![]()
شكّلت سيطرة جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن على جزيرة بريم، التي تُشبه بموقعها الإستراتيجي مفتاح مضيق باب المندب، تطورًا عسكريًا وسياسيًا تتواصل تداعياته في دول البحر الأحمر، وسط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
وفي ظل هذه التطورات، برز اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مشهد يعكس حساسية التطورات المتسارعة في البحر الأحمر، خصوصًا مع تنامي المخاوف من تحول باب المندب إلى بؤرة جديدة للصراع الإقليمي، بالتزامن مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أقل حضورًا في المشهد، فيما تواجه حركة الملاحة وأمن الطاقة في المنطقة ضغوطًا متزايدة، مع تراجع حركة السفن التي تقبل بالمخاطرة في ظل التوترات الأمنية.
وتطرح التطورات الأخيرة ثلاثة أسئلة رئيسية: من يملك القدرة ميدانيًا على احتواء التصعيد في اليمن ومنع تحوله إلى نزاع إقليمي أوسع؟ وما طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه السعودية ومصر؟ ولماذا تبدو القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مترددة في التدخل الحاسم؟
“الحوثيون أمام جبهات متعددة”
وفي هذا الإطار، قال مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود، إن الحوثيين حققوا بالفعل تقدمًا عسكريًا ملموسًا يشكل تهديدًا للمملكة العربية السعودية. لكنه أضاف أن الجماعة تواجه مأزقًا أكبر مما كانت عليه سابقًا، إذ باتت مطالبة بالتعامل مع جبهات متعددة في وقت واحد.
وأوضح أن الحوثي ليس كيانًا سياسيًا يمتلك تمثيلاً يمكن أن يوظَّف في العمل السياسي، بل هو قوة مسلحة تعتمد على السلاح في السيطرة والتقدم داخل اليمن، حسب قوله.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من الرياض، أشار المطيري إلى أن هذا السلاح يخدم أيضًا مصالح طهران، التي وفرت البيئة العسكرية التي سمحت للحوثيين بتحقيق هذه المكاسب، في سياق تصعيد يتزامن مع المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران.
وأضاف أن باب المندب أصبح أحد الروافد العسكرية الحيوية لطهران، وأن تحركات الحوثيين في هذا الاتجاه تعكس ارتباطهم بأجندة إقليمية لا تعبّر عن الإرادة الوطنية للشعب اليمني.
وعن الدور المصري المحتمل، قال المطيري إن مصر دولة كبيرة ووازنة في المنطقة، ولها أهمية خاصة في أمن البحر الأحمر، مؤكدًا أن الحديث عن مصر هو حديث عن الأمن القومي العربي، وأنها صاحبة مشروع الأمن القومي العربي، وبالتالي فإن دورها في هذه المرحلة بالغ الأهمية لمساندة السعودية في مواجهة التحديات الراهنة.
الحوثيون: التحركات في باب المندب رد على الحرب والحصار
وبشأن سؤال حول كيفية النظر إلى السيطرة على باب المندب، قال ضيف الله الشامي، عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله الحوثيين، إن ما جرى في اليمن هو نتيجة “عدوان سعودي” على الشعب اليمني ومحاولة إخضاعه عبر حصار شامل.
وفي حديثه للتلفزيون العربي، أوضح أن هذا الحصار بدأ منذ مارس/ آذار 2015 وما زال مستمرًا حتى اليوم، مترافقًا مع ضربات عسكرية استهدفت البنية التحتية، وتدمير الموانئ والمطارات ونهب ثروات البلاد، ما أدى إلى تفتيت المجتمع اليمني وإيصاله إلى مرحلة انسداد الحلول.
وأكد أن باب المندب ممر حيوي وآمن للملاحة الدولية، وأن السفن تمر فيه باستثناء السفن السعودية التي تُعتبر هدفًا مشروعًا للحوثيين بسبب “اعتداءاتها”.
