![]()
الخبير الاقتصادي د. هاشم عبدالله لـ«مسار ميديا»: زيادة الدولار الجمركي تُفاقم الغلاء.. والحل في الإنتاج والصادرات وحكومة الكفاءات
تقرير خاص – هادية صباح الخير
حذّر الخبير الاقتصادي الدكتور هاشم عبدالله من التداعيات المعيشية والاقتصادية المترتبة على زيادة سعر الدولار الجمركي، مؤكداً أن انعكاسات القرار لن تتوقف عند حدود المستوردين والتجار، وإنما ستمتد إلى أسعار السلع الأساسية وتكاليف النقل والعلاج والتعليم، في وقت يواجه فيه المواطن السوداني ضغوطاً معيشية متصاعدة نتيجة الحرب وتراجع الإنتاج وتدهور قيمة العملة الوطنية.
وأوضح عبدالله، في حديث خاص لصحيفة «مسار ميديا»، أن رفع سعر الدولار الجمركي من 3,743 جنيهاً إلى 5,631 جنيهاً للدولار الواحد، وفق الأرقام الواردة في القرار محل النقاش، يمثل زيادة مباشرة في تكلفة التخليص الجمركي، الأمر الذي يدفع المستوردين إلى تحميل الزيادة على أسعار البيع، لتنتقل تبعاتها في نهاية المطاف إلى المستهلك الذي أصبح يعاني صعوبة متزايدة في توفير احتياجاته اليومية.
الدولار الجمركي.. إيرادات حكومية على حساب المواطن؟
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن اللجوء المتكرر إلى زيادة الدولار الجمركي يعكس، في تقديره، محدودية البدائل التي تتجه إليها الحكومة لتعزيز الإيرادات العامة، محذراً من أن الاعتماد على هذا المسار دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية قد يؤدي إلى مزيد من التضخم وتآكل القوة الشرائية للجنيه السوداني.
وأضاف أن المواطن بات محاصراً بارتفاع أسعار الغذاء والدواء والرسوم الدراسية وتكاليف الترحيل وغيرها من متطلبات الحياة اليومية، في ظل تراجع الدخول واتساع دائرة الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف الاستيراد عبئاً إضافياً على الأسر محدودة الدخل.
وشدد عبدالله على أن معالجة العجز في الإيرادات لا ينبغي أن تقوم على تحميل المواطن أعباء جديدة بصورة مستمرة، وإنما تتطلب مراجعة شاملة للسياسات المالية والاقتصادية، والبحث عن مصادر دخل مستدامة ترتبط بالإنتاج والتصدير وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة.
الحرب عطّلت الإنتاج والصادرات وعمّقت الأزمة
وأكد عبدالله أن الاقتصاد السوداني تعرض لاضطرابات واسعة منذ سنوات، تفاقمت بصورة حادة مع اندلاع الحرب، التي ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والأنشطة الإنتاجية وسلاسل الإمداد، وأثرت على حركة التجارة والصادرات والاستيراد.
ولفت إلى أن تراجع الإنتاج المحلي وتقلص النشاط الاقتصادي يضعان ضغوطاً إضافية على موارد الدولة من النقد الأجنبي، ويزيدان صعوبة تمويل الواردات الضرورية، في وقت تتزايد فيه احتياجات البلاد إلى السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج وإعادة الإعمار.
ورأى أن تجاوز الأزمة يتطلب الانتقال من المعالجات المالية قصيرة الأجل إلى استراتيجية اقتصادية واضحة، تتعامل مع الحرب وتداعياتها بوصفها تحدياً يتطلب تنسيقاً مؤسسياً بين وزارة المالية والجهات الاقتصادية وبنك السودان المركزي، مع تحديد أهداف قابلة للقياس ومتابعة تنفيذها.
الذهب والصادرات.. مفتاح استعادة النقد الأجنبي
وطرح الخبير الاقتصادي حزمة من البدائل التي يرى أنها يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط على المواطن وتعزيز موارد الدولة، وفي مقدمتها زيادة الإنتاج، وإحكام الرقابة على إنتاج الذهب وتداوله وتصديره، وتطوير آليات تضمن دخول حصائل الصادرات عبر القنوات المصرفية الرسمية.
وأوضح أن الذهب يمثل مورداً مهماً للنقد الأجنبي، وأن تعزيز الرقابة على عمليات شرائه وتصديره، ومكافحة التهريب، وتحسين شفافية التعاملات، يمكن أن يدعم احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية ويعزز قدرة الجهاز المصرفي على تمويل الأنشطة الاقتصادية.
وأشار إلى أهمية وضع آليات مصرفية واضحة وشفافة لتوظيف حصائل الصادرات في تمويل احتياجات المستوردين من السلع الضرورية، وفق أولويات معلنة وضوابط رقابية تمنع المضاربات وتحد من الاختلالات في سوق النقد الأجنبي.
