في القضاء وخارجه، بحيث يكون سلوك القاضي في حياته الخاصة انعكاساً صادقاً لما يمثله في منصبه، لا انفصالاً عنه.

• اللياقة (Propriety): مراعاة الأصول والتقاليد التي تحفظ هيبة المنصب القضائي، تجنباً لكل ما يمس ثقة الناس في نزاهة القضاء، ولو لم يبلغ حد المخالفة القانونية الصريحة.

• المساواة (Equality): معاملة جميع من يمثل أمام القضاء على قدم المساواة، دون تمييز بسبب النوع أو العرق أو الدين أو المركز الاجتماعي أو غيره.

• الكفاءة والاجتهاد (Competence and Diligence): التمكن المهني المستمر وعدم التسويف أو التراخي في أداء الواجب، وهي القيمة التي تربط مباشرة بمنظومة التكوين والتدريب المستمر التي تحدثنا عنها في المحور السابق.

وإذا كانت اللجنة العدلية وأوراقها البحثية قد ركزت – وبحق – على الجانب المؤسسي والإجرائي للتدريب، فإن أي منهج تكويني حقيقي لا يكتمل دون أن تُدرَّس هذه القيم صراحةً، لا بوصفها شعارات تُتلى في حفل التخرج، بل بوصفها معياراً للتقييم والمتابعة يُقاس به أداء كل خريج من الأكاديمية المقترحة، ومعياراً للترقية لا يقل أهمية عن الكفاءة الفنية البحتة.

رابعاً: توحيد المظلة – لماذا يحل مجلس القضاء العالي عزلة الأجهزة العدلية؟

الفكرة المحورية التي تجمع كل ما سبق، والتي تتقاطع فيها التجربة اليابانية مع أوراق اللجنة العدلية نفسها، هي: أن يخرج تكوين القضاء والنيابة والمستشارين من دائرة التبعية التنفيذية المشتتة (رئاسة الجمهورية، وزارة العدل، مجلس العدل، المفوضية القومية للخدمة القضائية – وكلها جهاتٌ تتداخل اختصاصاتها كما أثبتت الورقة النقاشية لمسودة مجلس القضاء العالي) إلى مظلة قضائية واحدة هي مجلس القضاء العالي، على أن يضم هذا المجلس القضاء بدرجاته (المحكمة الدستورية والمحكمة العليا وقضاة الحكم) والنيابة العامة بوصفها جهازًا شبه قضائي، مع بقاء مستشاري الحكومة والمحامين – لاختلاف طبيعة عملهم – مرتبطين بالتكوين نفسه دون التبعية الإدارية ذاتها بتفصيل يرد في محله قادماً، وبما يقطع الطريق أمام تكرار مصير المعهد الذي حُلّ عام 2006 وقُسّمت مكتبته، ثم “قُصّ جناح” قانونه في المجلس الوطني عام 2015.

شهادة من التجربة: الحاجز الذي يتكرر، ولي في هذا شهادة شخصية أزيدها إيضاحاً لا استطراداً: فقد كنت أول مدير لمعهد التدريب والإصلاح القانوني في السودان، وواجهت منذ اليوم الأول واقع أجهزة عدلية هي – بالتعبير نفسه الذي استخدمته أوراق اللجنة العدلية لاحقًا لوصف الداء عينه – “جزر منعزلة” ترفض المعهد وتقاوم فكرته. ومع ذلك نجح في تخريج دفعة واحدة متميزة من القضاة ووكلاء النيابة والمستشارين، أمضوا عامًا كاملًا داخل المعهد في تكوين متكامل نظري وميداني لا يقل عن أي نموذج من النماذج التي استعرضناها أعلاه. وفي يوم تخريج تلك الدفعة بالذات، نجح معارضو المعهد – من داخل المنظومة العدلية نفسها التي كان ينبغي أن تكون أول المستفيدين منه – في تعطيل عمله. ثم انتقلت لاحقًا لأتولى وزارة العدل، ظانًا أن هذا الموقع سيمكنني أخيرًا من إزالة تلك الحواجز، فإذا بي أعجز عن ذلك أيضًا؛ لأن العائق لم يكن يومًا عائقًا تشريعيًا أو تقنيًا يُحل بمعهد أفضل أو منهج أحدث، بل كان – وما زال – عائق التأثير الشخصي والسياسي في تعيينات القضاء والنيابة وترقياتهم، إذ مهما بلغت دقة التوصيات وحُسن صياغة القوانين، يبقى هذا الحاجز – تدخل الأفراد والولاءات في مسار التكوين والترقية – أكبر معوق لتطور النظام العدلي والتدريب في السودان، ولا يُعالَج بحُسن نية القائمين عليه، بل باستقلالية مؤسسية يحميها القانون والمساءلة، لا الوعود وحدها.