وشدد على أن الجماعة لم تعلن حربًا على اليمنيين في الداخل، بل وجهت لهم رسائل طمأنة ودعتهم للحياد في الصراع مع السعودية التي “تنهب مقدرات اليمن وتحتل أجزاء من أراضيه”.
وختم بالقول إن الحوثيين يحملون مسؤولية استعادة ثروات الشعب اليمني من السعودية، وأن الرياض بعدما تكبدت خسائر في المعركة لجأت إلى حشد قواتها والإعلان عن معركة “تحرير صنعاء”، في محاولة لتغيير مسار المواجهة.
أزمة باب المندب امتداد لحرب طويلة
من جهته، أوضح أنور العنسي، الصحفي والخبير في الشأن اليمني، أن جذور الأزمة تعود إلى وضع اليمن تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي منح التحالف بقيادة السعودية تفويضًا لاستعادة الشرعية بعد انقلاب جماعة أنصار الله الحوثية على الإجماع الوطني في 21 سبتمبر/ أيلول 2014 باجتياحها العاصمة صنعاء.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من لندن، أشار العنسي إلى أن ما نشهده اليوم في باب المندب والبحر الأحمر هو نتيجة متأخرة لمسار بدأ قبل اثني عشر عامًا. وأضاف أن مطالبة الحوثيين بحقوق الشعب اليمني ورفع معاناته أمر مفهوم، لكن لا يمكن أن يتحقق عبر شن المزيد من الحروب على مختلف المناطق.
وقال العنسي إن غالبية اليمنيين يتطلعون إلى استعادة صنعاء كعاصمة موحدة لكل أبناء اليمن، بمن فيهم الحوثيون أنفسهم. لكنه شدد على أن الجماعة لم تقدّم خلال سنوات حكمها نموذجًا وطنيًا عادلًا، ولم تقبل بمشاركة الآخرين في السلطة، كما أنها لا تستطيع التخلي عنها بعدما تعتبرها “مكاسب ربانية” تحققت لها.
وأكد أن الحوثيين يمثلون في الأساس مشروع حرب رعته إيران، ليكونوا أداة ضغط في البحر الأحمر وخنجرًا في خاصرة السعودية، وفي الوقت نفسه سلطة مطلقة داخل اليمن بلا محاسبة، حسب قوله.
مصر والسعودية أمام اختبار البحر الأحمر
وبشأن سؤال حول موقع مصر ودورها في هذه المرحلة، أوضح أشرف العشري، مدير تحرير جريدة الأهرام، أن الموقف المصري ثابت منذ انطلاق عملية “عاصفة الحزم” عام 2015، حيث عبّرت القاهرة عن رفض قاطع لممارسات الحوثيين في اليمن، سواء ما يتعلق بتهديد الأمن السعودي أو أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من القاهرة، أضاف العشري أن الموقف المصري يتماهى مع الموقف السعودي والخليجي والعربي الرافض لأي ممارسات حوثية، مشيرًا إلى أن الانتصارات الأخيرة للجماعة قوبلت بتنديد مصري واضح، خصوصًا مع محاولاتها عسكرة الملاحة في البحر الأحمر، وهو أمر تعتبره القاهرة قضية مصيرية لأمنها القومي.
وأكد أن مصر عانت خلال العامين الماضيين من تداعيات ممارسات الحوثيين في البحر الأحمر، ما دفعها إلى تعزيز لتنسيق مع السعودية.
وأشار إلى أن القمة الاستثنائية التي شهدتها القاهرة جاءت في توقيت حساس لتشكيل قوة ردع مصرية ـ سعودية، تهدف إلى منع عسكرة الملاحة وضمان حرية المرور في باب المندب، وعدم تكرار سيناريو مضيق هرمز في البحر الأحمر.
وختم العشري بالقول إن هناك بالفعل خطة إستراتيجية عسكرية قد تُفعّل قريبًا، خاصة في ظل خيبة أمل مصرية ـ سعودية ـ خليجية من المواقف الأميركية والأوروبية، لافتًا إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن اتصالاته بالحوثيين وطلبه منهم عدم القيام بعمل عسكري، زادت من هذا الشعور بالخذلان.