ودعا كذلك إلى مراجعة سعر الدولار الجمركي بما يراعي الأوضاع المعيشية، مع دراسة أثر أي تعديل على الإيرادات العامة والأسعار، حتى لا تتحول زيادة التحصيل إلى عامل إضافي يرفع تكلفة السلع ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
القطاع العام واستيراد السلع الأساسية
وشدد عبدالله على ضرورة تنشيط دور شركات القطاع العام في توفير السلع الأساسية، وفق دراسات جدوى وضوابط مالية ورقابية تضمن الكفاءة والشفافية، وتحد من الاحتكار والمضاربات، مع إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للمشاركة في توفير احتياجات السوق.
وأكد أن نجاح هذه الخطوة يتطلب تحديد السلع ذات الأولوية، وتحسين إدارة المخزون وسلاسل التوزيع، ومراقبة الأسعار، وتجنب أي ممارسات قد تؤدي إلى إهدار الموارد أو خلق احتكارات جديدة.
وأضاف أن زيادة الإيرادات بصورة مستدامة لا تتحقق بالجبايات وحدها، وإنما بتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحريك القطاعات الزراعية والصناعية والحيوانية والتعدينية، وتشجيع الصادرات، وتهيئة بيئة تساعد المنتجين على استعادة نشاطهم رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
من المسؤول عن إدارة الملف الاقتصادي؟
وفي ما يتعلق بإدارة الأزمة، دعا الخبير الاقتصادي إلى وضع آلية تنسيق واضحة بين وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي وبنك السودان المركزي والوزارات ذات الصلة، بحيث تعمل المؤسسات المعنية وفق أهداف مشتركة، بدلاً من تعدد القرارات وتغير السياسات بصورة تربك الأسواق والمنتجين والمستوردين.
ورأى أن المرحلة الراهنة تتطلب الاستعانة بالكفاءات الاقتصادية القادرة على إعداد برامج واقعية للتعافي، وتحديد الأولويات، وترتيب الإنفاق العام، وتطوير أدوات إدارة الموارد، مع إخضاع السياسات والقرارات للتقييم المستمر وفق نتائجها الفعلية على الاقتصاد والمواطن.
كما دعا إلى إفساح المجال أمام الكفاءات المستقلة للمشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية، بعيداً عن المحاصصات الحزبية والجهوية، مع ضرورة وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، بما يضمن استقرار القرار الاقتصادي واستمرارية مؤسسات الدولة.
حكومة كفاءات.. أولوية لإنقاذ الاقتصاد
وأكد عبدالله أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى إدارة تنفيذية تمتلك رؤية واضحة وخطة عمل قابلة للتطبيق، مشيراً إلى أن تشكيل حكومة من الكفاءات المستقلة، وفق ترتيبات دستورية وقانونية واضحة ومشاركة واسعة، يمكن أن يفتح المجال أمام معالجة الاختلالات الاقتصادية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
ودعا إلى الفصل الواضح بين متطلبات إدارة الملف الأمني والعسكري، ومسؤوليات الإدارة الاقتصادية والخدمية، بما يتيح لكل جهة التركيز على اختصاصاتها، ويضمن وجود قيادة تنفيذية مسؤولة عن تنفيذ برنامج اقتصادي محدد ومعلن.
وشدد على أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يبدأ بتحديد الأولويات العاجلة، وفي مقدمتها تخفيف الضغوط المعيشية، وتأمين السلع الأساسية، وتحريك الإنتاج، وزيادة الصادرات، وضبط الإنفاق العام، وتحسين إدارة الإيرادات، مع مكافحة الفساد والتهريب وتعزيز الرقابة على المال العام.
المواطن أولاً.. والاقتصاد يحتاج إلى قرارات مختلفة
واختتم الخبير الاقتصادي الدكتور هاشم عبدالله حديثه بالتأكيد على أن استمرار الاعتماد على زيادة الدولار الجمركي والجبايات، دون إصلاح هيكلي يرفع الإنتاج ويعزز الصادرات، قد يفاقم الأزمة المعيشية ويضعف قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وأشار إلى أن السودان يمتلك موارد اقتصادية كبيرة وإمكانات إنتاجية متنوعة، غير أن الاستفادة منها تتطلب إدارة كفؤة وسياسات مستقرة وتنسيقاً مؤسسياً ورؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة.
ويبقى السؤال الذي تفرضه الأزمة على صانعي القرار: إلى متى تستمر معالجة عجز الإيرادات بزيادة الأعباء على المواطن، بدلاً من توسيع الإنتاج وتعظيم الصادرات وبناء اقتصاد قادر على تمويل احتياجات الدولة دون سحق القدرة الشرائية للمواطن السوداني؟
مسار ميديا – نصنع الحدث ونترك الأثر لغيرنا.
The post الخبير الاقتصادي د. هاشم عبدالله لـ«مسار ميديا»: زيادة الدولار الجمركي تُفاقم الغلاء.. والحل في الإنتاج والصادرات وحكومة الكفاءات تقرير خاص – هادية صباح الخير first appeared on مسار ميديا.