![]()
عندما يتذكر السودانيون تاريخهم الحديث لا يجدون فيه حركة سياسية أخّرت الدولة وشوّهت الدين واستباحت الحياة العامة بقدر ما فعلت الحركة الإسلامية في السودان التي تعرّضت البلاد بسببها لتجربة استثنائية من التدمير السياسي والأخلاقي والاجتماعي امتدت لأربعة عقود وما تزال بذورها تعصف بأمن البلاد وسلامها حتى اليوم. ولا تبدأ القصة منذ عهد الرئيس جعفر نميري الذي احتاج في مطلع الثمانينيات إلى شرعية دينية لحكمه المنهار فلم يجد من يقدّمها له إلا الكيزان الذين اقتحموا دوائر صنع القرار وصاغوا ما سُمّي بقوانين سبتمبر 1983 وادّعوا أنها الشريعة الإسلامية في حين أنها كانت مزيجاً مشوّهاً من التفسير الأخواني الضيق والقسوة العقابية والتنكيل السياسي وخالية من روح العدل والرحمة والمرونة التي تحملها الشريعة الحقيقية. فجاءت هذه القوانين لتطبّق جرائم بشعة لم يعرف السودان مثلها في تاريخه الحديث وكانت هنالك ما يسمى محاكم الطوارئ التي أجرت محاكمات سرية وغير عادلة لم يسبق لها مثيل في البلاد وكانت الكارثة الكبرى أن غالبية من طالتهم هذه العقوبات ظلماً من أبناء السودان الجنوبيين المسيحيين فتتحول بذلك قوانين سبتمبر إلى آلة لخلق الكراهية بين الشمال والجنوب وتمييز ديني وظيفي ووثائقي ضد المواطن الجنوبي دفع الناس بعيداً عن الوحدة التي كان يمكن أن تنجو بدل أن تطوى صفحتها في 2011 وهؤلاء أنفسهم هم الذين دعموا نميري علناً في تجديد شرعيته ثم كانت أزمات البلاد وضائقة الشعب حتى أسقطه الشعب في ثورة مشهودة.
وفي فترة الديمقراطية الثالثة التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985 كان للحركة الإسلامية وجود بائس بين الأحزاب وفي الجيش والمؤسسات الحكومية والنقابات والجامعات وقد استفادت من كل باب لتعطيل أي مصالحة وطنية جادة مع الحركة الشعبية فعندما توجه السيد محمد عثمان الميرغني نحو التفاوض مع جون قرنق لإنهاء الحرب من خلال الاتفاق المبدئي الذي رُتّب بين الطرفين في 1988 والذي كان سيشمل وقف إطلاق النار وتنفيذ اتفاق سلام دون انفصال ودون استفتاء حسمت الحركة الإسلامية معاركها التخريبية ضد هذه المبادرة ورأت فيها نهاية مشروعها بالوصول إلى السلطة فسعوا من داخل الحكومة وبخارجها إلى تعطيلها ونجحوا في ذلك فإذا باتفاق السلام الذي كان ممكناً يبتلعونه في فتيل السياسة الاستغلالية ولن ينسى الشعب السوداني الدور الذي لعبوه في محاولة النيل من الديمقراطية نفسها فكانت جريمتهم الكبرى هي انقلابهم على الشرعية الشعبية في 30 يونيو 1989 الذي قاده عمر البشير والدكتور حسن الترابي وعملائهما في الجيش ليسقطوا حكومة ديمقراطية كان يمكن أن تغير الكثير وتصنع أساساً لدولة ديمقراطية حقيقية ولكن الكيزان أعادوا البلاد إلى الظلام مرة أخرى لكن هذه المرة تحت راية الدين نفسه التي ابتذلوها واستهلكوها وانتهكوها.
أما جريمة اغتيال الفكر التي سبقت الانقلاب بأشهر قليلة فهي نقطة سوداء في جبين الحركة الإسلامية إلى الأبد ففي 18 يناير 1985 أُعدم المفكر محمود محمد طه بموجب حكم من محكمة الطوارئ على خلفية فتوى تكفير اتخذها نظام نميري بدفع وإسناد وتأييد من الحركة الإسلامية التي كانت المنتفع الأول والمسؤول المباشر عن إسكات صوت كان يدعو إلى إسلام تنويري رحيم ويساوي بين المواطنين مهما اختلفت عقائدهم فبذلك قطعت الحركة الإسلامية الطريق أمام تيار إصلاحي كان يمكن أن يغيّر وجه السودان نحو الاعتدال والسلام ويجسد جوهر الإسلام بعيداً عن المتاجرة بالغلو والتشدد.
