الحرس الخاص.. رجال دفعوا أرواحهم ثمناً لحماية الجنرال البرهان ووسام الشجاعة للعقيد مدثر

الحرس الخاص.. رجال دفعوا أرواحهم ثمناً لحماية الجنرال  البرهان ووسام الشجاعة للعقيد مدثر

Loading

الحرس الخاص.. رجال دفعوا أرواحهم ثمناً لحماية الجنرال البرهان ووسام الشجاعة للعقيد مدثر

بقلم محمد عثمان الرضي

◆ في دهاليز السلطة، حيث لا تصل عدسات الكاميرات ولا تتسرب التفاصيل إلى العلن، يقف رجال لا يعرفهم الجمهور كثيراً، لكنهم يعرفون عن الدولة ورجالها أكثر مما يعرف كثيرون. إنهم رجال الحرس الخاص، والسائقون، ومديرو المكاتب، والسكرتارية الخاصة، والطباخون المقربون من كبار المسؤولين.

◆ هذه الوظائف قد تبدو في ظاهرها عادية، لكنها في حقيقتها من أكثر المواقع حساسية وخطورة، لأن أصحابها يعيشون على مقربة من مراكز القرار، ويطلعون بحكم طبيعة عملهم على تفاصيل دقيقة من حياة المسؤول وتحركاته واتصالاته.

◆ ولذلك فإن القرب من كبار رجال الدولة ليس امتيازاً فحسب، بل مسؤولية ثقيلة، والثقة التي تُمنح لمن يدخل الدائرة الخاصة ليست ثقة عابرة، وإنما أمانة قد تتعلق بأمن الدولة وسلامة المسؤول ومستقبل مؤسسات بأكملها.

◆ الحرس الخاص تحديداً ليس مجرد رجل يقف خلف المسؤول أو بجواره في المناسبات، وإنما هو خط الدفاع الأول عندما تتحول الحماية من مهمة بروتوكولية إلى مواجهة حقيقية مع الخطر.

◆ وفي اللحظات العادية قد لا يلتفت أحد إلى رجل الحراسة، لكن في لحظة الخطر يصبح هو الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، وبين سلامة القائد ووصول الخطر إليه.

◆ ومن هنا تأتي أهمية الاختيار الدقيق لهذه الدائرة، فليس كل ضابط صالحاً لأن يكون حارساً خاصاً، وليس كل موظف مؤهلاً لأن يكون سكرتيراً أو مدير مكتب لمسؤول في قمة هرم الدولة.

◆ الأمانة، والانضباط، والشجاعة، وحسن السلوك، والقدرة على حفظ الأسرار، كلها شروط لا غنى عنها فيمن يُسمح له بالاقتراب من كبار المسؤولين.

◆ بالأمس، منح رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان وسام الشجاعة لسكرتير مكتبه الخاص العقيد مدثر عثمان عبدالرحمن.

◆ والوسام العسكري ليس مجرد تكريم عابر أو مجاملة بروتوكولية، وإنما يحمل قيمة معنوية كبيرة، لأنه يأتي تقديراً لمن ثبتت شجاعته وتفانيه في أداء واجبه.

◆ وتكريم العقيد مدثر عثمان عبدالرحمن يستحق أن يُقرأ بعيداً عن مراسم تسليم الوسام، وأن يُنظر إليه باعتباره رسالة تقدير لرجل ظل يؤدي واحدة من أكثر المهام حساسية في الدائرة القريبة من رئيس مجلس السيادة.

◆ فالسكرتير الخاص ليس موظف مواعيد وملفات فقط، وإنما رجل يعيش في مساحة شديدة الخصوصية، ويعرف ما لا يعرفه الآخرون، ويتعامل مع تفاصيل لا يمكن أن تكون متاحة للجميع.

◆ ومن هنا جاءت أهمية الثقة التي تُمنح لمن يشغل هذا الموقع، لأن المسؤول يستطيع أن يستبدل موظفاً في مكتب، لكنه لا يستطيع أن يستهين بمن يحمل أسراره ويقترب من تفاصيل حياته وقراراته.

◆ العقيد مدثر عثمان عبدالرحمن يُعد من الضباط الذين حازوا ثقة القيادة، واختياره لهذا الموقع الحساس يعكس ما يتمتع به من صفات تتطلبها مثل هذه المهام من أمانة وانضباط وحسن أخلاق وكفاءة.

◆ غير أن السكرتير الخاص، مهما كانت أهميته، ليس وحده في هذه الدائرة؛ فهناك رجال آخرون يعملون في صمت، وفي مقدمتهم الحرس الخاص والتأمين الشخصي، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية حماية حياة القائد في كل لحظة.

◆ هؤلاء الرجال لا يملكون ترف الخطأ، ولا يستطيعون التردد عندما يبدأ الخطر، لأن ثواني قليلة قد تكون كافية لتغيير مصير إنسان أو مسؤول أو مؤسسة.

