![]()
في الخامس من يوليو/ تموز 2026، تطوي الجزائر 64 عامًا على الاستقلال الذي يعد واحدًا من أكثر الذاكرات السياسية كثافة في العالم العربي وإفريقيا.
ذاكرة وُلدت من حرب تحرير طويلة، ثم رافقت بناء دولة ما بعد الاستعمار، وصارت جزءًا من تعريف الجزائريين لأنفسهم، ومن طريقة نظرهم إلى الدولة، والهوية، والسيادة، والعلاقة المعقدة مع فرنسا.
كان الاستقلال نهاية احتلال بدأ عام 1830، وتحوّل إلى دمج لأجزاء من الجزائر ضمن البنية الإدارية الفرنسية، قبل أن تنتهي الحقبة الاستعمارية باستفتاء تقرير المصير في الأول من يوليو/ تموز 1962، واعتراف فرنسا باستقلال الجزائر في الثالث من الشهر نفسه، ثم إعلان الاستقلال في الخامس من يوليو.
الذاكرة مؤسسة وطنية
تبدأ الذاكرة الرسمية للجزائر الحديثة غالبًا من الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، يوم إعلان الثورة الجزائرية وانطلاق العمل المسلح ضد الاستعمار الفرنسي.
في ذلك الإعلان، برزت جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني بوصفهما أداتَي الكفاح من أجل الاستقلال، قبل أن تتحول الثورة لاحقًا إلى مرجعية تأسيسية للجمهورية كلها.
ومع مرور السنوات، أصبحت حرب التحرير أصل الشرعية السياسية، ولغة الدولة، ومصدرًا للرموز الكبرى: العلم، النشيد، أسماء الشوارع، المتاحف، المناسبات، والخطاب السياسي.
في ديسمبر/ كانون الأول 2025، أقرّ المجلس الشعبي الوطني الجزائري قانونًا يجرّم الاستعمار الفرنسي، ويطالب باسترداد أرشيف وممتلكات ورفات مقاومين وخرائط تتصل بالتجارب النووية الفرنسية في الجزائر بين 1960 و1966، في خطوة أظهرت أن الذاكرة لا تزال ملفًا مفتوحًا بين البلدين، لا مجرد خلاف تاريخي مؤرشف.
دولة الاستقلال
بعد الاستقلال، وجدت الجزائر نفسها أمام مهمة بناء دولة من ركام استعمار طويل، وتعويض نزيف بشري ومؤسساتي، وإعادة تعريف الاقتصاد والتعليم والإدارة والهوية الوطنية.
وانقلاب 19 يونيو/ حزيران 1965، حين أطاح هواري بومدين بالرئيس أحمد بن بلة، كرّس قاعدة غير مكتوبة مفادها أن الجيش ليس مجرد مؤسسة دفاعية، بل أحد مراكز صناعة القرار في الدولة.
جرح التسعينيات
إذا كانت حرب التحرير هي الذاكرة المؤسسة، فإن “العشرية السوداء” تمثل الذاكرة الصعبة. فبعد اضطرابات أكتوبر/ تشرين الأول 1988 والإصلاحات السياسية التي فتحت باب التعددية، دخلت البلاد في أزمة عميقة مع إلغاء المسار الانتخابي مطلع 1992، ثم اندلاع عنف واسع بين الدولة وجماعات مسلحة.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن تلك المرحلة أودت بحياة ما بين 100 ألف و200 ألف شخص، مع بقاء الرقم، مثل كثير من ملفات تلك الحقبة، موضوعًا حساسًا ومفتوحًا.
هذا الجرح ترك أثرًا طويلًا في المجتمع والسياسة. فقد صار الاستقرار قيمة كبرى لدى قطاعات واسعة من الجزائريين، لا لأنهم يرفضون التغيير، بل لأن ذاكرة الحرب الداخلية جعلت الخوف من الفوضى حاضرًا في الوعي العام.
ومن هنا، استطاع النظام السياسي لاحقًا أن يستثمر خطاب “الأمن أولًا”، فيما بقيت مطالب الإصلاح تتقدم بحذر، وتُقرأ دائمًا على خلفية السؤال: كيف يمكن تغيير النظام من دون العودة إلى العنف؟
جيل الحراك
في فبراير/ شباط 2019، عاد الشارع الجزائري إلى قلب السياسة مع انطلاق الحراك الشعبي رفضًا لترشح بوتفليقة لولاية خامسة.
رفع الحراك شعارات مدنية وسلمية، وطالب بدولة قانون، ومؤسسات منتخبة، وقضاء مستقل، ومحاسبة الفساد، حيث استعادت شعاراته لغة الثورة نفسها: السيادة للشعب، لا للوصاية؛ الدولة للشعب، لا للشبكات المغلقة؛ والشرعية لا تُورث من جيل التحرير إلى جيل الحكم بلا مساءلة.
فرنسا.. ذاكرة لا تهدأ
بعد 64 عامًا، لا تزال العلاقة الجزائرية الفرنسية واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في المتوسط. فهناك ملايين الروابط البشرية والعائلية واللغوية والاقتصادية، لكن هناك أيضًا تاريخًا ثقيلًا من الاحتلال والحرب والتعذيب والتهجير والتجارب النووية والأرشيف المعلّق.
لقد اتخذت فرنسا خلال السنوات الأخيرة خطوات اعتراف جزئية ببعض وقائع حرب الجزائر، بينها إقرار الرئيس إيمانويل ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية عن اغتيال المناضل الجزائري العربي بن مهيدي عام 1957، بعدما ظلت الرواية الفرنسية الرسمية لعقود تتحدث عن انتحاره.
غير أن هذه الخطوات بقيت، في نظر الجزائر وقطاعات واسعة من الجزائريين، أقل من مطلب الاعتذار الشامل والاعتراف الكامل بالجرائم الاستعمارية.
لذلك، لا يبدو ملف الذاكرة مرشحًا للإغلاق السريع. في الجزائر، يرتبط الأمر بشرعية وطنية مؤسسة على التحرر، وفي فرنسا، يرتبط بتاريخ جمهوري لا يزال يتردد في مواجهة بعض فصوله الاستعمارية.