وبعد الانقلاب بدأت مرحلة جديدة عنوانها النهب المنظم للدولة وسياسة الإسلام السياسي الشمولي فأقامت الحركة مشروعها البديل من الحكم الإسلامي وعملت على استبدال مفهوم المواطنة بمفهوم الولاء الحزبي والانتماء الإخواني فشكّلت معاقلها داخل كل مؤسسات الدولة وأزالت البيروقراطية المحترفة وحلت محلها شبكة من الأيدي الأمنية للتنظيم وبدأ التمكين ومصادرة القرار العام وتفكيك الدولة العادلة لتحل محلها دولة الولاءات فلم تعد الوظيفة العامة لأهل الكفاءة بل لأهل الولاء وبدأت المؤسسات تنهار تباعاً ليحل محلها التنظيم الولائي (بفتح الواو) الذي لا يعترف إلا بأصحابه المنتمين للحزب الفاسد وخلال سنوات الحكم الترابي البشيري ارتكبت الأجهزة الأمنية والعسكرية والمليشيات المتفرعة من الحركة أبشع انتهاكات حقوق الإنسان في تاريخ البلاد الحديث وقد وثقت لها منظمات حقوقية محلية ودولية وتحقيقات رسمية لاحقة ومنها المجازر والتصفيات الجماعية التي وقعت في معسكرات العسكريين الموالين للشرعية الدستورية عام 1990 حيث أُعدم الضباط دون محاكمة عادلة في واحدة من أبشع مجازر الجيش السوداني الحديث ومنها أيضاً الجريمة النكراء التي وقعت في مدينة الدبيبات في كردفان عام 1991 حيث تعرض المدنيين للقتل والإحراق والنهب على يد قوات الكيزان ومليشياتهم أما جبال النوبة فسجلها من التهجير والتطهير العرقي والقتل المنظم فهو آية أخرى في سجل الفظائع فقد تعرضت المنطقة خلال تسعينيات القرن الماضي لحملات عسكرية واسعة استخدمت فيها المليشيات واستهدفت المدنيين المسالمين دون تمييز وأدت إلى نزوح جماعي ودمار شامل للقرى والمدارس والمساجد والكنائس وكانت الانتهاكات في أقبية التعذيب المخفية التي يكفي ذكر اسم واحد منها لأن يستدعي صور التعذيب الوحشي والاختفاء القسري الذي امتد لأكثر من 20 عاماً وشمل آلاف المعارضين والنساء المعتقلات في ظروف فظيعة.
وفي دارفور تحولت الحركة الإسلامية ونظامها إلى مرتكب جرائم ضد الإنسانية فعندما خرج أهل دارفور يطالبون بالعدالة وإنهاء الهامش التاريخي في 2003 ردت السلطة بتفجير مليشيات الجنجويد ودعمها عسكرياً ولوجستياً فارتكبت مجازر بحجم فظيع منها مجزرة كتم في 2004 ومجزرة توندوغوا وغيرها من القرى التي دمرت ومسحت من الوجود وأسفر عن هذه الهجمات نزوح ووفاة الآلاف واصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق رأس النظام بتهمة الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وهو ما يكفي وحده كشهادة تاريخية على طبيعة هذا المشروع ولم تكن دارفور استثناء بل كانت القاعدة لأن نهج الحركة الإسلامية هو اللجوء إلى العنف المنظم كلما شعرت بخطر على سلطتها ففي المناطق الحدودية.