◆ وعندما اندلعت الحرب في الخرطوم في أبريل 2023، دخلت هذه الدائرة الضيقة واحدة من أصعب الاختبارات، وتحول الحرس الخاص والتأمين الشخصي من رجال يؤدون واجباً أمنياً إلى رجال يقفون في مواجهة الموت دفاعاً عن قائدهم.

◆ وفي تلك الساعات العصيبة، دفع عدد من أفراد الحرس والتأمين الخاص حياتهم ثمناً لحماية رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، وقدموا أرواحهم وهم يؤدون واجبهم.

◆ أولئك الرجال لم يملكوا في لحظة الخطر سوى شجاعتهم وانتمائهم للمؤسسة التي يخدمونها، فكانوا في مقدمة من واجهوا الخطر، واختاروا أن تكون أجسادهم دروعاً لحماية القائد.

◆ رحل بعضهم دون أن يعرفهم الناس، ودون أن تتصدر صورهم الصفحات، ودون أن تُكتب سيرتهم بالتفصيل، لكنهم أدوا أعظم ما يمكن أن يؤديه رجل أمن؛ أن يضع حياته في مواجهة الخطر من أجل حماية من اؤتمن عليه.

◆ وهنا تصبح قصة وسام الشجاعة للعقيد مدثر مرتبطة بصورة أوسع برجال الحرس الخاص الذين دفعوا أرواحهم في سبيل أداء واجبهم، لأن التكريم الحقيقي لا ينبغي أن ينسى من سبقوا إلى الموت وهم يؤدون المهمة نفسها.

◆ إن الحرس الخاص هم رجال الظل في مؤسسة الدولة؛ يعملون بعيداً عن الأضواء، لا يتحدثون كثيراً، ولا يظهرون إلا في لحظات محددة، لكنهم يظلون في حالة استعداد دائم لأن الخطر لا يمنح موعداً مسبقاً.

◆ وفي المقابل، فإن الدائرة الخاصة المحيطة بأي مسؤول يمكن أن تكون صمام أمان له، ويمكن أن تكون نقطة ضعف إذا دخلتها عناصر تفتقر إلى الانضباط أو حاولت استغلال القرب من المسؤول لتحقيق مصالح خاصة.

◆ كم من مسؤولين في العالم لم تسقطهم خصومهم، وإنما أسقطتهم دوائرهم الضيقة؛ نقلت إليهم معلومات ناقصة، وحجبت عنهم الحقائق، وخلقت حولهم عزلة جعلتهم يسمعون صوتاً واحداً ولا يسمعون أصوات الناس.

◆ وكم من مسؤولين استطاعوا تجاوز الأزمات لأنهم أحسنوا اختيار الرجال الذين يقفون حولهم؛ رجال لا ينافقون، ولا يستغلون النفوذ، ولا يبيعون الأسرار، ولا يحولون القرب من صاحب القرار إلى سلطة شخصية.

◆ ولذلك فإن السكرتير الخاص يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين؛ إما أن يكون إضافة حقيقية للمسؤول، أو يتحول إلى خصم صامت إذا تجاوز حدود مهمته واستغل الثقة الممنوحة له.

◆ وكذلك الحرس الخاص، فمهمته ليست حمل السلاح فقط، وإنما الالتزام الصارم بالتعليمات، والانضباط، واليقظة، والتقدير السليم للموقف، والاستعداد للتضحية عندما تفرض اللحظة ذلك.

◆ العقيد مدثر عثمان عبدالرحمن، من خلال التكريم الذي حظي به، يقف اليوم أمام مسؤولية أكبر من الوسام نفسه، لأن وسام الشجاعة لا يختتم رحلة الرجل، وإنما يرفع سقف المسؤولية الملقاة على عاتقه.

◆ والأهم من كل الأوسمة أن تظل الأمانة محفوظة، وأن تبقى الأسرار أسراراً، وأن يظل القرب من رئيس الدولة تكليفاً لا باباً للنفوذ، وأن يبقى رجال الحراسة والتأمين أوفياء للقسم والواجب.

◆ إن السودان في هذه المرحلة يحتاج إلى رجال يعرفون أن الدولة لا تُحمى بالكلمات وحدها، وأن المسؤولية ليست مظهراً ولا رتبة ولا مكتباً فاخراً، وإنما تضحية وانضباط وأمانة واستعداد لدفع الثمن عندما تأتي ساعة الحقيقة.

◆ وفي النهاية، سيبقى وسام الشجاعة الذي مُنح للعقيد مدثر عثمان عبدالرحمن عنواناً لتكريم رجل أدى واجبه، لكن خلف هذا الوسام تقف حكاية رجال آخرين لا ينبغي أن يغيبوا عن الذاكرة؛ رجال الحرس الخاص الذين وقفوا أمام الموت لحماية قائدهم، فدفع بعضهم حياته ثمناً للوفاء. هؤلاء هم رجال الظل الذين لا يبحثون عن التصفيق، لأن أعظم أوسمتهم أن يظل من اؤتمنوا على حمايته حياً.