![]()
الجمارك السودانية في معركة الكرامة.. أدوار غيرت معادلة الحرب
متابعات: النورس نيوز- في اللحظة التي توقفت فيها عجلة مؤسسات كثيرة مع اندلاع الحرب في السودان، اختارت قوات الجمارك السودانية أن تكون في الصف الأول للدفاع عن الدولة، ليس بالسلاح فقط، بل بالإيراد والرقابة والتقنية والعمل الاجتماعي.
ومن العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان، تحولت الجمارك إلى نموذج لمؤسسة دولة راسخة، انتقلت بوعي كامل من إدارة الأزمة إلى صناعة الإنجاز، وأثبتت في معركة الكرامة أن السيادة لا تُحمى على الجبهات وحدها، بل تُصان أيضاً على المنافذ والحدود وفي خزينة الدولة.
الإيرادات ودعم الاقتصاد الوطني
منذ الأيام الأولى للحرب وانتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، باشرت قوات الجمارك العمل يدوياً دون انقطاع، في مشهد جسّد أعلى درجات الانضباط المؤسسي. لم يكن الأمر مجرد تسيير إجراءات، بل كان معركة حقيقية للحفاظ على شريان الدولة المالي.
ورغم التحديات الاستثنائية، نجحت الجمارك في استعادة النظام الجمركي إلكترونياً بتاريخ 20 مايو 2023، وهو تاريخ مفصلي مكّن الدولة من مواصلة تحصيل الإيرادات بانتظام حتى في أشد فترات المعارك بالخرطوم. هذا الاستمرار لم يكن رقماً في دفتر الحسابات، بل انعكس مباشرة في دعم المجهود اللوجستي للقوات المسلحة وتأمين احتياجات الدولة الأساسية من وقود ودواء وغذاء.
لقد أكد هذا الأداء أن دور الجمارك تجاوز التحصيل التقليدي ليصبح أحد أعمدة الصمود الاقتصادي، وحائط صد أمام محاولات خنق الدولة مالياً.
حماية المجتمع.. ضبطيات نوعية
بالتوازي مع دورها الاقتصادي، واصلت الجمارك دورها كخط دفاع أول في حماية المجتمع، بالتنسيق مع جهاز الأمن والمخابرات، وحققت خلال الفترة الماضية سلسلة ضبطيات نوعية كشفت حجم المهددات التي تستهدف السودان.
في ملف تهريب المعادن، تم ضبط 185 كيلوغراماً من الذهب كانت في طريقها للخارج. وفي ملف السلاح، تم ضبط 258 قطعة سلاح مختلفة، و115,628 طلقة متنوعة، بالإضافة إلى 4 مناظير قنص.
أما حرب المخدرات فكانت الأرقام صادمة: 276,000 حبة كبتاجون، و50,630 رأس حشيش، و22,986 كيلوغرام آيس، و51 جوال قات، و299 كيلوغرام هيروين، و42 كيس آيس مذاب، و500 كيلو شاشمندي. هذه الأرقام لا تعكس يقظة منسوبي الجمارك وكفاءة منظومة التفتيش فحسب، بل تكشف حجم الاستهداف الممنهج لشباب السودان وأمنه الداخلي.
من العمل اليدوي إلى التحول الرقمي
مثّل التحول التقني قصة نجاح استثنائية في ظروف الحرب. بعد مرحلة العمل اليدوي، جاءت استعادة النظام الإلكتروني في مايو، ثم الخطوة الأكبر باستعادة نظام ASYCUDA العالمي بتاريخ 1 أكتوبر 2023، وهو ما أعاد ربط الإدارات الجمركية بالجهات ذات الصلة وسرّع الإجراءات بشكل كامل.
لم يتوقف التطوير هنا، بل توسع ليشمل: اعتماد نظام إيصالي ومنصة بلدنا وربطهما إلكترونياً، إضافة لتطبيق نظام التتبع الإلكتروني للحاويات من الميناء إلى الولايات، فضلاً عن توسيع الرقابة الإلكترونية باستخدام الكاميرات الثابتة والطائرات المسيّرة (الدرون) وأجهزة الكشف بالأشعة السينية X-Ray.
وفي خطوة استراتيجية لحماية سيادة البيانات، نجحت الجمارك في استعادة مركز البيانات (Data Center) وإنشاء نسخة احتياطية في موقع آمن. ويجري حالياً تشغيل نظام الأشعة السينية المتطور بالميناء الجنوبي تمهيداً لتعميمه على الموانئ البحرية والجوية.
الدور الاجتماعي في معركة الكرامة
لم تنحصر الجمارك في المكاتب والمنافذ، بل كانت حاضرة في الميدان الإنساني. سيّرت قوافل دعم ومؤازرة للخطوط الأمامية في محلية كرري، وولايات الجزيرة وسنار والخرطوم، محملة بالمواد الغذائية والأدوية للقوات المسلحة والقوات النظامية والمساندين.
وامتد الدعم للجرحى عبر زيارات ميدانية وتقديم دعم مادي في مستشفى الشرطة عطبرة، والسلاح الطبي مروي، والسلاح الطبي القضارف، ومستشفيات الشرطة في دنقلا وبورتسودان وكسلا، إضافة إلى زيارة السلاح الطبي بالخرطوم أيام التحرير.
وفي ملف النزوح، قدمت الجمارك قوافل لمعسكرات العفاض بالشمالية، والقضارف، وكسلا وسنار، وشاركت في تفويج العائدين إلى الخرطوم ومدني وسنار بتوفير البصات. كما فتحت مجمعاتها الطبية في بورتسودان وكوستي وكسلا والخرطوم (شارع الحرية) ودنقلا وعطبرة لخدمة المواطنين.
ويبقى الوفاء الأكبر في رعاية أسر 45 شهيداً من منسوبي الجمارك في معركة الكرامة، إضافة إلى 163 شهيداً من شهداء مكافحة التهريب، وهو التزام أخلاقي مستمر.
أخيراً.. ما قدمته قوات الجمارك السودانية خلال معركة الكرامة يتجاوز التقارير الرقمية، إنها مؤسسة أثبتت أنها قادرة على القتال بأدوات الاقتصاد والتقنية والعمل الاجتماعي في آن واحد، حافظت على الإيرادات حين احتاجتها الدولة، وضبطت الذهب والسلاح والمخدرات حين استُهدِف المجتمع، وبنت أنظمة رقمية تحت القصف، ومدت يدها للجرحى والنازحين وأسر الشهداء، لقد جسدت الجمارك بالفعل نموذجاً لمؤسسة الدولة التي لا تنهار في الحرب، بل تعيد تعريف دورها وتصنع من قلب الأزمة إنجازاً وطنياً.