خامسًا: رأي من داخل القضاء – التأهيل والأداء

ولمزيد من التوازن، يحسن أن يُستمع أيضًا إلى صوت من داخل مؤسسة القضاء ذاتها، عبّر عنه أستاذنا القاضي أبو قصيصة، نائب رئيس القضاء السابق وقاضي المحكمة الدستورية الأسبق، وهو رأيٌ يشاركه فيه كثيرٌ من كبار القضاة: إنّ “القضاء صناعة تتعلمها الأجيال عن بعضها”، لا مجرد منهج يُدرَّس في قاعة. ويختصر هذا الرأي التدريب في أمرين اثنين: التأهيل والأداء.

أما عن أولوية العناية، فيطرح سؤالًا جوهريًا: هل الحاجة إلى محكمة أول درجة أقوى، أم إلى التصحيح أمام المراحل الأعلى كالاستئناف؟ ويُـرجّح – مع تقديره لرأي أصحاب المراحل الأعلى – أن محكمة أول درجة هي الأولى بالعناية في بنية القضاء كلها؛ ذلك أن قوتها تقلل من عدد الاستئنافات، وهذا يعالج مُباشرةً إحدى أبرز علل التأخير والتذمر من بطء القضاء وكفاءته – وهي حجة تلتقي تمامًا مع ما رصدته أوراق اللجنة العدلية من تراكم للقضايا وتذمر عام من بطء التقاضي.

فما الذي يضمن قوة محكمة أول درجة؟ هنا يرد “التأهيل”: يعيدنا الأستاذ أبو قصيصة إلى نقطة الانطلاق نفسها – الجامعة – مستذكراً عهداً كانت الجامعة فيه واحدة، وكانت أعلى الدرجات المطلوبة للقبول فيها هي درجات كليتي الطب والقانون فحسب؛ أي أن معيار الانتقاء الصارم عند باب الكلية هو أول لبنة في “تأهيل” القاضي، قبل أي تدريب لاحق – وهو ما يتقاطع مع النموذج الفرنسي القائم على مسابقة وطنية لا يجتازها إلا واحد تقريبًا من كل ثمانية عشر متقدمًا.

أما “الأداء” فيتجسّد في مثال عملي بسيط لكنه بالغ الدلالة: توفر “كتاب القانون” – وهو ثلاثة عشر مجلدًا مقوى الغلاف يحوي قوانين السودان كافة، حسن الفهرسة موضوعًا وكلمة – بيد كل محكمة أول درجة، بحيث تمتد يد القاضي في لحظة الحاجة لتجد النص أمامه فورًا دون تأجيل. فهذا التمكين الإجرائي البسيط – إتاحة الأداة الصحيحة في متناول اليد – لا يقل أثرًا في سرعة التقاضي وكفاءته عن أفخم برامج التدريب النظري، وهو تذكيرٌ بأن “الأداء” لا يُقاس فقط بعمق الفهم القانوني، بل أيضًا بتوفر أدوات العمل اليومية التي تختصر زمن التقاضي وتمنع تراكم القضايا.