وفي الجيش كان المشروع أكثر خطورة فقد عملت الحركة الإسلامية على إخضاع الجيش الوطني الصامد لمشروعها السياسي فبدأت منذ التسعينيات برنامج التمكين داخل القوات المسلحة حيث أُقصي الضباط الأكفاء الموالين للوطن والدستور وحل محلهم عناصر من الحزب الحاكم وتعمقت الفجوة بين عناصر الجيش الشعبية وبين القيادة الأمنية الحزبية وتحولت مؤسسة الدفاع الوطني تدريجياً إلى أداة لحماية الحزب الحاكم لا لحماية الشعب والأرض والعرض ثم جاءت الخطوة الأشد خطورة وهي إنشاء المليشيات الموازية ففي 1989 شكّل النظام ما يسمى بالدفاع الشعبي الذي كان حاضنة تدريبية لتنظيم الإخوان المسلمين وضربة موجهة لشرعية الجيش ولعب دوراً دموياً في كل الحروب الأهلية التي شنها النظام وأصبح نواة لتنظيمات أمنية وعسكرية أخرى ثم ظهرت كتائب الظل وهي تنظيم سري مواز يعمل خارج القانون لتصفية المعارضين والتنكيل بالنشطاء وتعذيب المدنيين وبث الرعب في المجتمع ثم جاءت الذروة الكارثية مع تشكيل قوات الدعم السريع في 2013 على يد محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي من بقايا مليشيات الجنجويد التي ارتكبت جرائم الإبادة في دارفور فتحولت هذه المليشيات إلى قوة عسكرية نظامية داخل البلاد وتم إدماجها كأداة لضرب الثورة الشعبية في 2019 ومجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019 التي راح ضحيتها أكثر من 120 شهيداً دفعة واحدة خير شاهد على هذه المسيرة من اللا إنسانية التي جمعت ما بين مشروع الإسلام السياسي ومليشيات الإبادة في تحالف رهيب ضد الشعب السوداني ولا يمكن إغفال دور الحركة الإسلامية في محاربة ورفض كل فرصة للتحول الديمقراطي فبعد انتفاضة ديسمبر 2018 وإسقاط البشير في أبريل 2019 سعت الحركة الإسلامية إلى تحويل الثورة وخنقها من الداخل ودعمت مجزرة القيادة العامة ونشرت تسعة طويلة بدعم من الجهات الأمنية والعسكرية ومخالبها داخل الشرطة والجيش ورفضت كل استحقاقات المرحلة الانتقالية وعملت على الاحتكاك اليومي لتدمير تجربة الحكم المدني وإعادة إنتاج العسكر بشكل جديد تحت مسمى الدعم السريع والجيش.
ونصل إلى كارثة 15 أبريل 2023 التي أشعلت حرباً مدمرة بين الجيش والدعم السريع وهي حرب أعلنها الكيزان في إفطاراتهم الرمضانية وكان رفض الاتفاق الإطاري الذي يحاكمهم ويحاسبهم ويخرجهم من المشهد السياسي فكانت الحرب والتي خلفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين المهجرين وتدميراً شاملاً للعمران والاقتصاد والمؤسسات وتقسيم البلاد جغرافياً وعرقياً واجتماعياً ورغم كل هذه الفاجعة فإن الحركة الإسلامية ما تزال تصر على أن يبقى الحكم في يد عسكرها وتوظف كل طاقتها الإعلامية والسياسية لتعطيل أي أفق للسلام وتروّج للمزيد من المماطلة والمراوغة وتلعب دور الحاضنة الضمنية للحكم العسكري وتشجع أخطاءه وجرائمه وتعوّمها وتزوّر التاريخ لتبرئ ساحتها وتوجه الأنظار بعيداً عن مسؤوليتها الأصلية كمشروع سياسي فاشل نهب الدولة ودمر المؤسسات وأشعل الحروب ومارس الكراهية والاستعلاء الديني ضد كل من خالفه.
هذه الحركة التي جعلت من الدين سلعة رخيصة في سوق السياسة لم تفهم أن الحكم بالدين كما تروج له ليس إلا تجارة بالغيب وتزويراً للوعي واستغلالاً لمشاعر الناس المؤمنة الصادقة ورأينا كيف كانت فترة حكم الكيزان من 1989 إلى 2019 وكيف خرجت البلاد منها مدمرة فقيرة مقسمة بعيدة عن كل خير ونماء وعدالة فإذا كان الدين الحقيقي كما جاء في كتبه هو العدل والرحمة والرفق والمساواة والشورى والأمانة فإن مشروع الحركة الإسلامية في السودان هو المضاد الحرفي لذلك الدين ولا يمكن أن يكون شاهداً عليه بل شاهداً على كيف يتحول الدين إلى سلطة جائرة وتنظيم طائفي واقتصاد ريعي فاسد ومليشيات قتل ومعسكرات تعذيب وإبادة جماعية والسودان اليوم بحاجة إلى دولة مدنية عادلة تقوم على المواطنة والتعددية وعلو الدستور على الجميع ولا تسمح لأي حزب مهما كان شعاره أن يحتكر الدين أو يحتكر السلاح أو يحتكر الوطن وإلا فإن دائرة العنف لن تتوقف ولن تنتهي هذه المأساة إلا حين يعترف الجميع بأن حكم الأحزاب بالدين تجارة خاسرة وتاريخ مظلم لا يجب أن يتكرر.