![]()
الحرب في السودان لم تعد تحتاج إلى الاقتراب براً… السماء أصبحت جبهة قتال كاملة
متابعات النورس نيوز
تعرّضت مدينة الأبيّض في ولاية شمال كردفان خلال الأشهر الماضية لسلسلة هجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة، في وقت اقتربت خطوط القتال البرية إلى أقل من 40 كيلومتراً، ما جعل المدينة واحدة من أكثر المناطق السودانية عرضة للضربات الجوية منذ بداية عام 2026.
وأفاد شهود ومصادر طبية في 12 أغسطس بأن ثماني مسيّرات استهدفت الأبيّض خلال يوم واحد، ما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين، من دون إعلان أي طرف مسؤوليته عن الهجمات. وقالت منظمة «أطباء بلا حدود»، استناداً إلى بيانات «المنظمة الدولية لسلامة المنظمات غير الحكومية»، إن شمال كردفان سجل ما لا يقل عن 141 ضربة منذ بداية العام وحتى 8 يوليو، وقع معظمها داخل المدينة، وطالت مدارس وسوقاً ومحطات وقود ونقاط مياه ومحطة الكهرباء الرئيسة. وقدّرت المنظمة وجود نحو 100 ألف نازح بين سكان المدينة البالغ عددهم قرابة نصف مليون.
وخلال الفترة بين 6 و28 يونيو، وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 45 مدنياً وإصابة 41 آخرين في 15 ضربة بالأبيّض ومحيطها. وأفادت «هيئة الأمم المتحدة للمرأة» بأن نساء وفتيات تجنّبن الخروج لجلب المياه نهاراً خوفاً من الهجمات، بينما يعرضهن الخروج ليلاً لمخاطر التحرش والعنف الجنسي، في ظل نقص المياه والغذاء والرعاية الصحية.
وأصبحت الأبيّض مثالاً على التحول الذي طرأ على الحرب السودانية بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها في 15 أبريل 2023، إذ لم تعد الجبهة البرية وحدها تحدد نطاق القتال، بعدما وصلت الضربات الجوية إلى الأسواق والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمطارات في مدن بعيدة عن خطوط المواجهة.
وتكررت هذه الأنماط في بورتسودان، حيث قال محمد عبد المنعم، وهو نازح من الخرطوم بحري، إن أول هجوم بالمسيّرات على المدينة وقع صباح 4 مايو 2025، عندما شاهد طائرة مسيّرة تتجه شرقاً قبل سماع انفجارات قرب قاعدة فلامنغو البحرية. وتعرضت المدينة بين 4 و9 مايو لهجمات طالت منشآت عسكرية ومدنية، بينها مطار بورتسودان الدولي ومستودع وقود وقاعدة عثمان دقنة الجوية.
وفي 6 مايو، أصابت ضربة محطة الكهرباء الرئيسة ومستودعاً للوقود، ما أدى إلى حريق واسع وانقطاع كامل للتيار. وقال عبد المنعم إن الدخان ظل يتصاعد لأيام من اتجاه الميناء الجنوبي ومن مستودعات الوقود، بينما انشغل السكان بتبادل الأخبار عن المواقع المستهدفة.
وتسببت الضربات في تفاقم أزمة المياه في الأحياء الشرقية للمدينة، إذ أدى انقطاع الكهرباء إلى توقف محطات الضخ والتحلية. وبعد أقل من 24 ساعة، ظهرت أزمة وقود واصطف المواطنون أمام المحطات. ووفق مشروع تقييم القدرات، أثرت الهجمات على الكهرباء والوقود والمياه، وأدت إلى نزوح ما لا يقل عن 550 أسرة وتعطيل عمليات إنسانية ورحلات جوية تابعة للأمم المتحدة.