وهذا الرأي، وإن جاء من زاوية مختلفة عن أوراق اللجنة العدلية، لا يناقضها بل يكملها: فإذا كانت اللجنة تتحدث عن “تكوين” مؤسسي جامع تحت أكاديمية موحدة، فإنّ مولانا أبو قصيصة يذكّرنا بأن هذا التكوين لا يبدأ من باب المعهد، بل من باب القبول الجامعي نفسه، ولا يكتمل بمنهج نظري، بل باستعداد إجرائي يومي يتيح للقاضي أن يُصدر حكمه دون تأجيل تنتظره قاعة محكمة مزدحمة بالمتقاضين.

سادسًا: رأي آخر – استقلالية المعهد عبر مجلس أمناء لا تبعية لجهة واحدة

في مداخلة نشرها الدكتور صديق حسين، يطرح رأيًا يستحق أن يُضاف لهذا النقاش، ينطلق من تحذير تاريخي ثم يصل إلى تصور مؤسسي مغاير جزئيًا لما خلصنا إليه أعلاه. أما عن الوضع الأمثل نظريًا، فيؤكد د. حسين أولًا الحاجة الملحة لاستمرار وجود معهد للتدريب القانوني، مستشهداً بأن السودان من الدول القليلة التي تتيح لطالب القانون أن يعمل في القضاء أو النيابة أو المحاماة بعد سنة واحدة فقط من اجتيازه امتحاناً تحريرياً من منزله، بينما لا يُعيَّن خريج القانون في بريطانيا في سلك القضاء الواقف (Barristers) أو الجالس (Judges) ما لم يمضِ فترة تدريب إجباري بنجاح في واحدة من “المنازل المهنية” (Inns of Court)، ولا يحوز إجازة المحاماة المكتبية (Solicitor) ما لم يمضِ سنتي تدريب بنجاح في معهد جمعية المحامين لإنجلترا وويلز (Law Society for England & Wales). وفي أمريكا – يضيف – لا يوجد تدريب بعد دراسة القانون، لكن دراسة القانون نفسها غير متاحة أصلًا لطلاب الثانوي، بل حصرٌ لمن حصل على درجة جامعية في مجال آخر من العلوم الإنسانية والطبيعية أولًا. وبصفة عامة تلتزم معظم الدول بتدريب لاحق للتخرج قبل الالتحاق بالمهن القانونية، بينما تشترط أخرى ألا يُتاح العمل القضائي لمن يحمل مؤهلاً جامعياً في مجال آخر إلا بتدريب إضافي واجتياز امتحان مهني (Bar Exam).

 

لكن الأهم في طرح د. حسين هو تصوره لتبعية المعهد: فهو يرى أن معهد التدريب القانوني “لا يجب أن تتملكه وزارة العدل أو السلطة القضائية”، بل يجب أن يكون مستقلاً، بمجلس أمناء من بينهم ممثلون للسلطة القضائية ونقابة المحامين والنيابة العامة ووزارة العدل، وثلاثة أعضاء يمثلون جميع كليات القانون، على أن يكون من بينهم عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم وعميد كلية قانون أخرى، وأرى أن يضاف القضاة المتقاعدين ومن كبار المحامين وأساتذة الجامعات في المجلس والمجلس العلمي.

هذا الطرح يختلف جوهرياً عما خلصنا إليه في القسم الثالث أعلاه من ترجيح تبعية المعهد لمجلس القضاء العالي حصراً: فبينما يرى هذا المقال أن الاستقلال يتحقق بإخراج التكوين من دائرة التبعية التنفيذية إلى مظلة قضائية عليا واحدة، يرى د. حسين أن أي تبعية أحادية – ولو كانت لجهة قضائية – تحمل في ذاتها بذرة التكرار نفسه الذي شهدناه من قبل؛ ومن ثم يقترح تعددية تمثيلية واسعة تحول دون هيمنة أي طرف بمفرده، قضائياً كان أو تنفيذياً. والحقيقة أن كلا الطرحين يلتقيان في الهدف – استقلالية المعهد عن التأثير الشخصي والسياسي الذي تحدثنا عنه في شهادتنا الشخصية أعلاه – وإن اختلفا في الوسيلة؛ وهذا بالضبط ما ينبغي أن يُحسم بنقاش عام واسع قبل أن يتحول أي من الطرحين إلى نص قانوني نهائي، حتى لا يتكرر مصير كل التجارب السابقة.

