![]()
الشرق الأوسط: يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.
وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) – سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.
وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.
وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».
وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.
النيل موجود والمياه لا تصل
في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».
وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».
مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».
مخاطر في سنار
في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.
وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».
دارفور وكردفان… الخطر يتسع
تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».
وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.
وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.
وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 – 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.
ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.
وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.
موسم متفاوت في جنوب كردفان
لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.
وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.
موسم مقبل أكثر صعوبة
يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.
كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.
الحكومة: الإنتاج مطمئن
تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».
وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.
لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.
The post الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان .. نفوق ماشية وارتفاع جنوني لأسعار الحبوب وتعثر الزراعة في بعض الولايات appeared first on سودانايل.