وقال عبد المنعم إن الحرائق استمرت لنحو أسبوعين، وإن الدخان غطى سماء المدينة، بينما غادر بعض السكان براً نحو مصر عبر طرق غير نظامية. وأوضح أنه فكّر في النزوح مجدداً لكنه تراجع بعد توقف خدمات المطار، مضيفاً أن «وصول المسيّرات إلى بورتسودان أكد أن الحرب يمكن أن تصل إلى أي مكان».
وفي شمال دارفور، قُصفت سوق كبكابية الأسبوعية في 9 ديسمبر 2024، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين، بينهم 15 نازحاً، وفق شهادات وثّقتها «منظمة العفو الدولية». وأظهرت الحادثة أن الضربات الجوية يمكن أن تستهدف مواقع مكتظة بالمدنيين بعيداً عن خطوط القتال.
وفي الولاية الشمالية، تعرض سد مروي ومنشآته الكهربائية لهجمات في يناير 2025، ما تسبب في اضطراب واسع في شبكة الكهرباء. وقالت «رويترز» إن الانقطاعات امتدت إلى نهر النيل والبحر الأحمر وولايات شرقية، وعطلت المستشفيات والمدارس ومنشآت المياه. وأوضح مشروع تقييم القدرات أن الضربات على عقدة واحدة في الشبكة يمكن أن تؤثر على مناطق تبعد مئات الكيلومترات.
وفي الأبيّض، قالت «أطباء بلا حدود» إن تصاعد الهجمات أدى إلى نقص الوقود وارتفاع كلفة النقل وصعوبة الوصول إلى المياه والرعاية الصحية، في مدينة تعمل خدماتها تحت ضغط شديد.
ويرى الخبير العسكري الفاتح جمعة حمدي جبارة أن التحول في الحرب ناتج عن «تغير كبير في استخدام السلاح»، موضحاً أن الطيران المأهول كان يهيمن في بداية القتال، بينما كانت المسيّرات تُستخدم للاستطلاع. لكن دورها توسع منذ أواخر 2023، وأصبحت خلال 2025 و2026 جزءاً أساسياً من العمليات، تُستخدم لضرب قواعد ومخازن وقود ومحطات كهرباء ومواقع بعيدة عن الاشتباكات.
وأشار جبارة إلى أن الجيش يمتلك مسيرات «مهاجر – 6» الإيرانية و«بيرقدار TB2» و«بيرقدار أكينجي» التركية، بينما تستخدم قوات الدعم السريع مسيرات «CH – 95» الصينية وأنواعاً بعيدة المدى. وتتنوع وظائف المسيّرات بين الاستطلاع القريب والمسيرات التكتيكية والقتالية والانتحارية.
وقال إن المسيّرات بعيدة المدى تعتمد على أنظمة ملاحة عبر الأقمار الصناعية ونظام القصور الذاتي ومسارات مبرمجة، ما يسمح لها بالوصول إلى أهداف بعيدة دون قيادة مباشرة، وهو ما ألغى مفهوم «العمق الآمن». وأضاف أن الحماية لم تعد تعتمد على المسافة، بل على الإنذار المبكر والتغطية الرادارية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وسرعة استعادة الخدمات.
وأوضح أن انخفاض كلفة تشغيل المسيّرات مقارنة بالطائرات المقاتلة لا يعني انخفاض أثرها على الأرض، إذ يمكن لضربة واحدة أن تعطل مستشفى أو مضخة مياه أو مخبزاً أو منشأة وقود. وأشار إلى أن اعتراض المسيّرة لا ينهي الخطر، إذ قد تتساقط أجزاء من الهيكل أو الرأس الحربي غير المنفجر في مناطق مأهولة.
واختتم جبارة بأن مواقع كانت تُعد بعيدة عن الحرب أصبحت داخل نطاقها، وأن الهدوء في الشوارع لا يعني أن القتال بعيد، مؤكداً أن «الحرب في السودان لم تعد تحتاج إلى الوصول براً، بل يمكن أن تأتي من السماء