سابعاً: ما يستدعيه هذا كله في سودان ما بعد الحرب

• تشريع لا لائحة: تحويل مسودة مجلس القضاء العالي إلى قانون دستوري راسخ يُلحق به المعهد صراحة، بدل تكرار تجربة اللوائح المتذبذبة التبعية التي عصفت بالمعهد أربع مرات منذ 1994.

• إدارة مباشرة لا إشراف شكلي: أن ينص قانون مجلس القضاء العالي صراحةً على أن يتولى المجلس الإدارة المباشرة – لا مجرد التبعية الاسمية – لكل من الأكاديمية القضائية والقانونية الموحدة وإدارة التفتيش معًا، بحيث تكون الأكاديمية ذراعه في التكوين والتخصص، والتفتيش ذراعه في المتابعة والمساءلة، ضمن تسلسل إداري ومالي واحد يبدأ من أول درس تكوين وينتهي عند آخر تقييم أداء، دون أن يتوسط بينهما أي جهاز تنفيذي كوزارة العدل أو غيرها؛ فتوسط الوسيط – كما تثبت تجربة المعهد نفسها – هو الثغرة التي تتسلل منها كل مرة إشكالية التأثير الشخصي والسياسي.

• برنامج تكوين تعويضي عاجل – لا ينتظر اكتمال الأكاديمية – لإعادة تأهيل من انقطع عن الخدمة أو التطور المهني بسبب النزوح واللجوء خلال سنوات الحرب، بالتوازي مع تكوين الملتحقين الجدد.

• دمج مسار النيابة العامة والمستشارين ضمن نفس منظومة التكوين والمتابعة، لا بمعزل عنها كما هو حادث الآن، تفاديًا لما رصدته ورقة النيابة العامة من نقص حاد في تدريب وتأهيل أعضائها وضعف تمويلها.

• استقلال مالي حقيقي لإدارة التفتيش والمتابعة تحت مجلس القضاء العالي، بدل بقائها أداة قد تُستخدم سياسياً كما حذّرت الأوراق مراراً.

• شراكات دولية وإقليمية – مع نماذج كاليابان وفرنسا وألمانيا وأمريكا، ومع المعاهد القضائية العربية الشقيقة – لتمويل مرحلة إعادة البناء وتبادل الخبرات، بدل الاكتفاء بموازنة حكومية متعثرة بعد الحرب.

• الاستثمار في محكمة أول درجة تحديداً – تأهيلاً وأداءً – بدءًا من رفع معايير القبول بكليات القانون وانتهاءً بتزويد كل محكمة بمرجع قانوني كامل ومفهرس يتيح للقاضي إصدار حكمه دون تأجيل، أخذاً برأي كبار القضاة بأن قوة أول درجة هي أنجع علاج لتراكم الاستئنافات وبطء التقاضي.

 

فالفرصة التي تتيحها لحظة إعادة الإعمار نادرا ما تتكرر: إما أن يُبنى نظام تكوين عدلي موحّد – من أول درس نظري إلى آخر تقييم متابعة – يليق بما بذلته أجيال من القانونيين السودانيين منذ فجر الاستقلال، أو تُضاف هذه التوصيات إلى سجل طويل من التقارير التي أحسنت التشخيص وأخفقت في التنفيذ. وإلى المقال القادم وكيفية إصلاح السلطة القضائية إن شاء الله.